والحج هو مؤتمر المسلمين الجامع ، الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام ، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام ، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة ، ولا يميز فردا عن فرد ، ولا قبيلة عن قبيلة ، ولا جنسا عن جنس . . إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة ، ونسب الإسلام هو وحده النسب ، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة . وقد كانت قريش في الجاهلية تسمي نفسها " الحمس " جمع أحمس ، ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب . ومن هذه الامتيازات أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات ، ولا يفيضون - أي يرجعون - من حيث يفيض الناس . فجاءهم هذا الأمر ليردهم إلى المساواة التي أرادها الإسلام ، وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس :
( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم ) . .
قال البخاري : حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت : " كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وسائر العرب يقفون بعرفات . فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه [ ص ] أن يأتي عرفات ، ثم يقف بها ثم يفيض منها . فذلك قوله : من حيث أفاض الناس " . .
قفوا معهم حيث وقفوا ، وانصرفوا معهم حيث انصرفوا . . إن الإسلام لا يعرف نسبا ، ولا يعرف طبقة . إن الناس كلهم أمة واحدة . سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى . ولقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب ، ليلتقوا في بيت الله إخوانا متساوين . فلا يتجردوا من الثياب ليتخايلوا بالأنساب . . ودعوا عنكم عصبية الجاهلية ، وادخلوا في صبغة الإسلام . . واستغفروا الله . . استغفروه من تلك الكبرة الجاهلية . واستغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس ، أو نطق بها اللسان . مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال .
وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج ، على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه . أساس المساواة ، وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة ، ولا يفرقها جنس ، ولا تفرقها لغة ، ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعا . . وهكذا يردهم إلى استغفار الله من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع . .
{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الله الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم( 199 ) }
جمهور المفسرين على أن المراد من هذه الإفاضة- الإفاضة من عرفات .
روى البخاري ومسلم : أن قريشا ومن دان دينهم من كنانة وجديلة قيس ، وهم الحمس
( واحدهم الحمس وهو الشديد الصلب في الدين والقتال ) كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعا عن الوقوف مع العرب في عرفات .
فأمر نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها ليبطل ما كانت عليه قريش( 119 ) .
{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس . . . }
فالمعنى : عليكم أن تفيضوا مع لناس من مكان واحد تحقيقا للمساواة وتركا للتفاخر عدم الامتياز لأحد من أحد وذلك من أهم مقاصد الدين .
{ واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } .
أي طلبوا منه المغفرة فإن رحمته واسعة وهو ستار على عباده رحيم بهم ، وتلمح حكمة القرآن في لمسه للقلوب ودعوته إلى التوبة وتخير المناسبة لتأكيد هذه الدعوة .
قال ابن كثير في تفسيره : " كثيرا ما يأمر الله بكره بعد قضاء العبادات ، ولهذا ثبت في صحيح مسلم : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا " وفي الصحيحين : أنه ندب التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين .
روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سيد الاستغفار أن يقول العبد " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا أعبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعن ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " من قالها في ليلته فمات في ليلته دخل الجنة ، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة " ( 120 ) .
وفي الصحيحين أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل :
( اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) ( 121 ) والأحاديث في الاستغفار كثيرة( 122 ) .
ولما قبح{[8784]} عليهم{[8785]} ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد {[8786]}وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب{[8787]} أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما{[8788]} تقديره : فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس {[8789]}دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب{[8790]} : { ثم } أي بعد طول{[8791]} تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه{[8792]} وهو {[8793]}عزكم وشرفكم{[8794]} لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم{[8795]} على الناس بمخالفة الهدى {[8796]}في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها{[8797]} { أفيضوا } أي إذا قضيتم{[8798]} الوقوف . وقال الحرالي : لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان{[8799]} للكيان{[8800]} ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة{[8801]} الذي هو ثم ، يقع تارة لترتيب{[8802]} الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً : امش{[8803]} إلى حاجة كذا{[8804]} - تقديماً في الخبر للأهم{[8805]} - ثم ليكن{[8806]} خروجك من موضع كذا ، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة{[8807]} في الإخبار ، فمن معنى ذلك قوله - انتهى{[8808]} . ثم أفيضوا{[8809]} أيها الحمس ! { من حيث أفاض الناس } أي معظمهم{[8810]} وهو عرفات ، إلى المشعر الحرام لتبيتوا{[8811]} به ، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس{[8812]} وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها{[8813]} ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى { ثم أفيضوا } " الآية ، { {[8814]}واستغفروا الله{[8815]} } {[8816]}أي اطلبوا {[8817]}من ذي الجلال والإكرام{[8818]} أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف و{[8819]}ما يبقى{[8820]} في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم . قال الحرالي : والعادات{[8821]} أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها{[8822]} ، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمناً ، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى . {[8823]}وأظهر{[8824]} الاسم الشريف تعريفاً{[8825]} للمقام وإعلاماً بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية{[8826]} فقال : { إن الله } ذا{[8827]} الكمال { غفور } أي ستور ذنب من استغفره { رحيم * } أي بليغ{[8828]} الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له .