( خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين ، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، إنه سميع عليم . إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) . .
خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب إليهم الكمال ، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق . واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم . . كل أولئك في المعاملات الشخصية لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات الشرعية . فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة الله يكون التغاضي والتسامح . ولكن في الأخذ والعطاء والصحبة والجوار . وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة . فالإغضاء عن الضعف البشري ، والعطف عليه ، والسماحة معه ، واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء . ورسول الله [ ص ] راع وهاد ومعلم ومرب . فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء . . وكذلك كان [ ص ] . . لم يغضب لنفسه قط . فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء ! . . وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به رسول الله [ ص ] . فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر ، وسماحة طبع ، ويسراً وتيسيراً في غير تهاون ولا تفريط في دين الله . .
( وأمر بالعرف ) . . وهو الخير المعروف الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ؛ والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة . والنفس حين تعتاد هذا المعروف يسلس قيادها بعد ذلك ، وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف وما يصد النفس عن الخير شيء مثلما يصدها التعقيد والمشقة والشد في أول معرفتها بالتكاليف ! ورياضة النفوس تقتضي أخذها في أول الطريق بالميسور المعروف من هذه التكاليف حتى يسلس قيادها وتعتاد هي بذاتها النهوض بما فوق ذلك في يسر وطواعية ولين . .
( وأعرض عن الجاهلين ) . . من الجهالة ضد الرشد ، والجهالة ضد العلم . . وهما قريب من قريب . . والإعراض يكون بالترك والإهمال ؛ والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال ؛ والمرور بها مر الكرام ؛ وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب ، وإضاعة الوقت والجهد . . وقد ينتهي السكوت عنهم ، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها ، بدلاً من الفحش في الرد واللجاج في العناد . فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم ، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير . إذ يرون صاحب الدعوة محتملاً معرضاً عن اللغو ، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون !
وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس !
{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين( 199 ) } :
العفو : السهل اليسير من أخلاق الناس .
بالعرف : بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس .
{ 199 - خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } .
في آيات سابقة نهى القرآن عن عبادة الأوثان ، وندد بعبادة الأصنام .
وتجئ هذه الآية وما بعدها إلى آخر سورة الأعراف دعوة إلهية كريمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولمن معه من المؤمنين ، إلى منهج سمح سهل ليّن في معاملة المشركين .
جمعت هذه الآية أصول الفضائل ومكارم الأخلاق .
عن عبد الله بن الزبير قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس ا . ه .
ونجد في هذه الآية ثلاث فضائل :
وهو اليسير والسهل من أخلاق الناس وأعمالهم ، دون تكليفهم بما يشق عليهم ، ومن غير تجسس ، وإنما يؤخذ بالسمح السهل ، واليسر دون العسر .
جاء في ظلال القرآن : " خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب إليهم الكمال ، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق ، واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم . . . . " .
روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " 86 .
ويدخل في العفو صلة القاطعين أرحامهم ، والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين .
وهذا هو الصنف الأول من الحقوق التي تستوفي من الناس ، وتؤخذ منهم بطريق المساهلة والمسامحة .
ويشمل ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ، والتخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة .
قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } . ( آل عمران : 159 ) .
ومن هذا القسم : الدعوة إلى الدين الحق بالرفق واللطف .
كما قال تعالى : { جادلهم بالتي هي أحسن } . ( النحل : 125 ) .
وهو المعروف والجميل من الأفعال : وهو كل ما أمر به الشرع ، وتعارفه الناس من الخير ، واستحسنه العقلاء ؛ فالمعروف اسم جامع لكل خير .
ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة ؛ مثل قوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } . ( آل عمران : 110 ) .
وفي تبيان الحقوق الزوجية قال تعالى : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهم درجة } . ( البقرة : 228 ) .
وأمر المعروف حتى في حالات الفرقة والطلاق . قال تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . ( البقرة : 229 ) .
" ويشمل المعروف الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال ، والذي تلتقي عليه الفطر السليمة ، والنفوس المستقيمة ؛ والنفس حين تعتاد هذا المعروف ؛ يسلسل قيادها بعد ذلك ؛ وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف " 87 .
ويشمل تجاهلهم ، وعدم الرد عليهم ، أو الدخول معهم في خصومة وجدل ، كما يشمل كظم الغيظ والمقابلة بالصفح والعفو .
قال تعالى في وصف المؤمنين : { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } . ( آل عمران : 134 ) .
وقال تعالى في فضيلة العفو : { وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم }( البقرة : 237 ) .
