في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

27

30

( وقل للمؤمنات : يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) . .

فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال . ولا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب ، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف ، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة !

( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . .

والزينة حلال للمرأة ، تلبية لفطرتها . فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة ، وأن تبدو جميلة . والزينة تختلف من عصر إلى عصر ؛ ولكن أساسها في الفطرة واحد ، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله ، وتجليته للرجال .

والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ؛ ولكنه ينظمها ويضبطها ، ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد - هو شريك الحياة - يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه . ويشترك معه في الاطلاع على بعضها ، المحارم والمذكورون في الآية بعد ، ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع .

فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين ، فيجوز كشفه . لأن كشف الوجه واليدين مباح لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] لأسماء بنت أبي بكر : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا - وأشار إلى وجهه وكفيه " .

( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) . .

والجيب فتحة الصدر في الثوب . والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر . ليداري مفاتنهن ، فلا يعرضها للعيون الجائعة ؛ ولا حتى لنظرة الفجاءة ، التي يتقي المتقون أن يطيلوها أو يعاودوها ، ولكنها قد تترك كمينا في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة !

إن الله لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء !

والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي . وقلوبهن مشرقة بنور الله ، لم يتلكأن في الطاعة ، على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال . وقد كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة ! - تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء . وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها ، وأقرطة أذنيها . فلما أمر الله النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، كن كما قالت عائشة رضي الله عنها - : " يرحم الله نساء المهاجرات الأول . لما أنزل الله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )شققن مروطهن فاختمرن بها . . وعن صفية - بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة . قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن . فقالت عائشة - رضي الله عنها - إن لنساء قريش لفضلا . وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، وأشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل . لما نزلت في سورة النور : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ؛ ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابته . فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل ، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه . فأصبحن وراء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان " .

لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي ، وطهر إحساسه بالجمال ؛ فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب ، بل الطابع الإنساني المهذب . . وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان ؛ مهما يكن من التناسق والاكتمال . فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف ، الذي يرفع الذوق الجمالي ، ويجعله لائقا بالإنسان ، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال .

وكذلك يصنع الإسلام اليوم في صفوف المؤمنات . على الرغم من هبوط الذوق العام ، وغلبة الطابع الحيواني عليه ؛ والجنوح به إلى التكشف والعري والتنزي كما تتنزى البهيمة ! فإذا هن يحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، في مجتمع يتكشف ويتبرج ، وتهتف الأنثى فيه للذكور حيثما كانت هتاف الحيوان للحيوان !

هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة . . ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة . فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم :

الآباء والأبناء ، وآباء الأزواج وأبناؤهم ، والإخوة وأبناء الإخوة ، وأبناء الأخوات . . كما يستثني النساء المؤمنات : ( أو نسائهن )فأما غير المسلمات فلا . لأنهن قد يصفن لأزواجهن وإخوتهن ، وأبناء ملتهن مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن لو اطلعن عليها . وفي الصحيحين : " لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه يراها " . . أما المسلمات فهن أمينات ، يمنعهن دينهن أن يصفن لرجالهن جسم امرأة مسلمة وزينتها . . ويستثني كذلك ( ما ملكت أيمانهن )قيل من الإناث فقط ، وقيل : ومن الذكور كذلك . لأن الرقيق لا تمتد شهوته إلى سيدته . والأول أولى ، لأن الرقيق إنسان تهيج فيه شهوة الإنسان ، مهما يكن له من وضع خاص ؛ في فترة من الزمان . . ويستثني ( التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) . . وهم الذين لا يشتهون النساء لسبب من الأسباب كالجب والعنة والبلاهة والجنون . . وسائر ما يمنع الرجل أن تشتهي نفسه المرأة . لأنه لا فتنة هنا ولا إغراء . . ويستثني ( الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) . . وهم الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالجنس . فإذا ميزوا ، وثار فيهم هذا الشعور - ولو كانوا دون البلوغ - فهم غير داخلين في هذا الاستثناء .

