في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

285

ثم هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنسانا ، لا حيوانا ولا حجرا ، ولا ملكا ولا شيطانا . تعترف به كما هو ، بما فيه من ضعف وما فيه من قوة ، وتأخذه وحدة شاملة مؤلفة من جسد ذي نوازع ، وعقل ذي تقدير ، وروح ذي أشواق . . وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق ؛ وتراعي التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات ؛ وتلبي كل حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثل الفطرة . . ثم تحمل الإنسان - بعد ذلك - تبعة اختياره للطريق الذي يختار :

( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .

وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض ؛ وفي ابتلائه في أثناء الخلافة ؛ وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف . ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله ؛ فلا يتبرم بتكاليفه ، ولا يضيق بها صدرا ، ولا يستثقلها كذلك ، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته ، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه . ومن شأن هذا التصور - فضلا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه ، وهو يحس أنها داخلة في طوقه ؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه ؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه ، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء ! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء ، ما دام داخلا في مقدروه ! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق ! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته ؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه .

ثم الشطر الثاني من هذا التصور :

( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .

فردية التبعة ، فلا تنال نفس إلا ما كسبت ؛ ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت . . فردية التبعة ، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة ، وما قيد فيها له أو عليه . فلا يحيل على أحد ، ولا ينتظر عون أحد . . ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنها - حين يستيقنها القلب - أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق . وتقف كل إنسان مدافعا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء ، وكل طغيان ، وكل إضلال ، وكل إفساد . فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها - وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه ، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكا - فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال ، أو تحت القهر والطغيان - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له ؛ وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر . . ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها ، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردا وحيدا ! ولا خوف من هذه الفردية - في هذا المقام - فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه ، بوصفه طرفا من حق الله في نفسه . فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه ، وفي جهده ونصحه ، وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل ، وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر . . وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فردا فيتلقى هنالك جزاءه !

وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها . . فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف ، يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية ؛ فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء ، وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع ؛ عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء :

( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا . ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) . .

وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم ؛ وإدراكهم لضعفهم وعجزهم ، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه ، وإلى مدده وعونه ؛ وإلصاق ظهورهم إلى ركنه ، والتجائهم إلى كنفه ، وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه ؛ واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه . . كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح . .

( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .

فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه . وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح . وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر ، أو التعالي عن الطاعة والتسليم ؛ أو الزيغ عن عمد وقصد . . ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه ؛ وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته . . إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب . . وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا ، فقال رسول الله [ ص ] : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه " .

( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) . .

وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله ، ومعرفتهم - كما علمهم ربهم في هذا القرآن - بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم ؛ وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم . فقد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بعملهم . وفي آية الأنعام : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) . . وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم للعجل كما سبق في أول هذه السورة . وحرم عليهم( السبت )أن يبتغوا فيه تجارة أو صيدا . . وهكذا فالمؤمنون يدعون ربهم ألا يحمل عليهم أثقالا كالتي حملها على الذين من قبلهم ، وقد بعث الله النبي الأمي يضع عن المؤمنين به من البشر كافة : ( إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) . . فجاءت هذه العقيدة سمحة ميسرة ، هينة لينة ، تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة ، وقيل للرسول [ ص ]( ونيسرك لليسرى ) .

على أن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة ، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه . . هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر . عبودية العبد للعبد . ممثلة في تشريع العبد للعبد . وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه . . فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه ، فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده ، وتلقي الشريعة منه وحده . وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد !

إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري . الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة ، ومن سلطان السدنة والكهنة ، ومن سلطان الأوهام والخرافات ، ومن سلطان العرف والعادة ، ومن سلطان الهوى والشهوة . ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي اعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار .

ودعاء المؤمنون : ( ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) : يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد ؛ كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق .

( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) . .

وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام . فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيا كان . ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون . كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه . . وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم . . إنه طمع الصغير في رحمة الكبير . ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف . وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير .

ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير ، الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور :

( واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ) .

فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان ، ونيل الرضوان . فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء . ومنرحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران . . عن عائشة رضي الله عنها ، قال رسول الله [ ص ] : " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله " . . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا . إلا أن يتغمدني الله برحمته " .

وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن : عمل بكل ما في الوسع . وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز . . ورجاء - بعد ذلك - في الله لا ينقطع . وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح .

وأخيرا يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله ، وهم يهمون بالجهاد في سبيله ، لإحقاق الحق الذي إراده ، وتمكين دينه في الأرض ومنهجه ، ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) . يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين ؛ ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده . إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات ؛ ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد ؛ وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين :

( أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين ) . .

إنه الختام الذي يلخص السورة . ويلخص العقيدة . ويلخص تصور المؤمنين ، وحالهم مع ربهم في كل حين . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }

تختم هذه سورة بالآية الكريمة وفيها يسر التشريع وسماحة الإسلام فتكاليفه في متناول البشر . الصلوات الخمس والصوم شهر في السنة والزكاة نسبة قليلة من المال والحج فريضة لمن استطاع إليه سبيلا وعند المرض والسفر يباح للإنسان قصر الصلاة وجمعها ويباح للصائم في رمضان الفطر والقضاء وفي كثير من تشريعات الإسلام تتجلى سماحة هذا الدين ومراعاته لطبيعة الإنسان .

فالشريعة يسر كلها ورحمة كلها وعدل كلها قال تعالى : { يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة 185 ) .

و قال سبحانه : { ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج } ( المائدة6 ) .

و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا . . } ( 110 ) .

و مجمل معنى الفقرة الأولى : إن الله لا يكلف عباده إلا ما يستطيعون تأديتة والقيام به ولذلك كان كل مكلف مجزيا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ومن الفقرة تتضح المسؤولية الفردية وتحمل الإنسان لتبعات عمله فهو أهل الجزاء الحسن إذا أحسن وهو يستحق للمؤاخذة إذا أساء قال تعالى :

{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الجاثية 21 ) .

و تسترسل الآية في دعاء رخي ندي يملأ القلب نورا والنفس خيرا وبركة .

{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ربنا لا تعاقبنا إن وقعنا في النسيان لما كلفتنا إياه ، او أهملنا أسباب السلامة فوقعنا في الخطأ بسبب ضعف أو قصور .

فقد فتحت باب التوبة للتائبين وقبلت رجوع المذنبين إليك ولم تغلق في وجهم باب رحمتك .

قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } . ( الزمر 53 ) .

{ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } الإصر معناه العبء الثقيل مأخوذ من أصره يأصره أي حبسه والمراد التكاليف الشاقة أي ربنا ولا تحمل علينا عبئا ثقيلا كما حملته على الذين من قبلنا ولا تشدد علينا في التشريع كما شددت على اليهود بسبب تعنتهم وظلمهم .

فمن شرائعهم قتل النفس في التوبة او في القصاص لأنه لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثوب ونحوه وصرف ربع المال في الزكاة .

قال تعالى : { و على الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو اختلط بعظم } ( الأنعام 146 ) .

على أن الإصر الأكبر الذي رفعه لله عن هذه الأمة هو إصر العبودية للبشر عبودية العبد للعبد فالله ينادينا في القرآن بأنه قريب لا يحتاج إلى واسطة : { وإذا سالك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ( البقرة 186 ) .

ولا بأس أن ننقل هنا طائفة مما حمله بنو إسرائيل من الآصار و العناء ننقله عن أسفارهم في سفر الخروج في الإصحاح الحادي والعشرين :

( 15 ) ومن ضرب أباه أو أمه يقتل قتلا .

( 16 ) ومن سرق إنسانا وباعه أو وجد في يده يقتل قتلا .

( 17 ) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا .

و في سفر اللاويين في الإصحاح الحادي عشر تحريم بعض الطيور وفيه آصار كثيرة منها :

( 33 ) وكل متاع خزف وقع فيه منها فكل ما فيه يتنجس وأما هو فتكسرونه .

و في الإصحاح الثاني عشر أحكام النفساء عندهم والفرق بين ولادتها ذكرا وأنثى وأنها في الأول تكون نجسة أسبوعا ثم ثلاثا وثلاثين يوما وفي الثاني أسبوعين ثم ستة وستين يوما .

و في الإصحاح الخامس عشر أحكام الحائض ومنها :

( 19 ) وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء ، ( 20 ) وكل ما تضطجع في طمثها يكون نجسا وكل ما تجلس عليه يكون نجسا . ( 21 ) وكل من مس ثيابها يغسل ثيابه .

و من دعاء المؤمنين :

{ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به أي لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به من التكاليف .

و الطاقة : اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة وذلك تشبيه بالطوق المحيط بقوله تعالى : لا تحملنا ما لا طاقة لنا به أي ما يصعب علينا مزاولته وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا به ( 111 ) .

إنهم يتوجهون إلى الله راجين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه وإلا فهي الطاعة والتسليم إنه طمع الصغير في كرم الكبير وبره وتيسره .

و من دعاء المؤمنين :

{ و اعف عنا واغفر لنا وارحمنا } إنه تبتل المؤمن وإخلاصه في طلب العون من الله .

اعف عنا : بكرمك إنك تمحو عنا ما ألمنا به من الذنوب وتتجاوز عنها .

و اغفر لنا : سامحنا واشملنا برحمتك وغفرانك وسترك .

و ارحمنا : برحمتك الواسعة فهم طلبوا من الله أن يعفوا عنهم بأن يسقط عنهم العقاب وان يغفر لهم بأن يستر عليهم ذنوبهم فلا يفضحهم وأن يشملهم بعطفه ورحمته ثم ختموا دعاءهم بقوله :

{ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين . . } أنت ولي المؤمنين وناصر المتقين فاجعلنا أهلا لعونك وتوفيقك وانصرنا على الكافرين الجاحدين فضلك ونعمتك وهو ختام يدل على كمال الإيمان ونهاية الخضوع والطاعة للرحمة والرغبة في إحقاق الحق ونصرة الدين وهزيمة الكافرين .

و في تفسير ابن الكثير عنوان عن :

( ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما ) .

( الحديث الاول ) قال البخاري عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة كفتاه ( 112 ) ثم نقل عشرة أحاديث نبوية من فضل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة .

و قد ورد في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هده الدعوات : قد فعلت .

أي لما قال المؤمنون : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( قال الله عز وجل : قد فعلت ) { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ممن قبلنا } ( قال : وقد فعلت ) { واغفر لنا وارحمنا انت مولانا } ( قال : فعلت ) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان .

و أخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " ولفظ الترمذي " وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشياطين " ( 113 ) .

و أخرج سعيد بن منصور والترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي " ( 114 ) .

ختام السورة:

فائدة

قال ابن القيم تأمل القرآن الكريم تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه وموردها إليه مستويا على العرش لا تخفي عليه خافية من أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا على أ سرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه .

فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم ما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسماءه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه يذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجب به تمامها ويحذرهم من نقمته ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بمصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافهم وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البور ويذكر عذابها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجهة ، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكرهم غناءه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وأنه لا ينال احد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته لا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وبحكومته وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم

و مقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والرافع عنهم والحامي عنهم والناصر لهم الكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق وينصرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما جودا رحيما جميلا هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضى كل من سواه ؟ وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها ؟

***

أمهات المسائل الواردة في سورة البقرة

1- دعوة الناس جميعا إلى عبادة ربهم .

2- عدم اتخاذ أنداد له .

3- ذكر الوحي والرسالة والحجاج على ذلك بهذا الكتاب المنزل على عبده وتحدي الناس كافة بالإتيان بمثله .

4- ذكر أسس الدين وهو توحيد الله .

5- ذكر الأحكام العلمية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأحكام الصيام والحج والعمرة وأحكام القتال والقصاص .