فأنت ترى أن المعروف في هذه الآية معتبرة في هذه الأحكام المهمة ، وأن المعروف هو المعهود بين الناس في المعاملات والعادات ، ومن المعلوم بالضرورة أنه يختلف باختلاف الشعوب ، والبيوت والبلاد والأوقات ، فتحديده وتعيينه باجتهاد بعض الفقهاء بدون مراعاة عرف الناس ، مخالف لنص كتاب الله تعالى ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيره من فقهاء الحديث والحنابلة أقوال حكيمة في المعروف ؛ منها : أنه يجب على كل من الزوجين من أعمال البيت والأسرة ما جرى العرف به .
وأنه إذا كان من المعروف عن بعض البيوت أنهن لا يزوجن بناتهن لمن يتزوج عليهن ويضارهن ، كان هذا كالشرط ؛ فلا يجوز للرجل أن يتزوج على المرأة منهن88 .
2 – جاء في هامش زاد المسير لابن الجوزي نشر المكتب الإسلامي ما يأتي :
روى البخاري 8/ 229 : أن ابن عباس قال : قدم عيينة بن حصين ابن حذيفة ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدينهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبابا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، لك وجه عند هذا الأمير ، فاستأذن لي عليه ، قال : سأستأذن لك عليه ، قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعيينة ، فأذن له عمر ، فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ؛ فغضب عمر حتى هم به ، فقال الحر : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافا عند كتاب الله89 .
3 – من التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :
وهذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير .
قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية ، قال عليه الصلاة والسلام : يا جبريل ، ما هذا ؟ قال : إن ربك يقول : هو أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك90 .
وروى الطبري وغيره عن جابر مثل ذلك :
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها91 .
قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن : قال علماؤنا : هذه الآية من ثلاث كلمات ، قد تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات ، حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوعتها ، ولا فضيلة إلا شرحتها ، ولا أكرومة إلا افتتحتها92 .
قوله تعالى : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهات 199 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم 200 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشطان تذكروا فإذا هم مبصرون 201 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } .
العفو : المساهلة أو التساهل فيما بينه وبينهم وقبول اليسير منهم وهو الذي يسهل عليهم وأن يترك الاستقصاء عليهم في ذلك . والمعنى : خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم . وعفو المال ما يفضل عن النفقة{[1606]} . والمراد هنا العفو في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى وللناس ، وفي معنى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد : ( رحم الله سهل القضاء ، سهل الاقتضاء ) ولا ينافي ذلك أن يكون لصاحب الحق والديون وغيرها من الحقوق استيفاء ما له حق وملازمة الغرماء حتى الاستيفاء ؛ لأن ذلك مندوب إليه دون أن يكون وجبا . وقد يكون العفو هنا في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة والإساءة . قال عبد الله بن الزبير وجمهور المفسرين في تأويل الآية : اقبل من الناس في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم بما أتى عفوا دون تكلف ولا تحرج . والعفو ضد الجهد ؛ أي لا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله : ( يسروا ولا تعسروا ) وقيل : سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عم قوله : { خذ العفو } فاخبره عن الله أنه يأمرك ( أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ) . قال ابن عباس وغيره : إن هذه الآية في الأموال قبل فرض الزكاة ؛ إذ أمر أن يأخذ ما سهل من أموال الناس ؛ أي ما فضل وزاد ، ثم فرضت الزكاة فنسخت هذه .
وقيل : الآية في مداراة الكفار وعدم مؤاخذتهم ثم نسخ ذلك بالقتال . والراجح القول الأول ، وهو أن الله أمر بمكارم الأخلاق ، وأن ذلك حكم مستمر في الناس وليس بمنسوخ .
أما العرف فهو المعروف ؛ أي الجميل من الأفعال والأقوال . قال عنه الطوسي : هو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء .
قوله : { وأعرض عن الجاهلين } أي إذا أقمت الحجة على المشركين وقد أمرتهم بالمعروف فلم يقبلوا ، أعرض عنهم ولا تمارهم بعد ذلك أيما مراء ، ولا تسافههم في مقابلة ما يصدر عنهم من المرء والسفاهة . وقيل : إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه ، كقوله في الآية : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } وهو سلام المتاركة ؛ أي الترك ومجانبة السفه والسفهاء .
قال جعفر الصادق : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . وفي هذا الصدد أخرج الترمذي عن عائشة ( رضي الله عنها ) قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفشحا ، ولا سخابا{[1607]} في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ؛ لكن يعفو ويصفح ) .
وفي الخبر عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق ، وإتمام محاسن الأفعال ) .