وهؤلاء كلهم - عدا الأزواج - ليس عليهم ولا على المرأة جناح أن يروا منها ، إلا ما تحت السرة إلى تحت الركبة . لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء . فأما الزوج فله رؤية كل جسدها بلا استثناء .

ولما كانت الوقاية هي المقصودة بهذا الإجراء ، فقد مضت الآية تنهي المؤمنات عن الحركات التي تعلن عن الزينة المستورة ، وتهيج الشهوات الكامنة ، وتوقظ المشاعر النائمة . ولو لم يكشفن فعلا عن الزينة :

( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . .

وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها . فإن الخيال ليكون أحيانا أقوى في إثارة الشهوات من العيان . وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها ، أو حليها ، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته . كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم ، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم - وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم - وسماع وسوسة الحلى أو شمام شذى العطر من بعيد ، قد يثير حواس رجال كثيرين ، ويهيج أعصابهم ، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردا . والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله . لأن منزله هو الذي خلق ، وهو الذي يعلم من خلق . وهو اللطيف الخبير .

وفي النهاية يرد القلوب كلها إلى الله ؛ ويفتح لها باب التوبة مما ألمت به قبل نزول هذا القرآن :

( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .

بذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه ورعايته ، وعونه للبشر في ضعفهم أمام ذلك الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله ، وبتقواه . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

الحجاب

{ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 31 ) } .

تمهيد :

يخاطب القرآن الرجال في كثير من آياته باعتبارهم الجنس الغالب الذي يتأتى منه الخطاب غالبا ، وهناك قواعد عامة وضعها القرآن ، وهي اشتراك النساء مع الرجال في أمور الشريعة ، إلا ما نص عليه الخطاب بخصوصية أي منهما . قال تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ( البقرة : 228 ) .

وقد أمر القرآن الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، ثم تكرر الخطاب للنساء للتأكيد عليه ، ولأنهن زدن على الرجال أحكاما تخصهن ، وهي : النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى ، والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن ، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن ، وينبه الناس إليها .

وتتعلق بهذه الآية الأحكام الآتية :

1 – وردت روايات مختلفة بشأن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي ، ويمكن أن نستعرض هذه الروايات على النحو الآتي :

( أ ) ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد يوم العيد ، وعائشة تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم ، حتى ملت ورجعت ، وذلك سنة سبع من الهجرة141 .

وصح أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد ، فذكرهن ومعه بلال ، وأمرهن بالصدقة ، وبعيد ألا ينظرن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بلال حين يسمعن الموعظة ، ويتصدقن142 ، فدل مجموع ذلك على أنه أباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي ، إلى ما عدا ما بين سرته وركبته ، وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار ، وهو أحد قولي الشافعي .

( ب ) نصوص السنة واضحة في تحريم نظر المرأة – من غير زوجها – إلى ما بين السرة والركبة ، سواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة ، كما حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة ، كل هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا ، أما نظرها ما فوق السرة وتحت الركبة فقد اختلفت الروايات فيه . فمنها ما يحظر على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي ، وهو قول أحمد ، وأحد قولي الشافعي ، وصححه النووي ، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ .

وقد استشهد أصحاب هذا الرأي بأحاديث متعددة منها : ما أخرج أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي وصححه ، عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه ، وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( احتجبا منه ) . فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ) ؟ .

وفي الموطأ ، عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى ، فقيل لها : إنه لا ينظر إليك ، قالت : لكنني أنظر إليه .

وهناك نصوص اعتمد عليها من أباح نظر المرأة للرجل الأجنبي تقدم ذكرها ، في الفقرة ( أ ) ، وقد حاول أصحاب كل رأي الدفاع عن رأيهم ، وتوهين حجة الفريق الآخر .

