ذلك بيان المشتبهات في العلاقة بين التوحيد الذي جاء بها إبراهيم من قبل ، وكملت في الدين الأخير ، والعقائد المنحرفة التي يتمسك بها المشركون واليهود . وهو بعض ما جاء هذا الكتاب لتبيانه . فليأخذ الرسول [ ص ] في طريقه يدعو إلى سبيل ربه دعوة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادل المخالفين في العقيدة بالتي هي أحسن . فإذا اعتدوا عليه وعلى المسلمين عاقبهم بمثل ما اعتدوا . إلا أن يغفروا ويصبر مع المقدرة على العقاب بالمثل ؛ مطمئنا إلى أن العاقبة للمتقين المحسنين . فلا يحزن على من لا يهتدون ، ولا يضيق صدره بمكرهم به وبالمؤمنين :
( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله . ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا ، والذين هم محسنون ) .
على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها ، ويعين وسائلها وطرائقها ، ويرسم المنهج للرسول الكريم ، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن .
إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله . لا لشخص الداعي ولا لقومه . فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله ، لا فضل له يتحدث به ، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به ، وأجره بعد ذلك على الله .
والدعوة بالحكمة ، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم ، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها ، والطريقة التي يخاطبهم بها ، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها . فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه .
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق ، وتتعمق المشاعر بلطف ، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب ، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية . فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة ، ويؤلف القلوب النافرة ، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ .
وبالجدل بالتي هي أحسن . بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح . حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل ، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق . فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها ، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق ، حتى لا تشعر بالهزيمة . وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس ، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها ، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة ، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة ، وقيمته كريمة ، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها ، والاهتداء إليها . في سبيل الله ، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر !
ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين . فلا ضرورة للجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله .
هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة .
بالحكمة : المقالة المحكمة المصحوبة بالدليل الموضح للحق ، المزيل للشبهة ، أو حسن التأني للأمور ، واختيار اللفظ المناسب ، والبيان المناسب .
الموعظة الحسنة : الأدلة الظنية المقنعة للعامة ، وكل ما يناسب الناس ، ويحببهم في الدين والهدى والطاعة .
جادلهم : الجدال : الحوار والمناظرة ؛ لإقناع المعاند ، وينبغي أن يكون بالأسلوب الأمثل الهادئ الرزين .
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . . . } .
تأتي هذه الآية وما بعدها في أعقاب سورة النحل المكية ، تتحدث عن أسلوب الدعوة إلى الله تعالى وتتحدث عن أسلوب في الحياة ، يهتم بالصبر والاحتمال والإيمان بالله ، والثقة بما عنده .
إن الدعاة مطالبون بدراسة علمية عالية ، لفنون القول والخطاب ، والإحاطة بالمعلومات وطرق الجدال ، وبيان الحجة ، أحيانا نكتفي بالبيان المناسب ، والمعلومات المفيدة ، وأحيانا نحرك القلوب بالموعظة الحسنة ، والتذكير بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأحيانا نناقش الناس بالحجة ، ونجادلهم بالمعروف وبالكلمة الطيبة ؛ لنبين الخطأ والصواب ، وهذا معنى قوله تعالى :
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } .
{ الحكمة } . تشمل القول المحكم الصحيح ، الموضح للحق ، المزيل للباطل ، الواقع من النفس أجمل موقع .
{ والموعظة الحسنة } . بيان العبر والمواعظ التي جعلها الله في القرآن الكريم ، مثل : وصف السماء ، والأرض ، والجبال ، والبحار ، والأنهار ، والفضاء ، والهواء ، والليل ، والنهار ، والحياة ، والموت ، وغير ذلك مما يبين فضل الله على عباده ودعوتهم إلى طاعته وإتباع أمره واجتناب نهيه .
أي : ناقش المخالفين بالهدوء والبيان ، بلا تحامل على المخالف ، ولا ترذيل له ، حتى يطمئن إلى الدعوة ، وينظر إلى الموضوع نظرة واقعية عميقة ، فالجدل بالتي هي أحسن ، هو الذي يفتح نفس المخاطب ، ويطمئنه إلى الهدى والرشاد .
{ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } .
إن الدعاة هداة لا قضاة ، وكذلك الأنبياء والرسل ، عليهم تبليغ الدعوة والنصح والنقاش الهادئ ، أما الهداية والدخول في الإسلام الحق ، فتلك مهمة الله الخالق البارئ الهادي .
قال تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء . . . }( البقرة : 272 ) .
وقال سبحانه : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ( القصص : 56 ) .
وقال سبحانه : { فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر } ( الغاشية : 22 ، 21 ) .
والمعنى : اسلك أيها الرسول سبل الدعوة وأساليبها المفيدة النافعة ، أما الهداية العملية ، وانتقال الناس من الضلالة إلى الهدى ، فذلك أمر بيد الله تعالى ؛ فهو أعلم بالضالين المعاندين ، وهو أعلم بالمهتدين الطائعين ، وسيجازي كل فريق بما يستحق .
قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } ، هذا الخطاب من الله لرسوله ( ص ) وهو يدعو العرب المشركين إلى دين الله ؛ إذ يأمره ربه أن يدعو الناس إلى الإسلام ( بالحكمة ) ، أي : بالقول السديد المحكم وفي تلطف ولين ، بعيدا عن المخاشنة والتعنيف وأن يدعوهم كذلك بالموعظة الحسنة وهي الكلام المؤثر النافذ إلى القلوب . الكلام الذي يختلط فيه الترغيب بالترهيب ، والإنذار بالبشرى ؛ ليكون ذلك سبيلا إلى ترقيق القلوب وشحنها بالود والرغبة في دين الله .
قوله : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، أي : خاصمهم مخاصمة رحيمة ودود ، وذلك بالأسلوب الذي هو أحسن من غيره من الأساليب ، وذلك بالرفق واللين دون أسلوب الفظاعة التي تنفر منها الطبائع ؛ بل بما يوقظ القلوب إيقاظا ، ويجلو العقول مما تلبس بها من الشبهات والظنون وفاسد الأخبار والمعلومات .
لا جرم أن الطبائع البشرية إنما ترق وتجنح في الغالب للرقيق من القول واللطيف من الكلمات والعبارات . وهي أشد ما تنفر وتألم من قسوة الأساليب التي تثير في النفوس المضاضة ، وتهيج في القلوب الحزن والامتعاض ؛ فالذين يدعون إلى دين الله يناط بهم أن يدعوا الناس إلى هذا الدين بما يرغبهم فيه ترغيبا . وذلك بالكلمات الرفيقة الحانية ، والطريقة الرحيمة النافذة .
على أن هذه الآية العظيمة محكمة . وهي في حق الذين يدعون إلى رسالة الإسلام بيان لهم على مرّ الزمان ، يمضون في ضوئه وهم يدعون الناس على بصيرة . يدعونهم بالأسلوب الرحيم . الأسلوب السديد ، النافذ إلى قلوبهم عسى أن يرققها ترقيقا ، أو يفضي إلى تعرفهم على الإسلام فيرغبهم فيه . وإذا لم تؤثر هذه الوسيلة الرفيقة من حسن الموعظة والجدال ولم تجد سبيلها إلى القلوب والعقول ، وأيقن المسلمون أن مخالفيهم معاندون جاحدون وأنهم متربصون ماكرون ، نظروا بعد ذلك فيما هو أجدى وأنفع من الوسائل والأساليب صونا لعقيدتهم من التشويه والضياع ، ولأوطانهم وكراماتهم من الإبادة .
قوله : ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) ، أي : ليس عليك إلا التبليغ ، فتدعو الناس إلى توحيد وعبادة الله وطاعته وحده ، وذلك بالموعظة الحسنة والكلام الرفيق السديد . والناس مختلفون في استعدادتهم وفطرهم . ولكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة ، فمن بنيت فطرته على الجنوح للدين والتشبث بحبل الله ؛ فقد اهتدى . ومن كانت فطرته متلبسة بالجحود والقسوة والنفور من الحق ؛ فإنه لا محالة صائر إلى الضلال ، ولن تجدي معه بعد ذلك المواعظ والدروس والنذر . والله جل وعلا هو أعلم بنفوس البشر جميعا ، فيعلم المهتدي منهم والضال .