( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ) . .
وتبدى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة . وتمنوا لو يردون لهم الجميل ! لو يعودون إلى الأرض فيتبرأوا من تبعيتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها ، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب !
إنه مشهد مؤثر : مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين . بين المحبين والمحبوبين ! وهنا يجيء التعقيب الممض المؤلم :
( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، وما هم بخارجين من النار ) . .
{ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا . . . }
حسرات : جمع حسرة ، وهي أشد درجات الندامة على شيء فات .
وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل بدون تعقل أو تدبر ، ليت لن رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرءوا منا في هذا اليوم العصيب ، ولنشفي غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم .
{ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } .
كما أرى الله تعالى المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع الأسباب بينهم ، يريهم سبحانه أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم .
والمقصود أن أعمالهم لا يجدون لها أثرا من الخير ، بل يبدلها الله حسرات وزفرات حين يرون العذاب على كل عمل منها .
أي وما هم بخارجين من تلك النار التي عوقبوا بها بسبب شركهم ، بل هم مستقرون فيها استقرارا أبديا ، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفي خروجهم من النار ، وبيان أنهم ملقون ومخلدون فيها كما قال تعالى في آية أخرى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها . ( السجدة : 20 ) .
وهكذا يسوق لنا القرآن الكريم ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة ، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم ، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة ، وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن في عرضه للحقائق ، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس وتؤتى الطيبة في القلوب .
وقوله : ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) هؤلاء هم المشركون الذين كانوا تبعا للسادة والكبراء في الدنيا ، يتمنون يوم يرون العذاب في الآخرة وبعد أن يتبرأ منهم السادة والكبراء ، لو أن لهم ( كرة ) أي عودة أو رجعة إلى الدنيا ؛ ليتبرءوا من عبادتهم مثلما تبرأ المتبوعون يوم القيامة منهم ، وليعاودوا العمل من جديد فيعبدوا الله وحده دون غير من شركاء أو أنداد .
وقوله : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) مثلما أراهم الله العذاب فتمنوا أن يتبرأوا من معبوديهم في كرة أخرى ، فإن الله يريهم أيضا أعمالهم حسرات عليهم أي أنهم يرون أعمالهم الفاسدة يوم القيامة فتأخذهم الحسرة وهي الندامة الشديدة والتلهف البالغ . ولسوف يرون العذاب القارع المروع فجأة حتى يُسقط في أيديهم وتتقطع قلوبهم وجلا ثم يساقون إلى النار فيمكثون دائمين ما بقي الزمان ( وما هم بخارجين من النار ) وقوله في الآية : ( كذلك ) الكاف في محل رفع على الابتداء . وتقديره : مثل ذلك الإراء الفظيع ( يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) أي ندامات وتلهفات . والإراء هنا من رؤية البصر فيكون الفعل ( يريهم ) متعديا لمفعولين وهما الهاء في يريهن . والثاني ( أعمالهم ) . فتكون حسرات منصوبة على الحال . وقيل : من رؤية القلب ، فتكون حسرات مفعولا به ثالثا{[175]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.