ولعل أولى ما يجمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة ، أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب ، وكذلك احتجاب عائشة – رضي الله عنها – عن الأعمى كان ورعا منها ، وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء ، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى غير ما بين السرة والركبة143 .

ويقول أبو الأعلى المودودي :

والذي يستفاد من الجمع بين هذه الروايات المختلفة : أن ليست الشدة في نظر النساء إلى الرجال الأجانب ، مثل الشدة في نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات ، لا يحل لهن أن يقصدن النظر إليهم وجها لوجه في المجالس ، ولكن يحل لهن أن ينظرن إليهم وهم يمشون في الطريق ، أو يلعبون ألعابا غير محرمة من البعيد ، بل لا حرج أن ينظرن إليهم في البيوت عند الحاجات الحقيقية ، وبه تقريبا جمع بين هذه الروايات الإمام الغزالي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمهما الله – وقد نقل الشوكاني في ( نيل الأوطار ) قول الحافظ : ويؤيد الجواز استمرار العمل على خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار ، منتقبات لئلا يراهن الرجال ، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء ، فدل ذلك على مغايرة الحكم بين الطائفتين144 .

على أنه لا يصح أن تكرر النساء النظر إلى الرجال ، ويمتعن أنفسهن بحسنهم145 .

2 – ذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ . . . أن في هذه الآية 23 مسألة ، وفي المسألة الثانية حاول التوفيق بين الأحاديث المتعارضة ؛ فذكر حديث الترمذي ، عن نبهان مولى أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ولميمونة ، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم : ( احتجبا ) . فقالتا : إنه أعمى . قال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه )146 ؟

ثم قال القرطبي : فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن روايه عن أم سلمة نبهان مولاها ، وهو ممن لا يحتج بحديثه ، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه – عليه الصلاة والسلام – تغليظ على أزواجه لحرمتهن ، كما غلظ عليهن أمر الحجاب ، كما أشار إليه أبو داود وغيره ، ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك )147 . قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث ، على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة ، كالرأس ، ومعلق القرط ، وأما العورة فلا . فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . . وتكون من . للتبعيض كما هي في الآية قبلها .

قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك ، إلى بيت ابن أم مكتوم ، لأن ذلك أولى من بقائها في بيت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك و أولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .

التفسير :

31 - وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .

الخمر : واحدها خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، أي : الطرحة .

جيوبهن : الجيوب : واحدها جيب ، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد .

بعولتهن : البعولة الأزواج ، واحدهم بعل .

الإربة : الحاجة إلى النساء .

الطفل : يطلق على الواحد والجمع .

لم يظهروا : لم يعلموا عورات النساء لصغرهم .

توسعت كتب التفسير في عرض ما يتصل بأحكام الآية ، ومن الخير أن نتعرض لتفسير كل جزء منها على حدة ، والله ولي التوفيق .

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . .

أي : فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، ما يستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال .

وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .

عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق ، ويسترنها حتى لا يراها أحد .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا . . .

أي : ولا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب ، إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل والخضابة ، فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد – وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن – لا يحل النظر إليها .

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . .

الخمر جمع خمار ، وهو ما يخمر به – أي : يغطى به – الرأس . والجيوب جمع جيب ، وهو الصدر ، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن ، أي يغطين رءوسهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي ، على خلاف ما كانت عليه حال النساء في الجاهلية .

قال ابن كثير :

لقد كانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها ؛ فأمر الله المؤمنات أن يستترون في هيئاتهن وأحوالهن .

ويقول الزمخشري في تفسيره عن نساء الجاهلية : كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ؛ فأمرن بأن يسدلنهامن قدامهن حتى يغطينها .

كانت نساء الجاهلية قريبات الشبه بحال المرأة في الجاهلية الحديثة في عصرنا ، فلما نزل القرآن بهذه الآيات تهذب الذوق الإسلامي ، سارعت النساء إلى امتثال أمر الله ، فحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، وهذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة .

