ثم يمضي السياق يبين للذين آمنوا بعض أحكام الصيام . فيقرر لهم حل المباشرة للنساء في ليلة الصوم ما بين المغرب والفجر ، وحل الطعام والشراب كذلك ، كما يبين لهم مواعيد الصوم من الفجر إلى الغروب ، وحكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد :
( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ؛ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ؛ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتموا الصيام إلى الليل ، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . تلك حدود الله فلا تقربوها . كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) .
وفي أول فرض الصوم كانت المباشرة والطعام والشراب تمتنع لو نام الصائم بعد إفطاره . فإذا صحا بعد نومه من الليل - ولو كان قبل الفجر - لم تحل له المباشرة ولم يحل له الطعام والشراب . وقد وقع أن بعضهم لم يجد طعاما عند أهله وقت الإفطار ، فغلبه النوم ، ثم صحا فلم يحل له الطعام والشراب فواصل . ثم جهد في النهار التالي وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] كما وقع أن بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته ، ثم وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] وبدت المشقة في أخذ المسلمين بهذا التكليف ، فردهم الله إلى اليسر وتجربتهم حاضرة في نفوسهم ، ليحسوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة والاستجابة . . ونزلت هذه الآية . نزلت تحل لهم المباشرة ما بين المغرب والفجر :
( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) . .
والرفث مقدمات المباشرة ، أو المباشرة ذاتها ، وكلاهما مقصود هنا ومباح . . ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة ، تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقا ونداوة ، وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته ، وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة :
هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . .
واللباس ساتر وواق . . وكذلك هذه الصلة بين الزوجين . تستر كلا منهما وتقيه . والإسلام الذي يأخذهذا الكائن الإنساني بواقعه كله ، ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي ، ويأخذ بيده إلى معارج الارتفاع بكليته . . الإسلام وهذه نظرته يلبي دفعة اللحم والدم . وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة ، ويدثرها بها الدثار اللطيف . . في آن . .
ويكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم ، وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم :
( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم . فتاب عليكم وعفا عنكم ) . .
وهذه الخيانة لأنفسهم التي يحدثهم عنها ، تتمثل في الهواتف الحبيسة ، والرغبات المكبوتة ؛ أو تتمثل في الفعل ذاته ، وقد ورد أن بعضهم أتاه . . وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم ، مذ ظهر ضعفهم وعلمه الله منهم . . فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم :
ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله ، ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضا :
( وابتغوا ما كتب الله لكم ) . .
ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء ، ومن المتعة بالذرية ، ثمرة المباشرة . فكلتاهما من أمر الله ، ومن المتاع الذي أعطاكم إياه ، ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها . وهي موصولة بالله فهي من عطاياه . ومن ورائها حكمة ، ولها في حسابه غاية . فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد ، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط .
بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما ، وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما . وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى . . ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها ، في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها . وهذا هو المنهج الإسلامي للتربية والاستعلاء والنماء . المنهج الخارج من يد الخالق . وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
وكما أباح المباشرة أباح الطعام والشراب في الفترة ذاتها :
( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) . .
أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال . وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب . وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول : إنه قبل طلوع الشمس بقليل . وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت . . ربما زيادة في الاحتياط . .
قال ابن جرير - بإسناده - عن سمرة بن جندب : قال : قال رسول الله [ ص ] : " لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض ، حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر " . . ثم رواه من حديث شعبة وغيره عن سواد بن حنظلة عن سمرة قال : قال رسول الله [ ص ] : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكنه الفجر المستطير في الأفق " . . والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل . . وكان بلال - رضي الله عنه - يبكر في الأذان لتنبيه النائم ، وكان ابن أم مكتوم يؤذن متأخرا للإمساك . وإلى هذا كانت الإشارة إلى أذان بلال . .
ثم يذكر حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد . والاعتكاف - بمعنى الخلوة إلى الله في المساجد . وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة ، أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب في رمضان في الأيام الأخيرة . وكانت سنة رسول الله [ ص ] في العشر الأواخر منه . . وهي فترة تجرد لله . ومن ثم امنتعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرد الكامل ، الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء ، ويخلص فيه القلب من كل شاغل :
( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) . .
