فكانت هي الربح الذي خرجوا به من صفقة الحياة ! هؤلاء ينالهم عدل الله ، فلا يضاعف لهم الجزاء ، ولا يزاد عليهم السوء . ولكن :
( جزاء سيئة بمثلها ) . . ( وترهقهم ذلة ) . .
( ما لهم من الله من عاصم ) . .
يعصمهم ويمنعهم من المصير المحتوم ، نفاذا لسنة الله الكونية فيمن يحيد عن الطريق ، ويخالف الناموس . . ثم يرسم السياق صورة حسية للظلام النفسي والكدرة التي تغشى وجه المكروب المأخوذ المرعوب :
( كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) . .
كأنما أخذ من الليل المظلم فقطع رقعا غشيت بها هذه الوجوه ! وهكذا يغشى الجو كله ظلام من ظلام الليل المظلم ورهبة من رهبته ، تبدو فيه هذه الوجوه ملفعة بأغشية من هذا الليل البهيم . .
( أولئك ) . . المبعدون في هذا الظلام والقتام ( أصحاب النار ) . . ملاكها ورفاقها ( هم فيها خالدون ) .
{ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 27 }
كسبوا السيئات : عملوا المعاصي من كفر وغيره .
28 { وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا . . . } الآية .
أثاب الله المتقين بالحسنى وزيادة ، ثم عاقب مرتكب السيئة بمثل ما ارتكب ، فالجزاء الحق من جنس العمل ؛ فمن ارتكب السيئات جازاه الله على كل سيئة بمثلها ، أي : بمقدارها في الصغر والعظم ، بدون زيادة .
قال تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } . ( الأنعام : 160 ) .
{ وترهقهم ذلة } . أي : يغشاهم الهوان الذي يلف وجوههم ونفوسهم .
قال تعالى : { ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة } . ( عبس : 40 42 ) .
فشدة العذاب قد أثرت في نفوسهم وأرهقها بالمذلة والهوان ، نعوذ بالله تعالى من حال أهل النار !
قال تعالى : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل } . ( الشورى : 45 ) .
أي : ليس لهم من دون الله منقذ أو مدافع يحميهم من عذابه .
{ كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } .
كأنما ألبست وجوههم أجزاء أغشية من سواد الليل المظلم ؛ لفرط سوادها وظلمتها ، فالسواد قد علا وجوههم ، وتراكم السواد طبقات فوق طبقات ، وفيه تعبير عن ظلام النفس وظلام الوجه ، ومن حكمة الله أن ظلام النفس يظهر أثره على ظلام الوجه .
قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون{ . ( آل عمران : 106 : 107 ) .
{ كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } ؛ لشدة ما يغشاها من دخان النار وسوادها . ا ه .
{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
أي : أولئك المتصفون بتلك الصفات ، هم أصحاب النار لا انفكاك لهم عنها ، وهم فيها خالدون خلودا أبديا لا نهاية له . وفي الآيتين صور من كمال الرضوان للمؤمنين ، وصور رائعة من الأدب الرفيع في ألوان العذاب التي تحيق بالكافرين .
ولما بين حال الفضل فيمن أحسن ، بين حال العدل فيمن أساء{[37848]} فقال : { والذين كسبوا } أي منهم { السيئات } أي المحيطة بهم { جزآء سيئة } أي منهم { بمثلها } بعدل الله من غير زيادة { وترهقهم ذلة } {[37849]}أي من{[37850]} جملة جزائهم ، فكأنه{[37851]} قيل : أما لهم انفكاك عن ذلك ؟ فقيل جواباً : { ما لهم من الله } أي الملك الأعظم ؛ وأغرق في النفي فقال : { من عاصم } أي يمنعهم من شيء يريده بهم .
ولما كان من المعلوم أن {[37852]}ذلك مغير{[37853]} لأحوالهم ، وصل به قوله : { كأنما } ولما كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيىء ، بني للمفعول قوله : { أغشيت وجوههم } أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء { قطعاً } ولما كان القطع بوزن عنب مشتركاً بين ظلمة آخر الليل و{[37854]} جمع القطعة من الشيء{[37855]} . بين وأكد فقال : { من الليل } أي هذا الجنس حال كونه { مظلماً } ولما كان ذلك ظاهراً{[37856]} في أنهم أهل الشقاوة ، وصل به قوله : { أولئك } أي البعداء البغضاء { أصحاب النار } ولما كانت الصحبة الملازمة ، بينها بقوله : { هم فيها } أي{[37857]} خاصة { خالدون } أي لا يمكنون من مفارقتها ؛ والرهق : لحاق الأمر ، ومنه : راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال ؛ والقتر :الغبار ، ومنه الإقتار في الإنفاق لقلته ؛ والذلة : صغر النفس بالإهانة ؛ والكسب : الفعل لاجتلاب النفع إلى النفس أو{[37858]} استدفاع الضر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.