6- الامر بإنفاق المال في سبيل الله .

7- تحريم الخمر والميسر .

8- معاملة اليتامى ومخالطتهم .

9- أحكام الزوجية من طلاق ورضاعة وعدة .

تحريم الربا والأمر بترك ما بقي منه .

10- أحكام الدين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال في ذلك .

11- وجوب أداء الأمانة .

12- تحريم كتمان الشهادة .

13- خاتمة ذلك كله الدعاء الذي طلب إلينا أن ندعوه .

***

خاتمة من تفسير البقاعي

{ . . . ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا ولا مما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلا بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء ولا حملهم فوق طاقتهم مع أنه له جميع ذلك وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم ثم رحمهم وبأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة فلاح بذلك انه يعلى أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم وليكون الدعاء محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة .

فقال تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا } أي لا تعاقبنا { إن نسينا } أمرك ونهيك { أو أخطانا } أي فعلنا خلاف الصواب تفريطا ونحوه( 110 ) .

اللهم اجعل هذا القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء حزننا وأعنا على إكمال ما قصدناه بفضلك يا أرحم الراحمين .

تم تفسير سورة البقرة عصر الجمعة 64

من ريع الثاني سنة 1401ه الموافق

67من فبراير ( شباط ) سنة

1981 بمدينة العين بدولة

الإمارات العربية

المتحدة والحمد لله

رب العالمين

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

{ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } جملة مستأنفة سيقت إخباراً منه تعالى بعد تلقيهم لتكاليفه سبحانه بالطاعة والقبول بما له عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل والرحمة ابتداءاً لا بعد السؤال كما سيجيء والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة ، والوسع ما تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور وهو ما دون مدى طاقته أي سنته تعالى أنه لا يكلف نفساً من النفوس إلا ما تطيق وإلا ما هو دون ذلك كما في سائر ما كلفنا به من الصلاة والصيام مثلاً فإنه كلفنا خمس صلوات والطاقة تسع ستاً وزيادة . وكلفنا صوم رمضان والطاقة تسع شعبان معه وفعل ذلك فضلاً منه ورحمة بالعباد أو كرامة ومنه على هذه الأمة خاصة . وقرأ ابن أبي عبلة وسعها بفتح السين( {[194]} ) والآية على التفسيرين تدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه ، أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فبطريق الأولى ، وقيل : إنها على التفسير الثاني لا تدل على ذلك لأن الخطاب حينئذ مخصوص بهذه الأمة وعلى كل تقدير لا دليل فيها على امتناع التكليف بالمحال كما وهم وقد تقدم لك بعض ما يتعلق بهذا المبحث وربما يأتيك ما ينفعك فيه إن شاء الله تعالى .

{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } جملة أخرى مستأنفة سيقت للترغيب والمحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير يتضمن مراعاته منفعة زائدة وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبع الإخلال بها مضرة تحيق بها لا بغيرها ، فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته قاله المولى مفتي الديار الرومية قدس سره وهو الذي ذهب إليه الكثير ، وقيل : يجوز أن تجعل الجملتان في حيز القول ويكون ذلك حكاية للأقوال المتفرقة الغير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين ويكون مدحاً لهم بأنهم شكروا الله تعالى في تكليفه حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير بل هو لهم ولا يتضرر بعملهم الشر بل هو عليهم ولا يخفى أنه بعيد من جهة قريب من أخرى والضمير في { لَهَا } للنفس العامة والكلام على حذف مضاف هو ثواب في الأول وعقاب في الآخر ، ومبين { مَا } الأولى : الخير لدلالة اللازم الدالة على النفع عليه ، ومبين { مَا } الثانية : الشر لدلالة على الدالة على الضر عليه وإيراد الإكتساب في جانب الأخير لما فيه من زيادة المعنى وهو الاعتمال ، والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله ، / ففيه إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس ولما لم يكن مثل ذلك في الخير استعمل الصيغة المجردة عن الاعتمال .

{ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } شروع في حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف ، وقيل : استيفاء لحكاية الأقوال ، وفي «البحر » وهو المروي عن الحسن أن ذلك على تقدير الأمر أي قولوا في دعائكم ذلك فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء والطلب منه وهذا من غاية الكرم ونهاية الإحسان يعلمهم الطلب ليعطيهم ويرشدهم للسؤال ليثيبهم ، ولذلك قيل وقد تقدم :

لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا

والمؤاخذة المعاقبة ، وفاعل هنا بمعنى فعل ، وقيل : المفاعلة على بابها لأن الله تعالى يؤاخذ المذنب بالعقوبة والمذنب كأنه يؤاخذ ربه بالمطالبة بالعفو إذ لا يجد من يخلصه من عذابه سواه فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة ولا يخفى فساد هذا إلا بتكلف ، واختلفوا في المراد من النسيان والخطأ على وجوه ، الأول : أن المراد من الأول الترك ومنه قوله :

ولم أك عند الجود للجود قاليا *** ولا كنت يوم الروع للطعن ناسياً

والمراد من الثاني العصيان ؛ لأن المعاصي توصف بالخطأ الذي هو ضد الصواب وإن كان فاعلها متعمداً كأنه قيل : ربنا لا تعاقبنا على ترك الواجبات وفعل المنهيات ، الثاني : أن المراد منهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال إذ قلما يتفقان إلا عن تقصير سابق فالمعنى لا تؤاخذنا بذلك التقصير ، الثالث : أن المراد بهما أنفسهما من حيث ترتبهما على ما ذكر ، أو مطلقاً إذ لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً فإن المعاصي كالسموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو خطأ مؤد إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ولكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة منه وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه . ويؤيد ذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني ، وقال النووي حديث حسن : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " وأورد على هذا بأنه لا يتم على مذهب المحققين من أهل السنة والمعتزلة من أن التكليف بغير المقدور غير جائز عقلاً منه تعالى إذ لا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان حينئذ فضلاً يستدام ونعمة يعتد بها

{ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } أي عبئاً ثقيلاً يأسر صاحبه أي يحبسه مكانه . والمراد به التكاليف الشاقة ، وقيل : الإصر الذنب الذي لا توبة له فالمعنى اعصمنا من اقترافه ، وقرئ ( آصاراً ) على الجمع ، وقرأ أبيّ ولا تحمّل بالتشديد للمبالغة { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } في حيز النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي حملاً مثل حملك إياه على من قبلنا ، أو على أنه صفة لإصراً أي إصراً مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا وهو ما كلفه بنو إسرائيل من قتل النفس في التوبة أو في القصاص ؛ لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثياب ونحوها ، وقيل : من البدن وصرف ربع المال في الزكاة .

{ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } استعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليها والتعبير عن إنزال ذلك بالتحميل مجازياً باعتبار ما يؤدى إليه ، وجوز أن يكون طلباً لما هو أعم من الأول لتخصيصه بالتشبيه إلا أنه صور فيه الإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة ، وقيل : هو استعفاء عن التكليف بما لا تفي به القدر البشرية حقيقة فتكون الآية دليلاً على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص عنه وليس بالقوي ، والتشديد ههنا/ لمجرد تعدية الفعل لمفعول ثان دون التكثير .

{ واعف عَنَّا } أي امح آثار ذنوبنا بترك العقوبة . { واغفر لَنَا } بستر القبيح وإظهار الجميل { وارحمنا } وتعطف علينا بما يوجب المزيد ، وقيل : { أَذْهَبَ عَنَّا } من الأفعال { واغفر لَنَا } من الأقوال { وارحمنا } بثقل الميزان ، وقيل : { واعف عَنَّا } في سكرات الموت { واغفر لَنَا } في ظلمة القبور { وارحمنا } في أهوال يوم النشور ، قال أبو حيان : ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ ربنا لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي افتتحت بذلك فجاء فاعف عنا مقابلاً لقوله تعالى : { لاَ تُؤَاخِذْنَا } { واغفر لَنَا } لقوله سبحانه : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } { وارحمنا } لقوله عز شأنه : { وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو ، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة ، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة ولا يخفى حسن الترتيب { أَنتَ مولانا } أي مالكنا وسيدنا ، وجوز أن يكون بمعنى متولي الأمر وأصله مصدر أريد به الفاعل وإذا ذكر المولى والسيد وجب في الاستعمال تقديم المولى فيقال : مولانا وسيدنا كما في قول الخنساء :