روى البخاري ، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات148 الأول لما نزل : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . شققن أزرهن فاختمرن بها149 .

وأخرج أبو داود ، عن صفية بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة ، قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن ؛ فقالت عائشة – رضي الله عنها - :

إن لنساء قريش لفضلا ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل ، لما نزلت سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل150 ، فاعتجرت151 به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان152 . وفي مسند أبي داود ما يفيد أن الخمار ينبغي أن يكون من الثوب الغليظ ، ولا يكفي أن يكون ثوبا شفافا يصف ما تحته153 .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .

من هنا يشرع الله – سبحانه و تعالى – في ذكر من يحوز للمرأة المسلمة أن تبدى لهم زينتها ، أما الذين ليسوا في دائرة هؤلاء سواء أكانوا من الأقارب أم الأجانب ؛ فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تبرز إليهم بزينتها .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . .

أي : قل للمؤمنات لا يظهرن هذه الزينة الخفية إلا لأزواجهن ، فالمرأة مأمورة شرعا بأن تتزين لزوجها ، وأن تبحث عما يشبع رغبته ، ويسر ناظريه ومسامعه .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، إن نظر إليها زوجها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه )154 .

وكذلك أمر الإسلام الرجل أن يتزين لزوجته ليشبع عاطفتها ، وليشبع حاجاتها النفسية والفطرية ، وقد أخذ العلماء هذا الحق من قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ . . . ( البقرة : 228 ) . فكل ما يطلبه الرجل من زوجته من أمانة وعفة ونظافة ، هو مطالب به أيضا ، بيد أن الله جعل القوامة للرجال فقال سبحانه : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . . . ( النساء : 34 ) .

وقال سبحانه : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ . . . ( البقرة : 228 ) . وهي درجة القوامة ، والعشرة بالمعروف والتسامح ، ولين الجانب . وقد أباح الله للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته ، فقد خلق الله حواء لتكون سكنا لآدم . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . ( الروم : 21 ) .

جاء في تفسير القاسمي :

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . أي : فإنهم المقصودون بالزينة ، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ، لكن بكراهة على المشهور . وقال الإمام أبو الحسن بن القطان في كتاب ( أحكام النظر ) : عن أصبغ : لا بأس به وليس بمكروه ، وروى عن مالك : لا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع ، ثم ذكر أن ما روى من أن ذلك يورث العمى ، حديث لا يصح ، لأن فيه بقية ، وقد قالوا : بقية أحاديثه غير نقية155 .

قال تعالى : أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .

أي : لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن الفتنة من قبلهم ، فإن آباءهن أولياؤهن الذين يحفظونهن عما يسوءهن ، وآباء بعولتهن يمنعون عن أبنائهم ما يسوءهم ، وأبناءهن شأنهم خدمة الأمهات ، وهم منهن ، وأبناء بعولتهن شأنهم خدمة أحبابهم ، وإخوانهم هم الأولياء بعد الآباء ، وبنيهن أولياء بعدهم ، وكذا بني أخواتهن ، هم كبني إخوانهن في القرابة فيتعيرون بنسبة السوء إلى الخالة ، تعيرهم بنسبته إلى العمة ، هذا ما أشار له المهايمي156 .

وأجمل ذلك الزمخشري بقوله : وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون ، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلهم ومخالفتهم157 . ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ، ولما في الطباع من النفرة عن ممارسة القرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك .

أو نسائهن . . .

قيل : هن المؤمنات أخذا من الإضافة ، فليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية ، وقيل : النساء كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض .

قال في الإكليل : فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم .

وروى ابن أبي حاتم ، عن عطاء ، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدموا بيت المقدس ، كان قوابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات .

وقال الرازي : القول الثاني هو المذهب ، وقول السلف الأول محمول على الاستحباب والأولى158 .

