وأخيرا يحدد التبعة . فليس الخروج ضربة لازب على من يطيقون ومن لا يطيقون . فالإسلام دين اليسر ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها . والذين عجزوا عن النفرة لا تثريب عليهم ولا مؤاخذة لهم ، لأنهم معذورون :
( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا للّه ورسوله . ما على المحسنين من سبيل ، واللّه غفور رحيم . ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ) .
ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم ، أو لشيخوخة تقعدهم ؛ ولا على المرضى الذين لا يستطيعون الحركة والجهد ؛ ولا على المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون به . . ليس على هؤلاء حرج إذا تخلفوا عن المعركة في الميدان ، وقلوبهم مخلصة للّه ورسوله ، لا يغشون ولا يخدعون ، ويقومون بعد ذلك بما يستطيعونه - دون القتال - من حراسة أو صيانة أو قيام على النساء والذرية في دار الإسلام ، أو أعمال أخرى تعود بالنفع على المسلمين . ليس عليهم جناح ، وهم يحسنون بقدر ما يستطيعون ، فلا جناح على المحسنين ، إنما الجناح على المسيئين .
{ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 91 ) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( 92 ) } .
حرج : المراد به : الإثم والذنب ، ومعناه في الأصل : الضيق ويطلق على الذنب ؛ لأنه تضيق به صدور المؤمنين .
إذا نصحوا الله ورسوله : أي : إذا قاموا بما استطاعوا من قول وفعل يعود بصلاح الحال على الإسلام والمسلمين .
ما على المحسنين من سبيل : أي : ما عليهم من طريق إلى عقابهم أو عتابهم .
91 – { لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ . . . } الآية .
هناك ارتباط واضح بين هذه الآية وما قبلها ، فبعد أن ذكر سبحانه : الوعيد للمتخلفين بدون عذر ، والمنتحلين للأعذار ، ذكر هنا أصحاب الأعذار الحقيقية ، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم .
المعنى : هناك أصناف ثلاثة من أصحاب العذار المقبولة : وهم : الضعفاء ، والمرضى ، والفقراء فليس على الضعفاء العاجزين عن القتال ؛ لعلة في تكوينهم ، أو لشيخوخة أقعدتهم ، ولا على المرضى الذين حالت أمراضهم بينهم وبين الجهاد ، ولا على الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه على الحرب ، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة ، ليس على هؤلاء جميعا ، إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد ، إذا نصحوا لله ورسوله ، بأن أخلصوا الإيمان لله في السر والعلن ، وعرفوا الحق ، وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداه ، وحافظوا على المصلحة العليا للأمة في كتمان السر ، والحث على البر ، ومكافحة الأراجيف والقضاء على الإشاعات الكاذبة أو المغرضة .
روى مسلم عن تميم الداري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة " ؛ قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم " 132 .
والنصيحة لله ولرسوله : إخلاص الإيمان بهما ، وطاعتهما ، والحب والبغض فيهما .
والنصيحة لكتابه : تلاوته وتدبر معانيه ، والعمل بما فيه .
والنصيحة لأئمة المسلمين : مؤازرتهم وترك الخروج عليهم ، وإرشادهم إن أخطئوا .
والنصيحة لعامة المسلمين : إرشادهم إلى طريق الحق ، والعمل على تقويتهم ودعوتهم إلى إخلاص العمل ، والبعد عن الغش .
إن كل ناصح لله ولرسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج ، فقد أدى ما وجب عليه ، من قول أو عمل حسب طاقته ، وليس عليه سبيل إلى عقاب أو عتاب ؛ لدخوله في عداد المحسنين .
واسع المغفرة والرحمة ، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية .
قوله تعالى : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم 91 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } هذا أصل في عدم التكليف في حق ذوي الأعذار من أهل الزمانة والهرم والمرض أو العاجزين عن السفر لسبب حقيقي معقول . أو الذين لا يملكون أهبة الجهاد من النفقة . ونحو ذلك من المعاذير المشروعة التي تحول بين المرء وفريضة الجهاد . وهذا مدلول من مدلولات الإسلام في مراعاته لقدرات البشر وإمكاناتهم المادية والجسدية والمعنوية ، بعيدا عن التكليف بما لا يطاق . والأصل في ذلك كله أنه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وعلى هذا فإنه ليس من إثم على الضعفاء ولا المرضى ولا الفقراء العالة الذين لا يجدون أهبة للجهاد . إنه ليس على هؤلاء المعذورين من بأس أو مساءلة في التخلف عن الجهاد لضعفهم وعجزهم عن القيام بهذا الواجب الكبير الذي لا يحتمله غير الأصحاء والأسوياء والقادرين من الناس .
قوله : { إذ نصحوا لله ورسوله } { نصحوا } من النصيحة ، وهي قول فيه دعا إلى صلاح ونهي عن فساد . ومنه الناصح ، وهو الخالص من كل شيء . نصح الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة ؛ أي خلص . ونصح قلبه ؛ أي خلا من الغش{[1870]} . والمعنى المراد هنا : هو قبول الأعذار من هؤلاء المعذورين ، ورفع الإثم عنهم لتخلفهم عن الجهاد على أن يلتزموا النصيحة لله ورسوله في مقابلة قعودهم ، فإذا لبثوا في المدينة قاعدين أذاعوا في الناس الأخبار السارة ، ونشروا في أوساطهم الأمن والطمأنينة ، وبذلوا لهم من العون المعنوي ما يحول بينهم وبين الأراجيف وأخبار السوء .
قال الرازي في تأويل قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } : معناه : أنهم أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بان يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ؛ فغن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد{[1871]} .
قوله : { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } أي من نصح لله ورسوله بعد أن تخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر من الأعذار ، ليس عليه سبب يوجب عقابه . أو ليس على المعذورين الناصحين من سبب يدعو إلى عقابهم ومؤاخذتهم ؛ بل إن الله يستر على المحسنين ذنوبهم ويشملهم برحمتهم فلا يعذبهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.