في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

26

وفي ظل هذا الحديث عن فضل اللّه ورحمته ، المتمثلين فيما جاء للناس من موعظة وهدى وشفاء لما في الصدور ، يتعرض السياق للجاهلية ، وهي تزاول حياتها العملية ، لا وفق ما جاء من عند اللّه ؛ ولكن وفق أهواء البشر ، واعتدائهم على خصائص اللّه سبحانه ، ومزاولتهم أمر التحليل والتحريم فيما رزقهم اللّه :

( قل : أرأيتم ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ! قل : آللّه أذن لكم ? أم على اللّه تفترون ? وما ظن الذين يفترون على اللّه الكذب يوم القيامة ? إن الله لذو فضل على الناس ، ولكن أكثرهم لا يشكرون ) . .

قل : ماذا ترون في رزق اللّه الذي أنزله إليكم ? - وكل ما جاء من عند اللّه في عليائه إلى البشر فهو منزل من ذلك المقام الأعلى - ماذا ترون في هذا الرزق الذي أعطاه لكم ، لتتصرفوا فيه وفق إذنه وشرعه ، فإذا أنتم - من عند أنفسكم ودون إذن من اللّه لكم - تحرمون منه أنواعاً وتحلون منه أنواعاً . والتحريم والتحليل تشريع . والتشريع حاكمية . والحاكمية ربوبية . وأنتم تزاولونها من عند أنفسكم :

( قل : آللّه أذن لكم ? أم على اللّه تفترون ? ) .

إنها القضية التي يتكرر ذكرها في القرآن الكريم ؛ وتواجه بها الجاهلية بين الحين والحين . . ذلك أنها القضية الكبرى التالية لشهادة أن لا إله إلا اللّه . بل إنها هي هي في حالة التطبيق الواقعي في الحياة .

إن الاعتراف بأن اللّه هو الخالق الرازق يستتبعه حتماً أن يكون اللّه هو الرب المعبود ؛ وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله . . ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها اللّه للبشر ، وهي تشمل كل ما يرزقهم من السماء والأرض . . والجاهليون العرب كانوا يعترفون بوجود اللّه - سبحانه - وبأنه الخالق الرازق - كما يعترف اليوم ناس يسمون أنفسهم " المسلمين ! " . ثم كانوا مع هذا الاعتراف يزاولون التحريم والتحليل لأنفسهم فيما رزقهم اللّه - كما يزاول ذلك اليوم ناس يسمون أنفسهم " المسلمين ! " - وهذا القرآن يواجههم بهذا التناقض بين ما يعترفون به من وجود اللّه ومن أنه الخالق الرازق ؛ وما يزاولونه في حياتهم من ربوبية لغير اللّه تتمثل في التشريع الذي يزاوله نفر منهم ! وهو تناقض صارخ يدمغهم بالشرك ؛ كما يدمغ كل من يزاول هذا التناقض اليوم وغداً وإلى آخر الزمان . مهما اختلفت الأسماء واللافتات . فالإسلام حقيقة واقعة لا مجرد عنوان !

ولقد كان الجاهليون العرب يزعمون - كما يزعم اليوم ناس ممن يسمون أنفسهم " المسلمين " - أن هذا الذي يزاولونه من التحريم والتحليل إنما أذن لهم به اللّه . أو كانوا يقولون عنه : شريعة اللّه !

وقد ورد في سورة الأنعام ادعاؤهم أن هذا الذي يحرمونه وهذا الذي يحلونه شرعه اللّه . . وذلك في قوله تعالى : ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها افتراء عليه . سيجزيهم بما كانوا يفترون ) . . فهم كانوا يقولون : إن اللّه يشاء هذا ، ولا يشاء هذا . . افتراء على اللّه . . كما أن ناساً اليوم يدعون أنفسهم " مسلمين " يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون : شريعة اللّه !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

{ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ 59 وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ 60 }

المفردات :

رزق : الرزق في اللغة : ما ينتفع به ، ومعلوم أنه ليس كله نازلا من السماء ، وإنما الذي أنزل من السماء ، هو التشريع الذي أحله ، أو أسبابه التي حدث بها كالمطر والهواء وأشعة الشمس ، وعلى هذا فالمراد من إنزال الرزق من السماء : إنزال تشريعه أو أسبابه ، وفسر بعض العلماء إنزال الرزق بمعنى : خلقه ؛ وعليه فلا إشكال .

