في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (97)

75

ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لرسوله [ ص ] يتحداهم به ، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد :

( قل : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ، مصدقا لما بين يديه ، وهدى وبشرى للمؤمنين . من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ، فإن الله عدو للكافرين ) . .

وفي قصة هذا التحدي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود . سمة عجيبة حقا . . لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغا يتجاوز كل حد ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل . . لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على محمد [ ص ] ولما كان عداؤهم لمحمد قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لج بهم الضغن أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة ، فيزعموا أن جبريل عدوهم ، لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب ؛ وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد من جراء صاحبه جبريل ! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا ، فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر والخصب !

إنها الحماقة المضحكة ، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة . وإلا فما بالهم يعادون جبريل ؟ وجبريل لم يكن بشرا يعمل معهم أو ضدهم ، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير ؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصى الله ما أمره !

( قل : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) . .

فما كان له من هوى شخصي ، ولا إرادة ذاتية ، في أن ينزله على قلبك ، إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك . . والقلب هو موضع التلقي ، وهو الذي يفقه بعد التلقي ، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ . . والقلب يعبر به في القرآن عن قوة الإدراك جملة وليس هو هذه العضلة المعروفة بطبيعة الحال .

نزله على قلبك . . ( مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) . .

والقرآن يصدق في عمومه ما سبقه من الكتب السماوية ، فأساس دين الله واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الديانات الإلهية . . وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة ، التي تتفتح له وتستجيب . . وهذه حقيقة ينبغي إبرازها . . إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس ، وتفتح له من أبواب المعرفة ، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان . ومن ثم يجد فيه الهدى ، كما يستروح فيه البشرى . وكذلك نجد القرآن يكرر هذه الحقيقة في مناسبات شتى . . ( هدى للمتقين ) . . ( هدى لقوم يؤمنون ) . . ( هدى لقوم يوقنون ) . . ( شفاء ورحمة للمؤمنين ) . فالهدى ثمرة الإيمان والتقوى واليقين . .

وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (97)

عداوة جبريل

( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين( 97 ) من كان عدوا لله وملائكته و رسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين( 98 ) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون( 99 ) أو كلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون( 100 ) (

المفردات :

العدو : ضد الصديق ، يطلق على الواحد والمثنى والجمع المذكر والمؤنث .

جبريل : أمين الوحي بين الله تعالى ورسله ، وهو روح القدس .

مصدقا لما بين يديه : أي مؤيدا ما تقدمه من الكتب السماوية التي نزلت على من سبق نبينا من الرسل .

97

التفسير :

97- قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن من الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين .

قال الإمام ابن جرير الطبري : ( أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا ، على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وميكائيل ولي لهم ) ( 235 ) .

ومن قبائح اليهود قولهم في جبريل عليه السلام هو عدونا ، وأرادوا من هذا القول : أنهم لا يؤمنون بوحي يجيء به عدوهم فهم لا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل هو الذي ينزل عليه الوحي .

فهم يثبتون أن جبريل ملك مرسل من عند الله ومع ذلك يبغضونه وهذا أحط درجات الانحطاط في العقل والعقيدة .

قال ابن كثير في معنى الآية : أي من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك ، فهو رسول من رسل الله ، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل كما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل .

وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله ، لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه( 236 ) ، كما قال : وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا . ( مريم63 )

وقال تعالى : وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين . ( الشعراء192-193 ) .

وقد نزل القرآن على قلب النبي الأمين مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية وهدى لقلوب المؤمنين وبشارة لهم بالجنة .

وقد ورد في البخاري وفي مسند الإمام أحمد وفي مسند الترمذي والنسائي روايات متعددة تفيد أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه الوحي ؟ فقال : جبريل ، فقالوا ذاك عدونا عادانا مرارا( 237 ) .

وقيل : دخل عمر رضي الله عنه مدارس اليهود يوما فسألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمد على أمورنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب وميكائيل صاحب الخصب والسلام . فقال : لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدوا لله . ثم رجع عمر وتوج نحو النبي صلى الله عليه وسلم ليحدثه فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية : قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله . الآيات( 238 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (97)

قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكة ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون } ذكر في سبب نزول هذه الآية كما أخرج الترمذي ، أن اليهود قالوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة والوحي فمن صاحبك حتى نتابعك ؟ فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " جبريل " قالوا : ذلك الذي نزل بالحرب وبالقتل ذاك عدونا . لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك ، فأنزل الله الآية إلى قوله تعالى : { عدو للكافرين } .

قوله : { فإنه نزله على قلبك } الضمير في قوله : ( فإنه ) يُحتمل عودُه على جلال الله سبحانه فهو الذي نزّل جبريل بالقرآن والهداية والنور على قلب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ويحتمل عوده أيضا على جبريل عليه السلام فهو الذي نزل القرآن على قلب النبي الكريم . والقلب جهاز عظيم القدر والفعالية وهو موضعه الصدر من الإنسان ، وهو كذلك مناط العقيدة والإيمان بما يقتضيه ذلك من المعاني والقيم والتصورات ، أو على النقيض من ذلك حيث الشك والتكذيب والإلحاد . وقد سمي القلب بذلك ، لتقلبه من حال إلى حال ؛ فهو تتأرجح فيه الحال بين الإيمان والإنكار أو بين اليقين والتكذيب . حتى قيل إنه قلّب وذلك لتقلبه .

وفي هذه الآية يخاطب الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يدحض مقالة يهود بأن جبريل عدو الله . وحاشا لله ! فما كان للوحي الأمين الكريم أن يكون عدوا لله وهو أمين السماء وحامل الأمر من ربه إلى العباد في الأرض . وهو عليه السلام لا ينشط من تبليغ رسالة أو أداء أمانة أو تلاوة كتاب إلا بإذن الله سبحانه . وقد نزل بالكتاب الحكيم على قلب النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) { مصدقا لما يبن يديه } أي أن الكتاب الذي نزله على قلب النبي فيه تصديق لما قبله من كتاب وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتاب . وهو كذلك يحمل للمؤمنين الهداية والبشرى ، ويخوف بالتحذير والتنذير .

ويخاطب الله نبيه عليه السلام أيضا أن يعلن للناس عن فداحة المعاداة لأحد من ملائكته أو رسله ، فهؤلاء جميعا مصطفون قد اختارهم الله من بين العباد فهو سبحانه يقضي في ذلك كله ولا رادَّ لقضائه ، ويحكم ولا معقب لحكمه . وعلى ذلك فإن معاداة أحد من ملائكته ورسله لهي معاداة لله جل جلاله ، سواء كان الملك المعادى جبريل أو ميكال أو غيرهما من الملائكة ، فهو جميعا أبرار أطهار لا يخصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وما معاداة أحدهم إلا وصمة كفر تطبع على قلوب الضالين الفاسقين .