فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (199)

قوله : { خُذِ العفو } لما عدّد الله ما عدده من أحوال المشركين وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم . يقال أخذت حقي عفواً ، أي سهلاً . وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول : { يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا } والمراد بالعفو هنا ضد الجهد . وقيل المراد : خذ العفو من صدقاتهم ، ولا تشدّد عليهم فيها وتأخذ ما يشق عليهم . وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة { وَأْمُرْ بالعرف } أي : بالمعروف . وقرأ عيسى بن عمر «بالعُرف » بضمتين ، وهما لغتان . والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول ، وتطمئن إليها النفوس ، ومنه قول الشاعر :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس

{ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } أي : إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا ، فأعرض عنهم ولا تمارهم ، ولا تسافههم مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة . قيل : وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف ، قاله عبد الرحمن بن زيد وعطاء . وقيل هي محكمة ، قاله مجاهد وقتادة .

/خ206