تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه . . الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته ؛ والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته ، فليسمعها بنو إسرائيل :
( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت . إذ قال لبنيه : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) . .
إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة ، قوي الإيحاء ، عميق التأثير . . ميت يحتضر . فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت ؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه ؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر ، يسجل فيه كل التفصيلات ؟ . .
إنها العقيدة . . هي التركة . وهي الذخر . وهي القضية الكبرى ، وهي الشغل الشاغل ، وهي الأمر الجلل ، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته :
هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله . وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها . وهذه هي الأمانة والذخر والتراث . .
( قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق . إلها واحدا . ونحن له مسلمون )
إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه . إنهم يتسلمون التراث ويصونونه . إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه .
وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب . وكذلك هم ينصون نصا صريحا على أنهم( مسلمون ) .
والقرآن يسأل بني إسرائيل : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ؟ ) . . فهذا هو الذي كان ، يشهد به الله ، ويقرره ، ويقطع به كل حجة لهم في التمويه والتضليل ؛ ويقطع به كل صلة حقيقية بينهم وبين أبيهم إسرائيل !
( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون( 133 ) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون( 134 )( .
شهداء : جمع شهيد بمعنى شاهد أي حاضر .
إذ حضرت يعقوب الموت : وقت حضور أماراته وأسبابه وقرب الخروج من الدنيا .
133- أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت : أي أكنتم يا معشر اليهود والنصارى المكذبين محمدا ، الجاحدين نبوته ، شهداء حين حضر يعقوب الموت فتدعون انه كان يهوديا أو نصرانيا ، فقد روى أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية( 311 ) .
وخلاصة ذلك : أنتم لم تحضروا ذلك فلا تدعوا عليه الأباطيل وتنسبوه إلى اليهودية أو النصرانية فإني ما أرسلت إبراهيم وبنيه إلا بالحنيفية المسلمة وبها وصوا بنيهم وعهدوا إلى أولادهم من بعدهم .
إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي : وجه يعقوب الوصية لبنيه في صورة سؤال لبيان شدة اهتمامه بأمرهم ، وليطلب بسؤاله جوابا منهم يعبر عن رسوخ إيمانهم وعقدهم النية علو أن يخصوا الإله الحق بعبادتهم ، قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون . وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه ، والعم شبيه بالأب ، روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «عم الرجل صنو أبيه » ( 312 ) .
أي قالوا نعبد الإله الذي قامت الأدلة العقلية والحسية على وجوده ووجوب عبادته لا نشرك به سواه .
وقد كانوا في عصر فشت فيه عبادة الأصنام والكواكب والحيوانات وغيرها ، وكان يكفي في جوابهم أن يقولوا نعبد الله ، ولكنهم أطنبوا وأسهبوا اغتباطا وتمسكا بالحق ، وإيذانا بأنه عقيدة مشتركة بين الأنبياء الثلاثة كما هو عقيدته .
وذكروا إلها واحدا للتأكيد ، وللتلذذ بالإقرار بالوحدانية وأكدوا أيضا بقولهم : ونحن له مسلمون : ونحن منقادون خاضعون معترفون له بالعبودية متوجهون إليه عند الملمات .
كما أن الإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم .
قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدوني ( الأنبياء : 25 ) والآيات في هذا كثيرة والأحاديث ، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم : «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد » ( 313 ) .
ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتاً لهم : { أم }{[5131]} فعلم قطعاً من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في أحد التقادير{[5132]} في هذه الآية وفي{ أمّن هو قانت آناء الليل{[5133]} }[ الزمر : 9 ] في سورة الزمر{[5134]} فكان التقدير هنا{[5135]} {[5136]}لتوبيخهم وتقريعهم بأن أيّ شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون{[5137]} : {[5138]}أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين{[5139]} في أمر يعقوب عليه السلام خاصة أم { كنتم شهداء } الآية ، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم ؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله ، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم عنه ، وهو مانع لكم أيضاً من هذا الحكم على وجه قطعي ؛ وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد{[5140]} بالآباء ، وإرشاد إلى توسيع{[5141]} الفكر إلى المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد{[5142]} بأوامره والوقوف عند زواجره{[5143]} سواء كان ذلك موافقاً لشرع الآباء أو مخالفاً ؛ ولما كان هذا لازماً لمضمون قوله تعالى : تلك أمة قد خلت }[ البقرة : 134 ] أتبعه بها ، أي{[5144]} فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم كانوا هوداً أو نصارى ؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه الآية ، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء منهما ، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولاً ، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم ، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب وحصلت براءتهم منهم ، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين ، أو يقال وهو أحسن : لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم بأنها لمن أسلم محسناً وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه{[5145]} من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكاراً عليهم في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريراً لهم : أ{[5146]}كنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلاً للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب { إذ حضر يعقوب } صاحب نسبكم الأشهر { الموت } وهو على{[5147]} ما أوصى به إبراهيم بنيه { إذ قال } أي يعقوب { لبنيه } .
{[5148]}ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر{[5149]} عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال : { ما تعبدون{[5150]} } {[5151]}ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل{[5152]} ، وقيده بقوله : {[5153]}{ من بعدي } لأن الخليفة كثيراً ما يخلف{[5154]} الغائب بسوء وإن كان مصلحاً{[5155]} في حضوره ، {[5156]}وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان{[5157]} { قالوا نعبد إلهك } الذي خلقك { وإله آبائك } الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل شيء ولا بعد له ، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له ؛ ثم بينوا الآباء بقولهم : { إبراهيم } أي جدك { وإسماعيل } لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازاً { وإسحاق } .
ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به{[5158]} فيهما واحد{[5159]} تحقيقاً للبراءة من الشرك وتسجيلاً على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا : { إلهاً واحداً } ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله :{ وهو محسن }[ البقرة : 112 ] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم { ونحن له } أي وحده لا للأب ولا غيره { مسلمون } أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف{[5160]} حيثما قادنا انقدنا ، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد{[5161]} لكم بما شهدنا لبنيه الموجودين{[5162]} إذ ذاك{[5163]} من الإسلام فتكونوا{[5164]} من أهل الجنة .