ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا ، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا ، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها :
( قال : إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها ) .
وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر . صفراء فاقع لونها فارهة فحسب . بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع ؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة .
هنا فقط . . وبعد أن تعقد الأمر ، وتضاعفت الشروط ، وضاق مجال الاختيار :
( قالوا : الآن جئت بالحق ) . .
الآن ! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا . أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة ! ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ! !
الذلول : الريض الذي زالت صعوبته ، يقال دابة ذلول بينة ، ( الذل ) بالكسر ، ورجل ذلول بين الذل ( بالضم ) ، فمعنى لا ذلول أي ليست مذللة وميسرة .
تثير الأرض : أي تقلبها بالمحراث .
ولا تسقي الحرث : أي ولا تروي الزرع .
مسلمة : سليمة من العيوب وآثار العمل .
لاشية فيها : لا لون فيها يخالف معظم جلدها ، من وشى الثوب يشيه إذا زينه بخطوط مختلفة الألوان .
جئت بالحق : جئت ولم يبق فيها إشكال .
وما كادوا يفعلون : وما قربوا من أن يذبحوها لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة .
71- قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها . أي أنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسقي ، فلفظ . لا . نافية بمعنى غير . ولا . في قوله تعالى : ولا تسقي الحرث . مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى ( لا ذلول تثير و تسقي ) ( 187 ) . وأعيد في قوله : ولا تسقي الحرث . مراعاة للاستعمال الفصيح . قال ابن كثير : إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي قي الساقية بل هي مكرمة حسنة صبيحة لا عيب فيها ا ه . ومعنى مسلمة : أي سلمها الله من العيوب . ومعنى لا شية : لا لون فيها يخالف جلدها الأصفر والشية في الأصل : مصدر وشاه يشيه وشيا وشية ، إذا خلط لونه بلون آخر .
قالوا الآن جئت بالحق . أي جئت بحقيقة وصف البقرة وما بقي في أمرها ، ولا وجه لنا في طلب الإيضاح بعد ذلك . فذبحوها . أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها .
وما كادوا يفعلون : معناه وما قربوا أن يفعلوا الذبح ، والمقصود منه المبالغة في تباطئهم وتعمدهم . إطالة الزمن بكثرة المراجعات في وصف البقرة . وجملة وما كادوا يفعلون . حالية . قال الزمخشري : وما كادوا يفعلون .
استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم وإنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم ما كادوا يذبحونها ، وما كادت تنتهي سؤالا تهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم ، وقيل وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها ، وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ، وروى أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر ، وكان بارا بوالديه ، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه ، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير . ( 188 ) .
يؤخذ من الآية النهي عن كثرة السؤال ، قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسئكم . ( المائدة 101 ) .
وروى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلكم ، واختلافهم على الأنبيائهم » ( 189 ) .
وكتب عمر ابن عبد العزيز إلى عامله : إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتني أضائن أم ما عز ؟ فإن بينت لك قلت أذكر أم أنثى ؟ فإن أخبرتك قلت أسوداء أم بيضاء ؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني .
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات ( 190 ) . أخرجه الإمام أحمد وفسره الأوزاعي وقال : هي شداد المسائل وما لا يحتاج إليه من كيف وكيف .
وقال الأوزاعي : إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط ، فلقد رأيتهم أقل الناس علما .
{ قال إنه يقول إنها } أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها { بقرة لا ذلول } {[3108]}من الذل وهو حسن الانقياد - قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله{[3109]} { تثير الأرض } أي {[3110]}يتجدد منها إثارتها{[3111]} بالحرث{[3112]} كل وقت{[3113]} من الإثارة {[3114]}قال الحرالي{[3115]} : وهي إظهار الشيء من الثرى ، كأنها تخرج الثرى من محتوى{[3116]} اليبس ؛ ولما كان الذل وصفاً لازماً عبر في وصفها بانتفائه{[3117]} بالاسم المبالغ فيه ، أي ليس الذل وصفاً لازماً لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلاً ، فإنها لو كانت كذلك كانت{[3118]} وحشية لا يقدر عليها أصلاً{[3119]} .
ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمراً يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفاً على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى ، فقال واصفاً للبقرة : { ولا تسقي الحرث } أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت ، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيهاً على حذفها قبل تثير ، فيكون الفعلان المنفيان تفسيراً على سبيل الاستئناف للاذلول ، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى ، والمراد أنها لم{[3120]} تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء{[3121]} كما آذن به الوصف بذلول{[3122]} ، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير .
{ مسلّمة } أي من العيوب { لا شية{[3123]} } أي علامة { فيها } تخالف لونها {[3124]}بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها{[3125]} { قالوا الآن } أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي .
{ جئت بالحق }{[3126]} أي الأمر الثابت المستقر{[3127]} البين من بيان وصف البقرة فحصلوها{[3128]} ، { فذبحوها } أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها { وما كادوا } أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة{[3129]} { يفعلون } {[3130]} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق ، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل{[3131]} ، أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه{[3132]} }[ النحل : 124 ] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت ، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة{[3133]} أمروا بها تلاه بها .
ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات{[3134]} العجم ، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك ، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر ، ولعل تخصيص لحم البقر{[3135]} بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه .
وقال الإمام أبو الحسن الحرالي : وفي ذلك تشامّ{[3136]} بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك ، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكدّ وعمل الأرض التي معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلاً فيها وفيه نسمة{[3137]} مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة{[3138]} في شعرة ، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية ، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان . { جعل{[3139]} لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً }[ الشورى : 11 ] - انتهى .