( وقال لهم نبيهم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا . قالوا : أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ، ولم يؤت سعة من المال ؟ قال : إن الله اصطفاه عليكم ، وزاده بسطة في العلم والجسم . والله يؤتي ملكه من يشاء . والله واسع عليم ) . .
وفي هذه اللجاجة تتكشف سمة من سمات إسرائيل التي وردت الإشارات إليها كثيرة في هذه السورة . . لقد كان مطلبهم أن يكون لهم ملك يقاتلون تحت لوائه . ولقد قالوا : إنهم يريدون أن يقاتلوا ( في سبيل الله ) . فها هم أولاء ينغضون رؤوسهم ، ويلوون اعناقهم ، ويجادلون في اختيار الله لهم كما أخبرهم نبيهم ؛ ويستنكرون أن يكون طالوت - الذي بعثه الله لهم - ملكا عليهم . لماذا ؟ لأنهم أحق بالملك منه بالوراثة . فلم يكن من نسل الملوك فيهم ! ولأنه لم يؤت سعة من المال تبرر التغاضي عن أحقية الوراثة ! . . وكل هذا غبش في التصور ، كما أنه من سمات بني إسرائيل المعروفة . .
ولقد كشف لهم نبيهم عن أحقيته الذاتية ، وعن حكمة الله في اختياره :
( قال : إن الله اصطفاه عليكم ، وزاده بسطة في العلم والجسم . والله يؤتي ملكه من يشاء . والله واسع عليم ) . .
إنه رجل قد اختاره الله . . فهذه واحدة . . وزاده بسطة في العلم والجسم . . وهذه أخرى . . والله ( يؤتي ملكه من يشاء ) . . فهو ملكه ، وهو صاحب التصرف فيه ، وهو يختار من عباده من يشاء . . ( والله واسع عليم ) . . ليس لفضله خازن وليس لعطائه حد . وهو الذي يعلم الخير ، ويعلم كيف توضع الأمور في مواضعها . .
{ وقال لهم نبيهم } مجيبا لطلبهم { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض ، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا ، فقالوا : { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي : كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه . ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال ، وهذا بناء منهم على ظن فاسد ، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال ، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها ، فلهذا قال لهم نبيهم : { إن الله اصطفاه عليكم } فلزمكم الانقياد لذلك { وزاده بسطة في العلم والجسم } أي : فضله عليكم بالعلم والجسم ، أي : بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك ، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب ، حصل بذلك الكمال ، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر ، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي ، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع ، قوة على غير حكمة ، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا { والله واسع } الفضل كثير الكرم ، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد ، ولا شريفا عن وضيع ، ولكنه مع ذلك { عليم } بمن يستحق الفضل فيضعه فيه ، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه ، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده ، ليس له راد ، ولا لإحسانه صاد .
قوله تعالى : " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " أي أجابكم إلى ما سألتم ، وكان طالوت سَقَّاءً . وقيل : دباغا . وقيل : مكاريا ، وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما يأتي : وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الملك ، وكانت النبوة في بني لاوى ، والملك في سبط يهوذا فلذلك أنكروا . قال وهب بن منبه : لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا ، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه ، فقال الله تعالى له : انظر إلى القرن{[2299]} الذي فيه الدهن في بيتك ، فإذا دخل عليك رجل فنَشّ الدهن{[2300]} الذي في القرن ، فهو ملك بني إسرائيل فأدهن رأسه منه وملكه عليهم . قال : وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة أضلها ، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا ، فنَشَّ الدهن على{[2301]} ما زعموا ، قال : فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت ، وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه ، ثم قال لبني إسرائيل : " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " . وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معربان ؛ ولذلك ، لم ينصرفا ، وكذلك داود ، والجمع طواليت وجواليت ودوايد ، ولو سميت رجلا بطاوس وراقود{[2302]} لصرفت وإن كان أعجميين . والفرق بين هذا والأول أنك تقول : الطاوس ، فتدخل الألف واللام فيمكن في العربية ولا يمكن هذا في ذاك .
قوله تعالى : " أنى يكون له الملك علينا " أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه . جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا : " أنى " أي من أي جهة ، ف " أنى " في موضع نصب على الظرف ، ونحن من سبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير ، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله : " إن الله اصطفاه " أي اختاره وهو الحجة القاطعة ، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت ، وهو بسطته في العلم الذي هو مِلاك الإنسان ، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء ، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة ، وإنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب ، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته ، وإن كانوا أشرف منتسبا . وقد مضى في أول السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويغني{[2303]} . وهذه الآية أصل فيها . قال ابن عباس : كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه ، وزيادة الجسم مما يهيب العدو . وقيل : سمى طالوت لطوله . وقيل : زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة ، ولم يرد عظم الجسم ، ألم تر إلى قول الشاعر{[2304]} :
ترى الرجل النحيف فتَزْدَريه *** وفي أثوابه أَسَدٌ هَصُورُ{[2305]}
ويعجبك الطَّرِيرُ فتبتليه *** فيُخْلِفُ ظنك الرجلُ الطريرُ{[2306]}
وقد عظم البعير بغير لُبٍّ *** فلم يستغن بالعِظَمِ البعير
قلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : ( أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا ) فكن يتطاولن ، فكانت زينب أولهن موتا ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق ، خرجه مسلم . وقال بعض المتأولين : المراد بالعلم علم الحرب ، وهذا تخصيص العموم من غير دليل . وقد قيل : زيادة العلم بأن أوحى الله إليه ، وعلى هذا كان طالوت نبيا ، وسيأتي .
قوله تعالى : " والله يؤتي ملكه من يشاء " ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو من قول شمويل وهو الأظهر . قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج ، فأراد إن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى : " والله يؤتي ملكه من يشاء " . وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك . ثم قال لهم على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم : " إن آية ملكه " . ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله : " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " . قال ابن عطية : والأول أظهر بمساق الآية ، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة ، وإليه ذهب الطبري .