وقد ساق المودودي آراء الفقهاء والمفسرين في المراد بقوله تعالى : أو نسائهن . وخلاصتها ما يأتي :

1 . تقول طائفة منهم : إن المراد بها النساء المسلمات فقط .

2 . تقول طائفة أخرى : إن المراد جميع النساء ، وهذا هو أصح المذاهب عند الإمام الرازي .

3 . وتقول طائفة ثالثة – وقولهم هو المعقول والأقرب إلى ألفاظ القرآن - : إن المراد النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأن الغرض من الآية أن تخرج من دائرة النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وآدابهن وعاداتهن ، أو تكون أحوالهن الظاهرة مشتبهة لا يوثق بها ، يقولون : ليست العبرة في هذا الشأن بالاختلاف الديني ، بل هي بالاختلاف الخلقي ، فللنساء المسلمات أن يظهرن زينتهن بدون حجاب ولا تحرج للنساء الكريمات المنتميات إلى البيوت المعروفة الجديرة بالاعتماد على أخلاق أهلها ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأما الفاسقات اللائي لا حياء عندهن ، ولا يعتمد على أخلاقهن وآدابهن ، فيجب أن تحتجب عنهن كل امرأة صالحة ، ولو كن مسلمات ، لأن صحبتهن لا تقل عن صحبة الرجال ضررا على أخلاقها .

أما النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أحوالهن فحدود إظهار الزينة لهن – عندنا – هي ما يجوز إظهاره للرجال من الأقارب غير المحارم ، أي : على المرأة المؤمنة ألا تكشف لهن من جسدها وزينتها أكثر من وجهها ويديها159 .

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ . . .

من الجواري ، أما العبيد فقد اختلفوا فيهم ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا ، وله أن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم ، وروى ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وقد روى أن عائشة كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها . وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو رأى ابن مسعود والحسن وابن سيرين ، ومن ثم قالوا : لا ينظر العبد إلى شعر مولاته . وسئل طاووس : هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها ؟ قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاما صغيرا ، فأما رجل ذو لحية فلا .

أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ . . .

الإربة والأرب : الحاجة ، والمراد بالإربة هنا : الحاجة إلى النساء ، والمراد بالتابعين : الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم ، ولا غرض لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم إلى النساء ، وفي تعيين المراد بغير أولى الإربة أقوال كثيرة للسلف :

قال عبد الله بن عباس : هو المغفل الذي لا حاجة له إلى النساء .

وقال قتادة : هو التابع يتبعك ليصيب من طعامك .

وقال مجاهد : هو الأبله الذي لا يتبع إلا بطنه ، ولا يعرف شيئا من أمر النساء .

وقال الشعبي : من تبع الرجل وحشمه ، الذي لم يبلغ إربه أن يطلع على عورة النساء .

وقال ابن زيد : هو الذي يتبع القوم حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم ، وليس يتبعهم لإربة نسائهم ، وليس له في نسائهم إربة ، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه .

وقال الزهري وطاووس : هو الذي لا همة له بالنساء ولا أرب160 .

ويمكن أن نختصر ما ورد عن السلف في الآتي : الشيخ الذي فنيت شهوته ، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا ، أو المجبوب ، أو الخصى ، أو الممسوح ، أو خادم القوم للعيش ، أو المخنث . والذي عليه المعول أن المراد به : كل من ليس له حاجة إلى النساء ، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب .

ومن ذلك نعرف أن هؤلاء الخدام والغلمان ، المكتملين شبابا في البيوت أو المطاعم والفنادق ، لا يشملهم هذا التعريف للتابعين غير أولى الإربة بحال من الأحوال . أخرج مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم ، عن عائشة رضي الله عنها – قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أم سلمة وعندها هذا المخنث ، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية .

