في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (30)

20

ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة . . أولا لأنها حقيقة . والله يقص الحق . وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان : تصورا واعتقادا ، وخلقا وسلوكا ، وشريعة ونظاما .

ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق . . الإيقاعات التي يعلم الله أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف ؛ فتفتح نوافذها ، وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها ، وتتحرك وتحيا ، وتتأهب للتلقي والاستجابة . . ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة :

( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال : أليس هذا بالحق ؟ قالوا : بلى وربنا . قال : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . .

هذا مصير الذين قالوا : ( إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) . . وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين ؛ وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه ، لا يبرحون الموقف . وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب :

( قال : أليس هذا بالحق ؟ ) . .

وهو سؤال يخزي ويذيب ! ( قالوا : بلى وربنا ) . .

الآن . وهم موقوفون على ربهم . في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون ! وفي اختصار يناسب جلال الموقف ، ورهبة المشهد ، وهول المصير ، يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير : قال : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . .

وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي ! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم ، وأخلدت إلى الأرض ، وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل ! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب ؛ الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة ؛ الذين عاشوا ذلك المستوى الهابط من الحياة ! بذلك التصور الهابط الهزيل !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (30)

التفسير :

30- ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق . . . الآية .

تتوالى مشاهد القيامة على هؤلاء المكذبين ، فمن مشهد الحشر والمحاكمة ، إلى مشهد الوقوف على النار وهنا مشهد الوقوف على أمر ربهم فيهم . فهو المالك المتصرف في ذلك اليوم .

والمعنى : ولو ترى – أيها المتأمل – هؤلاء المعاندين المكذبين ، وقد حبسوا على ما يكون من قضاء ربهم فيهم ، لهالك أمرهم ولرأيت ما لا يحيط به نطاق الكلام .

وجعلهم موقوفين على ربهم ، لأن من تقفهم الملائكة ، وتحبسهم في موقف الحساب امتثالا لأمر الله فيهم كما قال تعالى : وقفوهم إنهم مسؤولون ( الصافات : 24 ) . يكون أمرهم مقصورا على الله ، حيث لا سلطان فيه لغيره عز وجل : يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله . ( الانفطار : 19 ) .

فهم وقد انتهى بهم الموقف إلى ما هم فيه من بلاء ، لا يقتصر أمرهم على ذلك ، بل يسألون سؤال تأنيب وتبكيت : أليس هذا بالحق . أي أليس هذا البعث الذي تنكرونه كائنا موجودا ، وهذا الجزاء الذي تجدونه حاضرا ؟

قالوا بلى وربنا . قالوا بلى . أي ما نحن فيه من الشدائد والأهوال حق نستحقه ولا شك فيه ، وهكذا اعترفوا بما أنكروا وأكدوا اعترافهم بالقسم .

قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . أي فباشروا العذاب ، وانغمسوا في آلامه وأهواله بسبب كفركم الذي كنتم مصرين عليه دائبين فيه .

والذوق هنا كناية عن الإحساس الشديد بالعذاب بعد أن وقعوا فيه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (30)

{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } تمثيل لحبسهم للسؤال والتوبيخ أو كناية عنه عند من لم يشترط فيها إمكان الحقيقة وجوز اعتبار التجوز في المفرد إلا أن الأرجح عندهم اعتباره في الجملة ، وقيل : الوقوف بمعنى الاطلاع المتعدي بعلى أيضاً وفي الكلام مضاف مقدر أي وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه ، ولا حاجة إلى التضمين وجعله من القلب كما توهم ، وقيل : هو بمعنى الاطلاع من غير حاجة إلى تقدير مضاف على معنى عرفوه سبحانه وتعالى حق التعريف ولا يلزم من حق التعريف حق المعرفة ليقال كيف هذا وقد قيل : ما عرفناك حق معرفتك ، واستدل بعض الظاهرية بالآية على أن أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب ولا يخفى ما فيه .

{ قَالَ } استئناف نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال لهم ربهم سبحانه وتعالى إذ ذاك ؟ فقيل : قال : الخ . وجوز أن يكون في موضع الحال أي قائلاً { أَلَيْسَ هذا } أي البعث وما يتبعه { بالحق } أي حقاً لا باطلاً كما زعمتم ، وقيل : الإشارة إلى العقاب وحده وليس بشيء ، ولا دلالة في { فَذُوقُواْ } عند أرباب الذوق على ذلك ، والهمزة للتقريع على التكذيب { قَالُواْ } استئناف كما سبق { بلى } هو حق { وَرَبُّنَا } أكدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال تيقنهم بحقيته وإيذاناً بصدور ذلك عنهم برغبة ونشاط طمعاً بأن ينفعهم وهيهات { قَالَ فَذُوقُواْ العذاب } الذي كفرتم به من قبل وأنكرتموه { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي بسبب كفركم المستمر أو ببدله أو بمقابلته أو بالذي كنتم تكفرون به ، فما إما مصدرية أو موصولة والأول أولى ، ولعل هذا التوبيخ والتقريع كما قيل «إنما يقع بعدما وقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذ الظاهر أنه لا يبقى بعد هذا الأمر إلا العذاب » ، ويحتمل العكس وأمر الأمر سهل .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } [ الأنعام : 30 ] الآية قال بعض أهل التأويل : هذا تصوير لحالهم في الاحتجاب والبعد وإن كانوا في عين الجمع المطلق ، والوقوف على الشيء غير الوقوف معه فإن الأول : لا يكون إلا كرهاً والثاني : يكون طوعاً ورغبة ، فالواقف مع الله سبحانه بالتوحيد لا يوقف للحساب ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الكهف : 28 ] { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } [ الأنعام : 52 ] ويثاب هذا بأنواع النعيم في الجنان كلها . ومن وقف مع الغير بالشرك وقف على الرب تعالى وعذب بأنواع العذاب لأن الشرك ظلم عظيم .

ومن وقف مع الناسوت بمحبة الشهوات وقف على الملكوت وعذب بنيران الحرمان وسلط عليه زبانية الهيئات المظلمة وقرن بشياطين الأهواء المردية ، ومن وقف مع الأفعال وقف على الجبروت وعذب بنار الطمع والرجاء ورد إلى مقام الملكوت ، ومن وقف مع الصفات وقف على الذات وعذب بنار الشوق والهجران . وليس هذا هو الوقوف عل الرب لأن فيه حجاب الأنية وفي الوقوف على الذات معرفة الرب الموصوف بصفات اللطف . والمشرك موقوف أولاً على الرب فيحجب بالرد والطرد { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] ثم على الجبروت فيطرد بالسخط واللعن { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 77 ] ثم على الملكوت فيزجر بالغضب واللعن { قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ } [ الزمر : 72 ] ثم على النار يسجرون فيعذب بأنواع النيران أبداً فيكون وقفه على النار متأخراً عن وقفه على الرب تعالى معلولاً له كما قال تعالى : { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } [ يونس : 70 ] وأما الواقف مع الناسوت فيوقف للحساب على الملكوت ثم على النار . وقد ينجو لعدم السخط وقد لا ينجو لوجوده . والواقف مع الأفعال لا يوقف على النار أصلاً بل يحاسب ويدخل الجنة . وأما الواقف مع الصفات فهو من الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه انتهى . فتأمل فيه