( ربنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) .
إنه رجاء العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام ؛ والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من أصابع الرحمن ؛ وأن الهدى هداه ، وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا بالله ، فهما يتجهان ويرغبان ، والله المستعان .
ثم هو طابع الأمة المسلمة . . التضامن . . تضامن الأجيال في العقيدة : ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) . .
وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن . إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل ، وهو همه الأول . وشعور إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما . . نعمة الإيمان . . تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما ، وإلى دعاء الله ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام . . لقد دعوا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان ؛ وأن يريهم جميعا مناسكهم ، ويبين لهم عباداتهم ، وأن يتوب عليهم . بما أنه هو التواب الرحيم .
مسلمين لك : أي منقادين لك ، يقال اسلم واستسلم إذا خضع وانقاد .
المناسك : واحدها منسك( بفتح السين ) من النسك وهو غاية الخضوع والعبادة ، وشاع استعماله في عبادة الحج خاصة ، كما شاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله .
128 - ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . إنه نداء مصدر بهذا الاسم الكريم : ربنا .
إنه رجاء العون من ربهما أن يكون إسلامهما خالصا لله ، وأن يثبتهما على الإسلام والإيمان .
وأن يمتد إلى ذريتهما فيشملها بالهداية والتوفيق ، حتى يكون بعض هذه الذرية جماعة مستسلمة ومنقادة لله في إيمانها وطاعتها ، وارنا مناسكنا . وعلمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا كالطواف والسعي والوقوف ، أو متعبداتنا التي تقوم فيها شرائعنا كمنى وعرفات ونحوهما .
وتب علينا : وفقنا للتوبة والهداية إنك مانح التوبة والمتفضل بقبولها وأنت كثير الرحمة والإحسان .
وقد كان إبراهيم مسلما لك خالص الإسلام ، ليس في دينه شرك ولا وثنية ولا ادعاء بنبوة الله .
قال تعالى : ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين . ( آل عمران : 67 )
وقد كان دين إبراهيم يسيرا في شرائعه وأحكامه ، إذ جاء في صحائف ولم يأت في كتاب ، كالإسلام واليهودية والنصرانية .
وقد امتاز الإسلام بأنه تناول كل فروع الحياة ، وأعطاها الأحكام المناسبة لها ، فكان لذلك صالحا لكل زمان ومكان . وقد طلب إبراهيم وإسماعيل من ربهما أن يجعل من ذريتهما جماعة مسلمة له تعالى ولم يعمما الذرية لما وقر في نفسيهما من أن بعضهم سيكونون كفارا ، ولما عرفاه من طبائع البشر وسيرهم على هواهم ، وتنكرهم لشرائع رسلهم ، وخصا ذريتهما بالدعاء ، لأنهم أحق بالشفقة والدعاء لهم بالصلاح مطلوب شرعا .
والتوبة إلى الله معناها الرجوع إليه والالتجاء إلى حماه وطلب التوفيق منه والهدى .
والتوبة تكون من الكبائر والصغائر ، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير يؤدي إلى الاجتهاد . وعلى أحد هذين الوجهين تحمل التوبة التي يسأل الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها ، وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة .
ولما سأل القبول{[4945]} سأل الزيادة عليه بقوله : { ربنا } على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد { واجعلنا } أي أنا وابني هذا الذي أعانني { مسلمين لك ومن ذريتنا{[4946]} } قال الحرالي : لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله : { من آمن منهم } [ البقرة : 126 ] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة{[4947]} له ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه ، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا ، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه{[4948]} مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا ، ولذلك{[4949]} هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف عليه السلام
{ توفني مسلماً{[4950]} }[ يوسف : 101 ] وطلب بقوله : { أمة مسلمة لك } أن{[4951]} يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضاً .
ولما كان المسلم مضطراً إلى العلم قال : { وأرنا مناسكنا } وفي ذلك ظهور لشرف{[4952]} عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علماً على آتي{[4953]} يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد .
والمنسك{[4954]} مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتديناً . تشارك حروفه حرف السكون - قاله الحرالي . ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال : { وتب علينا } إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين بالله المتصلين بالحسنات{[4955]} رجّعا بها إلى من له الخلق والأمر ، ثم علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال : { إنك أنت التواب } أي الرّجاع بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته{[4956]} ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه وصفاً هو كالتعليل له فقال :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.