والمخنث يقول : يا عبد الله ، إن فتح الله عليكم الطائف غدا ، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان161 . فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا عدو الله ، لد غلغلت النظر فيها ) . ثم قال : لأم سلمة : ( لا يدخلن هذا عليك ) . فأمر بإخراجه من المدينة ، فكان بالبيداء يدخل في كل جمعة مرتين ، فيسأل ثم يرجع162 ، وكذلك أخرج من المدينة من كان بها من المخنثين غيره ، لأن النساء ما كن يحتجبن منهم ، وكانوا يبينون للرجال أحوال النساء في البيوت .

أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء . . .

أي : لم يفهموا أحوالهن ولم يعرفوا ما العورة لصغرهم . ( وهم الأطفال الذين لا يثير فيهم جسم المرأة وحركاتها شعورا بالجنس ، وهذا التعريف لا ينطبق إلا على من كان في نحو عشر أو اثنتي عشرة سنة على الأكثر من الأطفال ، وأما الأطفال الكبار عن هذه السن فإن الشعور بالجنس يبدأ يثور فيهم ، ولو كانوا لم يبلغوا الحلم )163 .

و لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ . . .

أي : ولا يضربن بأرجلهن الأرض لتقعقع خلاخلهن ، فإن ذلك مما يهيج الرجال ويورث ميلا إليهن ، وللنساء أفانين في هذا ، فقد يجعلن الخرز ونحوه في جوف الخلخال ؛ فإذا مشين ولو هونا كان له رنين وصوت خاص ، ومن الناس من يتأثر بوسوسة الحلى أكثر من رؤيتها .

قال ابن كثير :

يدخل في هذا ، النهي عن كل شيء من زينتها كان مستورا فتحركت بحركة ، لتظهر ما خفى منها ، ومن ذلك ما ورد من نهيها عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها ، فروى الترمذي ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا ) . وقال قولا شديدا164 .

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

أي : ارجعوا إليه ، بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه ، لكي تفوزوا بسعادة الدارين .

قال ابن كثير :

أي : افعلوا ما أمركم به من الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة ، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة ، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به رسوله ، وترك ما نهى عنه ، والله المستعان .

ونلحظ أن القرآن يختم أوامره بهذه الدعوة الرقيقة إلى التوبة والاستقامة ، فالله يفتح بابه للتائبين ، وهو عفو غفور رحيم ، وبذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه و رعايته وعونه للبشر في ضعفهم أمام الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله وبتقواه .

في أعقاب الآية :

1 . نقل القرطبي عن مكي قال : ليس في كتاب الله – تعالى – آية أكثر ضمائر من هذه ، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .

2 . إذا كان السبب في تحريم ضرب الخلخال ، ما يؤدي إليه من الفتنة والفساد ، كان كل ما في معناه ملحقا به في التحريم ، كتحريم الأيدي بالأساور ، وتحريك الجلاجل في الشعر ، فالتنصيص على الضرب بالأرجل ليس لقصر النهي عليه ، لأنه كان السبب في نزول الآية .

3 . بالقياس على ما تقدم قال الفقهاء : إنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بحيث تشم منها رائحة الطيب ، فقد أخرج أبو داود ، وابن ماجة ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة )165 .

4 . استدل الحنفية بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة ، فإنها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها ، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى ، والظاهر أنه إن أمنت الفتنة لم يكن صوتها ، عورة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن يروين الأخبار للرجال وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم166 .

5 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلو أحد من الرجال بامرأة . ولو كان من أقربائها ، إذا لم يكن معها أحد من محارمها .

عن جابر بن عبد الله : أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تلجوا على المغيبات )167 ، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم )168 .

وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم ، فإن ثالثهما الشيطان )169 .

6 . ما أباح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يمس الرجل بيده جسد امرأة غير ذات محرم ، فكان يصافح الرجال عند البيعة ولا يصافح النساء ، فعن عروة : أن عائشة - رضي الله عنها – أخبرته عن بيعة النساء قالت : ما مس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد امرأة قط إلا أن يأخذ عليها ، فإذا أخذ عليها فأعطته قال : ( اذهبي فقد بايعتك )170 .

