أفأمن الذين مكروا السيئات أن يأخذهم الله ؟ فهم لاجون في مكرهم سادرون في غيهم لا يثوبون ولا يتقون .
ذلك والكون من حولهم بنواميسه وظواهره يوحي بالإيمان ، و يوحي بالخشوع : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) . .
ومشهد الظلال تمتد وتتراجع ، تثبت وتتمايل ، مشهد موح لمن يفتح قلبه ، ويوقظ حسه ، ويتجاوب مع الكون حوله .
والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود - وهو أقصى مظاهر الخضوع - ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة - أي الراجعة بعد امتداد - وهي حركة لطيفة خفية ذات دبيب في المشاعر وئيد عميق .
يتفيؤ ظلاله : أي : يرجع من موضع إلى موضع ، فهو في أول النهار على حال ، ثم يتقلص ، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار .
داخرون : منقادون صاغرون ، واحدهم : داخر ، وهو الذي يفعل ما تأمره به شاء أو أبى .
{ أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون } .
والمعنى : أعمي هؤلاء المشركون ، الذين مكروا السيئات ، ولم ينظروا إلى ما خلق الله تعالى من الأجسام القائمة كالأشجار والجبال ، التي تتفيؤ ظلالها ، وترجع من موضع إلى موضع ، عن اليمين والشمائل ، فهي في أول النهار على حال ، ثم تتقلص ، ثم تعود إلى حال أخرى في آخر النهار ، مائلة من جانب إلى جانب ، ومن ناحية إلى أخرى ، صاغرة منقادة لربها ، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له .
والاستفهام في قوله تعالى : { أولم يروا } . للإنكار والتوبيخ ، والرؤية بصرية .
أي : قد رأوا كل ذلك ، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا ، ولم يتعظوا بما شاهدوا ، ثم أتبع سبحانه وتعالى هذه الآية بآية أخرى مؤكدة لها ، فهي كالدليل لما سلف فقال : { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون } .
قوله تعالى : { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيّؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ( 48 ) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( 49 ) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ( 50 ) } الاستفهام للإنكار . وما ، اسم موصول مبهم ، فسره قوله : ( من شيء يتفيؤا ظلاله ) والضمير في ( يروا ) عائد إلى الذين مكروا السيئات ؛ لأن الإخبار عنهم ؛ فهو يستنكر عليهم ترك النظر في أدلته والاستفادة منها والاعتبار بها . والمراد بالشيء ما له ظل من جبل أو شجر أو بناء أو جسم قائم . و ( يتفيؤا ظلاله ) ، من الفيء ، يقال : فاء الظل يفيء فيئا : إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس . وأصل الفيء الرجوع .
ويتفيأ ظلال ؛ أي يميل من جانب إلى جانب ، فيكون أول النهار على حال ويتقلص ، ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى .
والمراد إنكار الغفلة التي تحيط بعقول هؤلاء الظالمين الذين يمكرون بالنبي والذين معه من المؤمنين ؛ إذ لم يتدبروا آيات الله وحججه ودلائله في الكون والطبيعة . ومنها ، أنه ما من جسم قائم كشجر أو جبل أو بناء أو غير ذلك إلا ( يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل ) أي يرجع من موضع إلى موضع . والمقصود باليمين أول النهار ، وأما الشمائل فآخر النهار ، وقد أفرد اليمين وجمع الشمائل ؛ لأن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع ، عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد ، وعن الثاني بلفظ الجمع ؛ كقوله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) وقيل غير ذلك من التأويل .
على أن ظاهرة الظل وحدها عجيبة من العجائب التي صنعها الله في هذا العالم . وتلك واحدة من ظواهر الطبيعة الكاثرة التي تستوقف النظر وتستثير الحس . وما أكثر الظواهر المثيرة في هذا الوجود والتي تستحق بالغ التدبر والتفكر والذكرى ، وتقطع في الدلالة على أن الله حق ، وأنه في بالغ قدرته وكمال علمه وسلطانه موجود الوجود .
قوله : ( سجدا لله وهم داخرون ) ( سجدا ) حال من الظلال ؛ أي حال كون الظلال سجدا . واختلف المفسرون في تأويل قوله : ( سجدا لله ) والأظهر أن الموصوف بالسجود في هذه الآية هي ظلال الأشياء ؛ فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال . وهو اختيار الإمام الطبري إذ قال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر في هذه الآية ظلال الأشياء هي التي تسجد وسجودها ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب وناحية إلى ناحية ( وهم داخرون ) أي صاغرون ، يقال : دخر يدْخر دخورا ؛ أي صغر يصغر صغارا ، أو ذل وهان{[2538]} . والمراد : أن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره سواء في ذلك سكونها أو دورانها أو ميلانها . والجملة ( وهم داخرون ) حال كذلك من الظلال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.