وإن صخراً لمولانا وسيدنا *** وإن صخراً إذا نشتوا لنَّحَّار

وخطئوا من قال : سيدنا ومولانا بتقديم السيد على المولى كما قاله ابن أيبك ولي فيه تردد قيل : والجملة على معنى القول أي قولوا أنت مولانا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي الأعداء في الدين المحاربين لنا أو مطلق الكفرة وأتى بالفاء إيذاناً بالسببية لأن الله تعالى لما كان مولاهم ومالكهم ومدبر أمورهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم فهو كقولك أنت الجواد فتكرم عليّ وأنت البطل فاحْمِ الجار .

( ومن باب الإشارة ) :{ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يضيق به طوقها واستعدادها من التجليات { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من الخير والكمالات والكشوف سواء كان ذلك باعتمال أو بغير اعتمال { وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } وتوجهت إليه بالقصد من السوء { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا } عهدك بميلنا إلى ظلمة الطبيعة { أَوْ أَخْطَأْنَا } بالعمل على غير الوجه اللائق لحضرتك { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } وهو عبء الصفات والأفعال الحابسة للقلوب منعاينة الغيوب { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن } من المحتجبين بظواهر الأفعال أو بواطن الصفات { قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من ثقل الهجران والحرمان عن وصالك ومشاهدة جمالك بحجب جلالك { واعف عَنَّا } سيآت أفعالنا وصفاتنا فإنها سيآت حجبتنا عنك وحرمتنا برد وصالك ولذة رضوانك { واغفر لَنَا } ذنوب وجودنا فإنه أكبر الكبائر { وارحمنا } بالوجود الموهوب بعد الفناء { أَنتَ مولانا } أي سيدنا ومتولي أمورنا لأنا مظاهرك وآثار قدرتك { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } من قوى نفوسنا الأمارة وصفاتها وجنود شياطين أوهامنا المحجوبين عنك الحاجبين إيانا لكفرهم وظلمتهم/ هذا وقد أخرج مسلم والترمذي من حديث ابن عباس لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت ، وأخرج أبو سعيد والبيهقي عن الضحاك أن جبريل لما جاء بهذه الآية ومعه ما شاء الله تعالى من الملائكة وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بعد كل كلمة لك ذلك حتى فرغ منها ، وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة آمين ، وأخرج الأئمة الستة في «كتبهم » عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان " وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وأخرج الحاكم وصححه ، والبيهقي في «الشعب » عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء " وفي رواية أبي عبيد عن محمد بن المنكدر أنهن قرآن وأنهن دعاء وأنهن يدخلن الجنة وأنهن يرضين الرحمن ، وأخرج مسدد عن عمر رضي الله تعالى عنه والدارمي عن علي كرم الله تعالى وجهه كلاهما قال : ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة . والآثار في فضلها كثيرة وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى . اللهم اجعل لنا من إجابة هذه الدعوات أوفر نصيب ، ووفقنا للعمل الصالح والقول المصيب ، واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزهة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه ولا تجعل لنا مانعاً عما بتوفيقك أردناه ، وصل وسلم على خليفتك الأعظم ، وكنزك المطلسم ، وعلى آله الواقفين على أسرار كتابك ، وأصحابه الفائزين بحكم خطابك ما ارتاحت روح ، وحصل لقارع باب جودك فتوح .


[194]:_ قوله: بفتح السين كذا بالأصل ولعله محرف عن فتح الواو لأن الواو مثلث كما في القاموس اهـ مصححه.