وبعد إحياء المشهد واستحضاره بهذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يعود إلى وصف ما هناك :
( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ) فهذا هو سجل أعمالهم يوضع أمامهم ، وهم يتملونه ويراجعونه ، فإذا هو شامل دقيق . وهم خائفون من العاقبة ضيقو الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة ، ولا تند عنه كبيرة ولا صغيرة : 18 : لون : يا ويلتنا . ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، إلا أحصاها ? وهي قولة المحسور المغيظ الخائف المتوقع لأسوأ العواقب ، وقد ضبط مكشوفا لا يملك تفلتا ولا هربا ، ولا مغالطة ولا مداورة : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) ولاقوا جزاء عادلا : ( ولا يظلم ربك أحدا ) . .
ووضع الكتاب : وضعت صحائف أعمال البشر في أيديهم .
حاضرا : مسطورا في كتاب كل منهم .
ولا يظلم ربك أحدا : لا يعاقب إنسانا بغير جزم ، ولا ينقص من ثواب المحسنين .
49- { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه . . . }
أي : وضعت صفائح الأعمال للبشر وعرضت عليهم ، وفي هذه الصحف الجليل والحقير .
{ ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } .
أي : يا حسرتنا ويا هلاكنا على ما فرطنا في حياتنا الدنيا ، ما شأن هذا الكتاب ، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ضبطها وأحاط بها ! ! !
أي : من خير وشرح وجدوه مثبتا في الكتاب .
قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } . ( آل عمران : 30 ) .
وقال سبحانه : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } . ( القيامة : 13 ) .
{ ولا يظلم ربك أحدا } ، أي : لا يعاقب إنسانا بدون جرم ، ولا ينقص من ثواب المحسنين ؛ فهو سبحانه عادل في حكمه ، وكريم متفضل أيضا ، قال تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .
وقال تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } . ( الأنبياء : 47 ) . روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند إسته بقدر غدرته ، يقال : هذه غدرة فلان بن فلان )40 .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن أنيس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يحشر الناس يوم القيامة ، حفاة عراة غرلا بُهما ) قلت : وما بُهما ؟ قال : ( ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الدّيان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق ؛ حتى أقضيه منه ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه ، حتى اللطمة ) قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟ ! قال : ( بالحسنات والسيئات )41 .
وتفيد الآيات السابقة : عرض مشاهد القيامة ، وعدالة الحساب ، وندم المجرمين ، وأن الجزاء الحق من جنس العمل ، قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 8 ، 7 ) .
{ ووضع } {[46486]}بأيسر أمر{[46487]} بعد العرض المستعقب للجمع {[46488]}بأدنى إشارة{[46489]} { الكتاب } المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه { فترى المجرمين } لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها [ {[46490]}{ مشفقين مما فيه } من قبائح أعمالهم ، وسيىء أفعالهم وأقوالهم {[46491]}أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق{[46492]} { ويقولون } {[46493]}أي يجددون ويكررون قولهم{[46494]} : { ياويلتنا } كناية عن{[46495]} أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك { مال هذا الكتاب } {[46496]}أي أي شيء له حال كونه{[46497]} على غير حال الكتب في الدنيا ، {[46498]}ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب ، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم{[46499]} وسألوا عنها بقولهم : { لا يغادر } {[46500]}أي يترك أي يقع{[46501]} منه غدر ، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء : تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر ، أي عدم الوفاء به ، من الغدير - لقطعة من{[46502]} الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه ، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي { صغيرة } أي{[46503]} من أعمالنا .
ولما هالهم إثبات{[46504]} جميع الصغائر ، بدؤوا بها ، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع ، {[46505]}وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه{[46506]} - فقالوا{[46507]} : { ولا كبيرة إلا أحصاها } ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه ، نفى ذلك بقوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضراً } كتابة{[46508]} وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه{[46509]} أو يظلم من عادوهم فيه { ولا يظلم ربك } {[46510]}الذي رباك بخلق القرآن{[46511]} { أحداً * } منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب ، بل يجازى الأعداء بما يستحقون ، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم ؛ روى الإمام أحمد في المسند{[46512]} عن جابر {[46513]}بن عبد الله{[46514]} رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال : فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته ، قلت : حديث{[46515]} بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص ، فخشيت أن تموت{[46516]} قبل أن أسمعه ، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول :
" يحشر {[46517]}الله عز وجل{[46518]} الناس{[46519]} - أو قال : العباد - حفاة عراة بهما قلت : وما بهما ؟ قال{[46520]} : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه {[46521]}من بعد كما يسمعه{[46522]} من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق {[46523]}حتى أقصه منه{[46524]} ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة{[46525]} أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة{[46526]} ، قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله{[46527]} حفاة عراة بهما ؟ قال : بالحسنات والسيئات " .