لا يشكرون . . والله هو المطلع على السرائر ، المحيط بكل مضمر وظاهر ، الذي لا يغيب عن علمه ولا يبعد عن متناوله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . . هذه هي اللمسة الجديدة للمشاعر والضمائر في السياق ، ليخرج منها إلى طمأنة الرسول [ ص ] ومن معه بأنهم في رعايته وولايته ، لا يضرهم المكذبون ، الذين يتخذون مع الله شركاء وهم واهمون :
وما تكون في شأن ، وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل ، إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ؛ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل لكلمات الله ، ذلك هو الفوز العظيم . ولا يحزنك قولهم ، إن العزة لله جميعاً ، هو السميع العليم ، ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، إن يتبعون إلا الظن ، وإن هم إلا يخرصون . هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون .
إن الشعور بالله على النحو الذي تصوره الآية الأولى من هذا السياق :
وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . . شعور مطمئن ومخيف معاً ، مؤنس ومرهب معاً . . وكيف بهذا المخلوق البشري وهو مشغول بشأن من شؤونه يحس أن الله معه ، شاهدً أمره وحاضر شأنه . الله بكل عظمته ، وبكل هيبته ، وبكل جبروته ، وبكل قوته . الله خالق هذا الكون وهو عليه هين . ومدبر هذا الكون ما جل منه وما هان . . الله مع هذا المخلوق البشري . الذرة التائهة في الفضاء لولا عناية الله تمسك بها وترعاها ! إنه شعور رهيب . ولكنه كذلك شعور مؤنس مطمئن . إن هذه الذرة التائهة ليست متروكة بلا رعاية ولا معونة ولا ولاية . . إن الله معها :
( وما تكون في شأن ، وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . . )
إنه ليس شمول العلم وحده ، ولكن شمول الرعاية ، ثم شمول الرقابة . .
( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) . .
ويسبح الخيال مع الذرات السابحة في الأرض أو في السماء - ومعها علم الله - ومع ما هو أصغر من الذرة وأكبر محصوراً في علم الله . . ويرتعش الوجدان إشفاقاً ورهبة ، ويخشع القلب إجلالاً وتقوى ، حتى يطامن الإيمان من الروعة والرهبة ؛ ويهدهد القلب الواجف بأنس القرب من الله .
{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 61 }
كنا عليكم شهودا : كنا رقباء مطلعين عليكم .
تفيضون فيه : تخوضون وتندفعون فيه ، وأصل الإفاضة : الاندفاع بكثرة أو بقوة .
مثقال ذرة : المثقال : الوزن ، والذرة : النملة والهباء .
كتاب مبين : المراد به : اللوح المحفوظ أو هو كناية عن علمه تعالى ، ومعنى مبين : بين واضح .
61 { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا . . . } الآية .
بينت هذه الآية الكريمة إحاطة القدرة الإلهية بكل شيء في هذا الوجود ، وإحاطة علم الله بالصغير والكبير في هذا الكون ؛ إن الله قد أحاط بكل شيء علما .
والمعنى : وما تكون يا محمد في شأن من شئونك الهامة ، خاصة كانت أو عامة .
وما تقرأ من أجل ذلك الشأن من قرآن أنزله الله عليك ؛ تعبدا به أو تبليغا له ولا تعلمون أيها الناس الذين بلغتكم دعوته من عمل خيرا كان أو شرا ، شكرا كان أو كفرا ؛ إلا كنا عليكم رقباء وحافظين وشهداء فنحفظه عليكم ونجازيكم به .
{ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء } .
وما يغيب عن علم ربك شيء في وزن الهباء الدقيق ؛ سواء أكان ذلك الشيء الدقيق في الأرض أمام أنظاركم ، أو في السماء بعيدا عنكم ، وقدم ذكر الأرض ؛ لأن الكلام مع أهلها .
{ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إلا في كتب مبين } .
أي : ولا شيء أصغر من الذرة ، ولا أكبر من ذلك وإن عظم مقداره ؛ إلا وهو معلوم ومحصى عنده في كتاب عظيم الشأن ، أي : إن علمه محيط بكل صغير وكبير ؛ فكيف تخفى عليه أعمالكم ؟
جاء في تفسير المراغي ما يأتي :
وفي معنى الآية قوله تعالى : { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } . ( الحاقة : 38 ، 39 ) .
وفي ذلك إشارة إلى أن في الوجود أشياء لا تدركها الأبصار وقد أثبت العلم الحديث بواسطة الآلات التي تكبر الأشياء أضعافا مضاعفة ( الميكروسكوبات ) أن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا إذا كبرت عن حقيقتها آلاف المرات كالجراثيم ( الميكروبات ) ولم تكن تخطر على البال في عصر التنزيل ، وقد ظهرت للناس الآن فهي من روائع الإعجاز العظيمة الدالة على أنه من كلام العليم الخبير . xxiv
وأضيف أنني أكتب هذا التفسير اليوم بتاريخ 27/12/1993 ، وبالأمس أفادت أخبار من أمريكا أنها استردت قمرا صناعيا استمر دورانه في الفضاء 4 سنوات ؛ ليجيب عن سؤالين هما :
وذكروا أن الكون خلق بعد الانفجار الكبير الذي ترتب عليه وجود السماوات والأرض وما بينهما من الفضاء والهواء وأن عمر الكون 15 مليون سنة ، وسيمكث الكون 15 مليون سنة أخرى ثم يشيخ وينتهي . ا ه .