التفسير :

59 { قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً . . . } الآية .

كان أهل الجاهلية يحرمون على أنفسهم أنواعا من الحيوانات مع أن الله أحلها لهم وهنا يوجه السؤال إليهم ويقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين : أخبروني أيها الجاحدون للوحي والرسالة ، المبدلون لشرع الله على حسب أهوائكم ، إن الله تعالى قد أنزل عليكم ألوانا من الرزق الحلال ، فجئتم أنتم ، وقسمتم هذا الرزق الحلال ، فجعلتم منه حلالا ، وجعلتم منه حراما .

وقد حكى الله عنهم ذلك في آيات متعددة منها قوله تعالى في سورة الأنعام : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } . ( الأنعام : 136 ) .

وقوله في سورة المائدة : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } . ( المائدة : 103 ) .

{ قل أآلله أذن لكم أم على الله تفترون } .

أي : قل لهم يا محمد على سبيل الزجر والتوبيخ : إن الله وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم ، فهل هو سبحانه أذن لكم بذلك بوحي من عنده ، أم أنتم تفترون على الله بزعمكم أنه حرم ما حرمتم ، وحلل ما حللتم .

والخلاصة : أنه لا مندوحة لكم في الاعتراف بأحد أمرين : إما دعوى الإذن لكم من الله بالتحريم والتحليل ؛ لأن أحل هذه الأنعام في شريعة إبراهيم وشريعة الرسل من بعده ؛ وإما اعترافكم بالافتراء على الله .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

والمعنى : أخبروني : الله أذن لكم في التحليل والتحريم ، وأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه . ا ه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب ، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده{[38129]} فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل الأخلاق فيحط{[38130]} من أوج المعالي ، أشار إلى أنهم كما{[38131]} خبطوا في الفرح فخصوه{[38132]} بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك{[38133]} خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله ، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعاً مرضياً وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصورعن مراقي السداد فقال تعالى : { قل } أي لهؤلاء الذين{[38134]} يستهزئون بك استهزاء قاضياً عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئاً بهم وموبخاً لهم توبيخاً هو في أحكم مواضعه ، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب أصلاً بغير الإقرار{[38135]} بالافتراء فقال : { أرءيتم } أي أخبروني ، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيهاً على أنه شيء لا يمكن ادعاءه لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال : { ما أنزل الله } أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق { لكم } أي خاصاً بكم { من رزق } أي أيّ رزق كان { فجعلتم منه } أي ذلك الرزق الذي خصكم{[38136]} به { {[38137]}حراماً وحلالاً{[38138]} } على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج ؛ ثم ابتدأ أمراً آخر تأكيداً للإنكار عليهم فقال : { قل } أي من أذن لكم في ذلك ؟ { الله } أي الملك الأعلى { أذن لكم } فتوضحوا المستند به { أم } لم يأذن لكم فيه مع{[38139]} نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ومحرم إلا الله ، فأنتم { على الله } أي المحيط بكل شيء عظمة وعلماً { تفترون* } مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه ، وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤاً من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه .


[38129]:في ظ: زهد.
[38130]:في ظ: فيحيط.
[38131]:في ظ: لما.
[38132]:من ظ، وفي الأصل: محضوا ـ كذا.
[38133]:من ظ، وفي الأصل: فلذلك.
[38134]:سقط من ظ.
[38135]:سقط من ظ.
[38136]:في ظ: خصصتم.
[38137]:في ظ: حلالا وحراما.
[38138]:في ظ: حلالا وحراما.
[38139]:في ظ: من.