( واذكر ربك إذا نسيت ) . . إذا نسيت هذا التوجيه والاتجاه فاذكر ربك وارجع إليه .
( وقل : عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) . . من هذا النهج الذي يصل القلب دائما بالله ، في كل ما يهم به وكل ما يتوجه إليه .
وتجيء كلمة ( عسى ) وكلمة ( لأقرب ) للدلالة على ارتفاع هذا المرتقى ، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال .
وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا ، وذلك محذور محظور ، لأن المشيئة كلها لله { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } ولما في ذكر مشيئة الله ، من تيسير الأمر وتسهيله ، وحصول البركة فيه ، والاستعانة من العبد لربه ، ولما كان العبد بشرا ، لا بد أن يسهو{[487]} فيترك ذكر المشيئة ، أمره الله أن يستثني بعد ذلك ، إذا ذكر ، ليحصل المطلوب ، وينفع المحذور ، ويؤخذ من عموم قوله : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الأمر بذكر الله عند النسيان ، فإنه يزيله ، ويذكر العبد ما سها عنه ، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله ، أن يذكر ربه ، ولا يكونن من الغافلين ، ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة ، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله ، أمره الله أن يقول : { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } فأمره أن يدعو الله ويرجوه ، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد . وحري بعبد ، تكون هذه حاله ، ثم يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد ، أن يوفق لذلك ، وأن تأتيه المعونة من ربه ، وأن يسدده في جميع أموره .
الثانية : قوله تعالى : " إلا أن يشاء الله " قال ابن عطية : وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين ، والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين . وقوله : " إلا أن يشاء الله " في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الإيجاز ، تقديره : إلا أن تقول إلا أن يشاء الله ، أو إلا أن تقول إن شاء الله . فالمعنى : إلا أن يذكر مشيئة الله ، فليس " إلا أن يشاء الله " من القول الذي نهي عنه .
قلت : ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائي والفراء والأخفش . وقال البصريون : المعنى إلا بمشيئة الله . فإذا قال الإنسان أنا أفعل هذا إن شاء الله فمعناه بمشيئة الله . قال ابن عطية : وقالت فرقة " إلا أن يشاء الله " استثناء من قوله " ولا تقولن " . قال : وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه ، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى . وقد تقدم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في " المائدة " {[10498]} .
قوله تعالى : " واذكر ربك إذا نسيت " وفيه مسألة واحدة ، وهي الأمر بالذكر بعد النسيان - واختلف في الذكر المأمور به ، فقيل : هو قوله " وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا " قال محمد الكوفي المفسر : إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن ، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء . وقال الجمهور : هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص . وقيل : هو قوله " إن شاء الله " [ الصافات : 102 ] الذي كان نسيه عند يمينه . حكي عن ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفا . وهو قول مجاهد . وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله تعالى : " واذكر ربك إذا نسيت " قال : يستثني إذا ذكره . الحسن : ما دام في مجلس الذكر . ابن عباس : سنتين ، ذكره الغزنوي قال : فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الإثم . فأما الاستثناء المفيد{[10499]} حكما فلا يصح إلا متصلا . السدي : أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها{[10500]} . وقيل : استثن باسمه لئلا تنسى . وقيل : اذكره متى ما نسيته . وقيل : إذا نسيت شيئا فاذكره يذكركه . وقيل : اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك ، فذلك حقيقة الذكر . وهذه الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي استفتاح كلام على الأصح ، ولست من الاستثناء في اليمين بشيء ، وهي بعد تعم جميع أمته ؛ لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة وقوعه . والله الموفق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.