عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف : ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ، والله مخرج ما كنتم تكتمون ، فقلنا : اضربوه ببعضها . كذلك يحيي الله الموتى ، ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) . .
وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة . جانب دلالتها على قدرة الخالق ، وحقيقة البعث ، وطبيعة الموت والحياة . وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة :
لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة . . لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم ؛ ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه . ولم يكن هناك شاهد ؛ فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته ؛ وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه ، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح . . وهكذا كان ، فعادت إليه الحياة ، ليخبر بنفسه عن قاتله ، وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله ؛ وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين .
( وإذ قتلتم نفسا فادأرتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون( 72 ) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون( 73 ) (
فادرأتم فيها : أي تدافعتم وتخاصمتم في شأنها وكل واحد يدرأ عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم سواه .
والله مخرج ما كنتم تكتمون : أي مظهره مهما كتمتم .
72- وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها . .
واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا ، فاختلفتم وتنازعتم في قتلها ، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه ، والله عز وجل لا محالة ما كتمتم من أمر القاتل فقد بين سبحانه الحق في ذلك فقال على لسان رسول موسى عليه السلام .
واضربوا القتيل بأي جزء من أجزاء البقرة ، فضربتموه ببعضها فعادت إليه الحياة بإذن الله ، واخبر عن قاتله ، وبمثل هذا الإحياء لذلك القتيل بعد موته يحيي الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة ، ويبين لكم الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء .
وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها حصلت قبل الأمر بذبح البقرة ، إلا أن القرآن الكريم أخرها في الذكر ليعدد على بني إسرائيل جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من وراء الأمر بذبحها فتتقبلها بشغف واهتمام .
وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جميعهم في قوله : وإذ قتلتم . مع أن القاتل بعضهم ، للإشعار بأن الأمة في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد ، ولأن المسؤولية في القتل مشتركة بين الجميع حتى يتعين القاتل فيبرأ من عداه .
وقوله تعالى : والله مخرج ما كنتم تكتمون : معناه ، والله تعالى مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه من أمر القتيل الذي قتلتموه ، ثم تنازعتم في شأن قاتله ، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره .
وهذه الجملة الكريمة : والله مخرج ما كنتم تكتمون . معترضة بين قوله تعالى : فادارأتم . وبين قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها ، وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله ، بأن القاتل الحقيقي سينكشف أمره لا محالة .
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : ( وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال من قتل هذا القتيل مع أنه ليس أول قتيل طل دمه في الأمم إكراما لموسى عليه السلام أن يضيع دم قومه وهو بين أظهرهم وبمرأى ومسمع منه ، لاسيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا المكيدة في إظهار المطالبة بدمه ، فلو لم يظهر الله تعالى هذا الدم ويبين سافكه لضعف يقين القوم برسولهم موسى عليه السلام ، ولكان ذلك مما يزيد شكهم في صدقه فينقلبوا كافرين . فكان إظهار القاتل الحقيقي إكراما من الله تعالى لموسى ورحمة بالقوم لئلا يضلوا ) ( 191 ) .
ولما قسمت القصة شطرين تنبيهاً على النعمتين : نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق ، {[33]}وتنبيهاً على أن لهم بذلك تقريعين : أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه ، ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك{[34]} ، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر{[35]} . وقال الحرالي : قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة - انتهى .
فقال تعالى { وإذ } أي واذكروا إذ ، {[3140]} وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب ، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم{[3141]} فقال { قتلتم نفساً } فأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم وإشارة إلى أن الموجودين{[3142]} منهم راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ودّ شيئاً كان من عملته .
{[3143]}ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيراً إلى إخفائه بالإدغام{[3144]} { فادارأتم فيها } {[3145]}أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يردّ القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام : إثم الكبيرة وإثم الإصرار وإثم الافتراء بالدفع ؛ {[3146]}قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة ، كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريباً .
ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي حالهم إذ ذاك{[3147]} { والله } {[3148]}أي والحال أن الذي له الأمر كله{[3149]} { مخرج } بلطيف صنعه وعظيم شأنه { ما كنتم تكتمون * }{[3150]} وفي تقديمه أيضاً زيادة تبكيت لهم بتوقفهم{[3151]} في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.