ونقول : إن تقدم العلوم لا يصطدم مع حقائق القرآن ؛ بل ينزع إلى تأكيد ما جاء في القرآن ، وتأكيد أنه كلام الله الذي أحاط بكل شيء علما .
لقد كانت الأرض صماء لا تنبت ، وكانت السماء رتقا لا تمطر ؛ ففتق الله السماء بالمطر ، وفتق الأرض بالنبات وسبب الأسباب ؛ لإعمار الكون وتكامله ، فسخر الشمس تلقي أشعتها على المحيطات ؛ فيتصاعد البخر ثم يسوق الله السحاب ثم ينزل من المطر .
وعندما يشاء الله ينتهي عمر هذا الكون ، فتنكدر النجوم ، وتنشق السماء ؛ و تتمدد الأرض ، ويستجيب الجميع لأمر الله .
{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } . ( إبراهيم : 18 ) .
ويقول سبحانه : { أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } . ( الأنبياء : 30 ) .
ويقول عز شأنه : { إن في خلق السموات والأرضxxv واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } . ( البقرة : 164 ) .
ولما وصف القرآن بما وصفه{[38145]} به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل على إعجازه ، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذباً يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة ، وختم ذلك بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن مفترى وهم عاجزون عن معارضته ، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلّها تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم ، وكان قد أكثر في ذلك كله من الأمر له صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم{[38146]} { قل لا أملك لنفسي } ، { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه } ، { قل إي وربي إنه لحق } ، { قل بفضل الله } - الآية ، { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم } ، { قل الله أذن لكم } ، قال تعالى ناظراً إلى قوله : { وما كان هذا القرآن أن يفترى } الآية ، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتقوية لهمته وزيادة في تهديدهم عطفاً على ما تقديره : فقد أنزلت إليهم{[38147]} على لسانك ما هو شرف{[38148]} لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر : { وما تكون } أنت{[38149]} { في شأن } أي أيّ شأن كان { وما تتلوا منه } أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه السورة ، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم { من قرآن } أي قليل أو كثير { ولا تعملون } أي كلكم طائعكم وعاصيكم ، وأغرق في النفي فقال : { من عمل } صغير أو كبير { إلا كنا } أي{[38150]} بما لنا من العظمة { عليكم شهوداً } أي{[38151]} عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد { إذ تفيضون فيه } الآية إيذاناً بأنك بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العالم{[38152]} بتدبيرك والقادر على نصرتك{[38153]} ، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظاً أو معنى فضلاً عن التغيير فضلاً عن الإتيان{[38154]} بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه ، لاستقامة أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ورحمة{[38155]} ، وما كان كذلك فهو من عندي قطعاً وبإذني جزماً لأني{[38156]} عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم .
ولما كان ربما ظن ظان من إفهام { كنا } و { شهوداً } للجنود أنه سبحانه محتاج إليهم ، نفى ذلك بقوله : { وما } أي والحال أنه ما { يعزب } أي يغيب ويخفى{[38157]} { عن ربك } أي{[38158]} المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله ، وأغرق في النفي فقال : { من مثقال ذرة } أي وزن نملة صغيرة جداً وموضع وزنها وزمانه ؛ ولما كان " في " بمزون{[38159]} أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال : { في الأرض } ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ{[38160]} - قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس : { ولا في السماء } أي ما علا عن الأرض كائناً ما كان .
ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة ، قال عاطفاً على الجملة من أولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين : { ولا أصغر من ذلك } أي من مثقال الذرة { ولا أكبر } ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر{[38161]} ، أخبر عنه بقوله : { إلا } أي لا شيء من ذلك إلا موجود{[38162]} { في كتاب } أي جامع { مبين* } أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه ، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان{[38163]} ، وفي ذلك تهديداً لهم وتثبيت له صلى الله عليه وسلم ، ولاح بهذا أن ما بعد { إلا } حال من الفاعل ، أي ما يفعل شيئاً إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه ، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه ؛ والإفاضة : الدخول في العمل {[38164]}على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل{[38165]} أخذاً من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه ، وأفضتم{[38166]} : تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء ؛ والعزوب : ذهاب المعنى عن العلم ، وضده الحضور ؛ والذر : صغار النمل وهو خفيف الوزن جداً ، {[38167]}ومثقاله : وزنه{[38168]} .