سواء في ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار .
وفي النهاية يربط الأمر كله بالله على طريقة القرآن في توجيه كل نشاط وكل امتناع . كل أمر وكل نهي . كل حركة وكل سكون :
( تلك حدود الله فلا تقربوها ) . .
والنهي هنا عن القرب . . لتكون هناك منطقة أمان . فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والإنسان لا يملك نفسه في كل وقت ؛ فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة ، اعتمادا على أنه يمنع نفسه حين يريد . ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر : ( فلا تقربوها ) . . والمقصود هو المواقعة لا القرب . ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه في التحرج والتقوى :
( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) . .
وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها ، وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا ، المخاطبون بهذا القرآن في كل حين .
ثم قال تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
كان في أول فرض الصيام ، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع ، فحصلت المشقة لبعضهم ، فخفف الله تعالى عنهم ذلك ، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع ، سواء نام أو لم ينم ، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به .
{ فتاب } الله { عليكم } بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم { وعفا عنكم } ما سلف من التخون .
{ فالآن } بعد هذه الرخصة والسعة من الله { باشروهن } وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك .
{ وابتغوا ما كتب الله لكم } أي : انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء ، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته ، وحصول مقاصد النكاح .
ومما كتب الله لكم ليلة القدر ، الموافقة لليالي صيام رمضان ، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها ، فاللذة مدركة ، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك .
{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } هذا غاية للأكل والشرب والجماع ، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه .
وفيه : دليل على استحباب السحور للأمر ، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد .
وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل ، ويصح صيامه ، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر ، أن يدركه الفجر وهو جنب ، ولازم الحق حق .
{ ثم } إذا طلع الفجر { أتموا الصيام } أي : الإمساك عن المفطرات { إلى الليل } وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته{[126]} عامة لكل أحد ، فإن المعتكف لا يحل له ذلك ، استثناه بقوله : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي : وأنتم متصفون بذلك ، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف ، وهو لزوم المسجد لطاعة الله [ تعالى ] ، وانقطاعا إليه ، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد .
ويستفاد من تعريف المساجد ، أنها المساجد المعروفة عندهم ، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس .
وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف .
{ تلك } المذكورات - وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام ، وتحريم الفطر على غير المعذور ، وتحريم الوطء على المعتكف ، ونحو ذلك من المحرمات { حدود الله } التي حدها لعباده ، ونهاهم عنها ، فقال : { فلا تقربوها } أبلغ من قوله : " فلا تفعلوها " لأن القربان ، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه ، والنهي عن وسائله الموصلة إليه .
والعبد مأمور بترك المحرمات ، والبعد منها غاية ما يمكنه ، وترك كل سبب يدعو إليها ، وأما الأوامر فيقول الله فيها : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } فينهى عن مجاوزتها .
{ كذلك } أي : بيَّن [ الله ] لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين ، وأوضحها لهم أكمل إيضاح .
{ يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه ، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه ، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم ، ولو علم تحريمه لم يفعله ، فإذا بين الله للناس آياته ، لم يبق لهم عذر ولا حجة ، فكان ذلك سببا للتقوى .
ولما تصوروا لهذه{[7800]} الآية الشريفة قربه وحبه{[7801]} على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ{[7802]} مخاطبته{[7803]} فيما قبل{[7804]} فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم وكيفاً على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير{[7805]} على أهل الرفاهية فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب . و{[7806]}الوطء في شهر الصوم والأكل بعد النوم فقال تحقيقاً للإجابة والقرب : { أحل لكم } فأشعر {[7807]}ذلك بأنه{[7808]} كان حراماً { ليلة } أي في جميع ليلة { الصيام الرفث } وهو ما يواجه{[7809]} به النساء في أمر النكاح{[7810]} ، فإذا غير{[7811]} فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة ، ويدل عليه وصله{[7812]} بحرف الانتهاء{[7813]} بياناً لتضمين الإفضاء أي مفضين { إلى نسائكم } بالجماع قولاً وفعلاً ، وخرج بالإضافة نساء الغير{[7814]} .
ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالباً قال مؤكداً لإرادة حقيقة الرفث وبيان السبب في إحلاله : { هن{[7815]} } أي نساؤكم { لباس لكم } تلبسونهن ، والمعنى : أبيح ذلك في حالة{[7816]} الملابسة أو صلاحيتها ، وهو يفهم أنه لا يباح نهاراً - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً لأن اللباس لا غنى عنه{[7817]} والصبر يضعف{[7818]} عنهن حال الملابسة والمخالطة .
ولما كان الصيام عامّاً للصنفين قال : { وأنتم لباس لهن }{[7819]} يلبسنكم{[7820]} ، ثم علل ذلك بقوله مظهراً لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته الرفق{[7821]} بها { علم الله } أي{[7822]} المحيط علمه ورحمته {[7823]}وله الإحاطة الكاملة{[7824]} كما قدم{[7825]} من كونه قريباً اللازم منه كونه رقيباً { أنكم كنتم تختانون } أي تفعلون في الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه ، والخيانة التفريط في الأمانة ، والأمانة ما وضع ليحفظ{[7826]} ، روى البخاري في التفسير عن البراء{[7827]} رضي الله تعالى عنه قال : " لما نزل صوم{[7828]} رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله عزّ وجلّ { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم- الآية{[7829]} } " ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضاً رضي الله تعالى عنه قال : " كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها " وإن صرمة{[7830]} بن قيس الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية .
ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم{[7831]} قال : { أنفسكم } ، ثم سبب عنه قوله : { فتاب عليكم } . قال الحرالي : ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة{[7832]} جبلاتهم فعذرهم{[7833]} بعلمه فيهم ولم{[7834]} يؤاخذهم{[7835]} بكتابه عليهم ، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع{[7836]} اليمن{[7837]} في الطائفتين ، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته ، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها{[7838]} وصرف عنها ما علم أنها تختان{[7839]} فيه لما جبلت عليه من خلافه ، وكذلك{[7840]} حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك{[7841]} ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك{[7842]} ودواعيه لاجتنبها ، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة ، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد{[7843]} على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله ، فتفشو{[7844]} فيها المخالفة لذلك ، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف{[7845]} عن هذه الأمة بإجراء شرعتها{[7846]} على ما يوافق خلقتها ، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم ، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن ربك يسارع إلى هواك " ليكون {[7847]}لهم حظ مما لنبيهم كليته ، وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه :
" اللّهم ! أدر الحق معه حيث دار " كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع بالحرب {[7848]}ويكف الجبان{[7849]} عنه ، حتى لا تظهر{[7850]} فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق ، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب{[7851]} على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه{[7852]} وأوفق{[7853]} لخلقه{[7854]} وخلقه ، ففيه{[7855]} أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن{[7856]} فارس{[7857]} و{[7858]}الروم يصنعون{[7859]} ذلك{[7860]} فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً " لتجري{[7861]} الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولاً إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم ، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات{[7862]} هذا الأصل{[7863]} العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة{[7864]} محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر{[7865]} فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم . وفي قوله{[7866]} { وعفا عنكم } أي بمحو{[7867]} أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ذلك من تطهر{[7868]} منه من نحو كفارة وشبهها ، ولما كان ما أعلى إليه{[7869]} خطاب الصوم صوم الشهر على حكم وحدته{[7870]} الآتية{[7871]} على ليلة{[7872]} ونهاره إعلاء عن{[7873]} رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم العبادة{[7874]} والليل على حكم الطبع{[7875]} والحاجة{[7876]} فكان في هذا الإعلاء{[7877]} إطعام الضعيف مما{[7878]} يطعمه الله ويسقيه لا لأنّه منه {[7879]}أخذ بطبع{[7880]} بل بأنه{[7881]} حكم عليه حكم بشرع{[7882]} حين جعل الشرعة{[7883]} على حكم طباعهم ، كما قال في الساهي : " إنما أطعمه الله وسقاه{[7884]} " ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام : " إني لست كهيئتكم " ، فكان يواصل ، وأذن في الوصال إلى السحر ، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه ، فصار نكاحهم ائتماراً بحكم{[7885]} الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال : { فالآن } أي حين{[7886]} أظهر{[7887]} لكم إظهار{[7888]} الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم فسدت{[7889]} عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم { باشروهن } حكماً{[7890]} ، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلاً حيث صار طاعة ، وهو من المباشرة وهي التقاء البشرتين عمداً { وابتغوا } أي اطلبوا {[7891]}بجد ورغبة{[7892]} { ما كتب الله } {[7893]}أي الذي له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره{[7894]} { لكم } أي من الولد أو{[7895]} المحل الحل ، وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي{[7896]} رمضان نائل بركة ذرئه{[7897]} على نكاح{[7898]} أمر به{[7899]} حتى كان بعض علماء الصحابة{[7900]} يفطر على النكاح .
