في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

189

وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطىء عليهم . فالله سريع الحساب .

إن هذا التعليم الإلهي يحدد : لمن يكون الاتجاه . ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره ، وترك لله الخيرة ، ورضي بما يختاره له الله ، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة . ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب . والأول رابح حتى بالحساب الظاهر . وهو في ميزان الله أربح وأرجح . وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال ، وفي استقامة على التصور الهاديء المتزن الذي ينشئه الإسلام .

إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا . فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا . ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها ؛ وألا يضيقوا من آفاقهم ، فيجعلوا من الدنيا سورا يحصرهم فيها . . إنه يريد أن يطلق( الإنسان ) من أسوار هذه الأرض الصغيرة ؛ فيعمل فيها وهو أكبر منها ؛ ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى . . ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب }

200

إن المؤمن خليفة الله في الأرض وقد طلب من الخليفة ألا يحصر نفسه في دائرة الأرض وعليه أن يتطلع إلى ما عند الله وأن يطلب في دعائه حسنة الدنيا و حسنة في الآخرة .

{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا }

واسم الإشارة يعود إلى الفريق الثاني فريق الإسلام أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء فإن دعاء المؤمن عبادة وقيل إن الإشارة تعود إلى الفريقين أي لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه .

وهو مثل قوله تعالى : { ولكل درجات مما عملوا } . ( الأنعام : 132 ) .

{ والله سريع الحساب } : فيوفي لكل كاسب أجره عقب ماله ، فالله عز وجل عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى ذكر و تأمل إذ قد علم ما للمحاسب وما عليه .

وقيل المعنى لا يشغله شأن عم شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال سبحانه : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } . ( لقمان : 28 ) .

قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر .

وقيل لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقكم في يوم ، ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير لجزاء على أعمالهم وتذكيرهم إياهم بما قد نسوه .

قلت والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ، وإنما يخفف الحساب في الآخرة علة من حاسب نفسه في الدنيا( 127 ) .

وفي هذه الجملة الأخيرة من الآية وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم أجاب لهم دعاءهم وأعطاهم سؤالهم .

* * *

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (202)

ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل {[8884]}لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم{[8885]} ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم{[8886]} بتجلي{[8887]} نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال :{ الذي خلقني فهو يهدين }[ الشعراء : 78 ] الآيات حتى{[8888]} قال{ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين{[8889]} }[ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله :{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا{[8890]} }[ آل عمران : 193 ] الآيات{[8891]} ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف{[8892]} جامعاً {[8893]}على معنى{[8894]} من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة{[8895]} أو يكون الجمع لعظم{[8896]} صفاتهم : { أولئك }{[8897]} أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } {[8898]}أي هذا القسم فقط لأن الأول قد{[8899]} أخبر أن الأمر عليه لا له .

ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد {[8900]}وأقل{[8901]} ما فيها أن تكون خالية{[8902]} عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن{[8903]} { مما } {[8904]}لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم{[8905]} جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي{[8906]} طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا{[8907]} فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه {[8908]}فهو الذي يثابون عليه{[8909]} وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم .

ولما كان أسرع الناس حساباً{[8910]} أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً و{[8911]}كان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } {[8912]}أي المحيط علماً وقدرة{[8913]} { سريع الحساب * } {[8914]}وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها{[8915]} الجزاء واتصاله{[8916]} إلى العامل{[8917]} لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، {[8918]}وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي{[8919]} عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول{[8920]} .


[8884]:العبارة من هنا إلى "فقدموا الطاعة" ليست في ظ.
[8885]:زيد من م ومد.
[8886]:زيد من م ومد.
[8887]:من م ومد، وفي الأصل: تتجلى.
[8888]:زيد من م ومد.
[8889]:سورة 26 آية 78 – 83.
[8890]:زيد في م: ذنوبنا.
[8891]:سورة 3آية 193.
[8892]:العبارة من هنا إلى "صفاتهم" ليست في ظ.
[8893]:في م: أعلى.
[8894]:في م: أعلى.
[8895]:في الأصل: الآية والتصحيح من م ومد.
[8896]:في م ومد: تعظيم.
[8897]:فالظاهر أن "أولئك" إشارة إلى الفريقين إذ المحكوم به وهو كون نصيب لهم مما كسبوا مشترك بينهما، فالمعنى أن كل فريق له نصيب مما كسب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولا يكون الكسب هنا الدعاء بل هذا مجرد إخبار من الله بما يؤل إليه أمر كل واحد من الفريقين وأن أنصباءهم من الخير والشر تابعة لأنصبائهم ....وكما جاء في الصحيح: وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ما عمل لله بها فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها – البحر المحيط 2 / 106.
[8898]:العبارة من هنا إلى "لأنه" ليست في ظ.
[8899]:ليس في م.
[8900]:من م ومد وظ وفي الأصل: ما قل.
[8901]:من م ومد وظ وفي الأصل: ما قل.
[8902]:في ظ: لحاله.
[8903]:ليس في ظ.
[8904]:زيد في م ومد "و" والعبارة من هنا "إلى قوله" ليست في ظ.
[8905]:في الأصل: لم يقم، والتصحيح من م ومد.
[8906]:العبارة من هنا إلى "الاعتقادية" ليست في ظ.
[8907]:في م: فاجتهدوا.
[8908]:ليست في ظ.
[8909]:ليست في ظ.
[8910]:زيد من م ومد وظ.
[8911]:زيد في مد "لما".
[8912]:ليست في ظ.
[8913]:ليست في ظ.
[8914]:العبارة من هنا إلى "إلى العامل" ليست في ظ.
[8915]:زيد من م ومد.
[8916]:في م: إيصاله.
[8917]:في الأصل: العالم، والتصحيح من م ومد.
[8918]:العبارة من هنا إلى "مطاول" ليست في ظ.
[8919]:في م: لا يمسي.
[8920]:في م: مطول.