وكلوا واشربوا } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات ، " فإن لم يجد فعلى تمرات{[7901]} ، فإن لم يجد حسا حسوات{[7902]} من ماء " وقال : " إن الماء طهور " ، وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع{[7903]} - انتهى . ولأنه سبب العطش ، ودل على وجوب تبييت{[7904]} النية{[7905]} وجواز تأخير الغسل إلى النهار{[7906]} ، بقوله { حتى } فإن في جعل تبين{[7907]} الفجر غاية لحل{[7908]} المفطرات إيجاباً لمراقبته للكف عنها ، وذلك هو حقيقة النية ، {[7909]}ومن استمر مباشراً إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال ليلاً{[7910]} وقال : { يتبين } قال الحرالي : بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف الناظر نظره{[7911]} ، وكأن الطالع ، يتكلف الطلوع ، ولم يقل : يبين{[7912]} ، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى . وفي قوله : { لكم } بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن التكليف بما في الوسع{[7913]} { الخيط الأبيض }{[7914]} قال الأصبهاني : وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود . وقال الحرالي : فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط { من الخيط الأسود{[7915]} } {[7916]}قال الأصبهاني : وهو ما يمتد معه{[7917]} من غبش{[7918]} الليل أي{[7919]} البقية من الليل ، وقيل : ظلمة آخر الليل ، شبها بخطين أبيض وأسود . وقال الحرالي{[7920]} : ففيه إنهاض لحسن الاستبصار{[7921]} في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى{[7922]} العبد نور حسن{[7923]} بتبين{[7924]} ذلك على دقته ورقته{[7925]} وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ{[7926]} أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل { من الفجر } يعني فبين الأبيض ، {[7927]}فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة{[7928]} أو الكلام ، و{[7929]}هذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم{[7930]} قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت{[7931]} بها{[7932]} فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها ، وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه ، فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة ، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها .
وقال الحرالي{[7933]} في كتاب له في أصول الفقه {[7934]}بناء على أنها مجملة{[7935]} : والخطاب بالإجمال{[7936]} ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام{[7937]} تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل يستلزم{[7938]} البيان وإلا{[7939]} عاد ذلك الممتنع ، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن ، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة{[7940]} العالم المكون ، فإن الإجمال في القرآن {[7941]}بمنزلة نطق{[7942]} الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله ، وحينئذ فلا يقال : خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة ، وفي الاقتصار على بيانه نمط{[7943]} من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر ، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل : من الليل ، كما قال : من الفجر ، اكتفاء بما{[7944]} في الفهم من الذكر ، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط{[7945]} آخر من {[7946]}فصاحة الخطاب العربي{[7947]} لأن العرب{[7948]} يردون الثالث{[7949]} إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز{[7950]} المحل المفهوم راجعاً إلى الأول بالمعنى - انتهى . وأوضح دليل على إيجاب التبييت{[7951]} أمره بالإتمام ، فإنه لما وقع الشروع فيه{[7952]} فالتقدير : فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه غاية لما أحل لكم{[7953]} فصوموا أي أمسكوا عن المفطر{[7954]} { ثم أتموا } ذلك { الصيام إلى الليل } والتعبير بثم{[7955]} إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر{[7956]} . وقال الحرالي : فكان صوم النهار إتماماً لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه{[7957]} للحس وإن كان في المعنى صوماً ، ومن معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما{[7958]} وهو في النهار تمام بالمعنى والحس ، وإنما ألزم{[7959]} بإتمام الصوم{[7960]} نهاراً واعتد به ليلاً وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلاً في وقت انتشار الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب ، ولأن الليل سبات{[7961]} ووقت توف{[7962]} وانطماس ، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار ، كأن المُطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه{[7963]} " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا " فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه ، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي{[7964]} - انتهى .
ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة للاعتكاف{[7965]} وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن والأحوال{[7966]} غير حال الصوم خص من سائر الأحوال{[7967]} الاعتكاف{[7968]} ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال : { ولا تباشروهن{[7969]} } أي في أي مكان كان { وأنتم عاكفون } أي {[7970]}بايتون مقيمون أو {[7971]}معتكفون ، ومدار مادة عكف على الحبس{[7972]} أي وأنتم حابسون{[7973]} أنفسكم لله { في المساجد } عن شهواتها بنية العبادة و { في المساجد } ظرف لعاكفون ، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد ، وتقييد الاعتكاف بها{[7974]} لا يفهم صحته في غير مسجد ، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع وليفهم حرمة الجماع في المساجد ، لأنه إذا حرم تعظيماً لما هي سبب لحرمته ومصححة{[7975]} له كانت حرمته تعظيماً {[7976]}لها لنفسها{[7977]} أولى ، أو يقال وهو أحسن : لما كان معنى العكوف{[7978]} مطلق الحبس {[7979]}قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس{[7980]} عبادة{[7981]} ، فصار كأنه قال : وأنتم{[7982]} معتكفون ، {[7983]}هذا معنى{[7984]} المبتدأ والخبر {[7985]}وما تعلق به{[7986]} ، وكأنه جرّد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية ، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع ، فإن اجتمعا كان آكد ، فإن الاعتكاف من كمال الصوم{[7987]} وذلك على وجه منع من المباشرة في المسجد مطلقاً .
قال الحرالي : وإنما كان العاكف في المسجد مكملاً لصومه لأن{[7988]} حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن{[7989]} المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا{[7990]} المعتكف المتماسك{[7991]} عن التصرف كله{[7992]} إلاّ ما لا بد له من ضرورته و{[7993]}الصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن{[7994]} اعتدى {[7995]}عليه {[7996]}هو المتمم{[7997]} للصيام ، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه{[7998]} فليس بمتمم للصيام ، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً ، قال صلى الله عليه وسلم : " من صام رمضان وأتبعه بست{[7999]} من شوال فكأنما صام الدهر " وقال {[8000]}صلى الله عليه وسلم{[8001]} : " ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر " وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم : أنا صائم ، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول{[8002]} : قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر ، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله ، كل ذلك اعتداد{[8003]} من أهل الأحلام{[8004]} والنُّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه{[8005]} .
ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم{[8006]} في{[8007]} الأحكام أما في المناهي فصريحاً وأما في الأوامر فلزوماً وتقدم فيها لأن حماه سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيراً بأداة البعد : { تلك } أي الأحكام البديعة{[8008]} النظام العالية{[8009]} المرام { حدود الله } وذكر الاسم الأعظم تأكيداً للتعظيم ، وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين {[8010]}ليمنع من دخول أحدهما في الآخر{[8011]} ، فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه {[8012]}بدلالة التضمن{[8013]} وأعاد الضمير على مفهومه المطابق استخداماً فقال : { فلا تقربوها } معبراً بالقربان ، لأنه في {[8014]}سياق الصوم{[8015]} والورع به أليق ، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من باب " من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه " {[8016]}فيدخل فيه مقدمات الجماع {[8017]}فالورع تركها{[8018]} .
ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق{[8019]} إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشاً{[8020]} : هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا ؟ فقيل{[8021]} بياناً للواقع وتشويقاً إلى التلاوة وحثاً على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه : { كذلك } أي مثل هذا البيان العلي الشأن { يبين الله } لما له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ{[8022]} بعد { آياته } التي يحق{[8023]} لعظمتها أن تضاف إليه وقال : { للناس } إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي ، وعلل ذلك بقوله : { لعلهم يتقون * } أي ليكون{[8024]} حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما علموا من هذا البيان {[8025]}من عظمته{[8026]} ، وأشعر هذا الإبهام{[8027]} أن فيهم {[8028]}من لا يتقي{[8029]} .