7 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشدة عن الاختلاط بين الرجال والنساء ، وبذل سعيه للقضاء عليه . فلا يخفى على أحد ما للجمعة والصلاة بالجماعة في المسجد من الأهمية في الحياة الإسلامية ، ومع ذلك فقد أعفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء من وجوب الجمعة ، وأعفاهن من وجوب الجماعة .

وقد صرح بأن صلاتهن في البيوت خير من صلاتهن في المساجد ، روى أحمد ، وأبو داود ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهن خير لهن )171 . وبعض العلماء العاملين في زماننا يدعو إلى حث النساء على حضور مجالس العلم ، وإحياء نشاط المرأة المسلمة لتفهم أصول دينها ، وتدرك معالم الشريعة الغراء ، وتستغنى بنظام الإسلام ، عن نظام الغرب وتقاليده ، ويحث على أن تكون في المساجد أماكن للنساء ، حتى يلتزمن بأحكام الإسلام وآدابه ، بعيدا عن تقاليد الجاهلية القديمة والحديثة .

( وإنه ليتضح من أحكام الشريعة أن المجالس المختلطة من الرجال والنساء لا تتفق بحال مع طبيعة الإسلام ومزاجه ، فالدين الذي لا يسمح باختلاط الجنسين للعبادة في مواضعها ، هل لأحد أن يتصور عنه أنه يبيح الاختلاط بينهما في الكليات والمكاتب والمجالس والنوادي الساهرة )172 .

اختلف الفقهاء في معنى قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها . . .

( أ‌ ) فرأى الإمام أحمد بن حنبل أن معناه : أن النساء منهيات عن إبداء الزينة ، إلا الزينة التي ظهرت بنفسها من غير قصد فمعفو عنها ، كأن كشف الريح عن نحر امرأة أو ساقها . وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن المرأة كله عورة ؛ فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي ، وهو أصح قولي الشافعي ، وقالوا : إن المراد بما ظهر منها : ما ظهر بنفسه بغير قصد إلى إظهاره .

( ب‌ ) وذهب الحنفية والمالكية إلى أن معنى الآية : ولا يبدين زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره ، فلسن منهيات عن إبدائه ، وذلك هو الوجه والكفين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم ، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين : ظاهرة ، وباطنة . فالله قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثنى في بقية الآية ، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة لأن الحاجة تقضي بظهورها .

( ت‌ ) وعلى هذا قال الحنفية والمالكية : إن الوجه والكفين ليسا بعورة وهو أحد قولي الشافعي ، واستشهدوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا ) . وأشار إلى وجهه وكفيه173 . وفي رواية عن أبي حنيفة – رحمه الله – أن القدمين ليستا من العورة أيضا ، ونظر في ذلك إلى أن الحرج في سترهما أشد منه في ستر الكفين ، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات ، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات ، وعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك لما في سترهما من الحرج .

وقالوا : إن النساء منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره ، وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة ، التي لم يحظر إبداؤها .

( ج ) وقد رجح الأستاذ أبو الأعلى المودودى رأي الحنابلة ؛ لأن الظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ، ويرخص فيها إذا ظهرت من غير قصد ، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد إظهارها عمدا مخالف للقرآن ، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه ، وأن الأمر بالحجاب كان شاملا للوجه ، وكان النقاب قد جعل جزءا من لباس النساء إلا في الإحرام174 .

( د ) أما الأستاذ الشيخ محمد على السايس فقد رجح رأي الحنفية فقال : ولعلك إذا نظرت إلى أن الشريعة سهلة سمحة ، لا حرج فيها ولا مشقة ، ترجح القول بأن الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة ، فإن في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن ، ولا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم ، فيضطررن إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهن175 .

وينبغي أن يكون القول بهذا الرأي خاصا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة ، أما في غيرها من الحالات التي تخشى فيها الفتنة ، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق والطرقات ، فلا يجوز للمراة أن تخرج سافرة عن وجهها ، ولا أن تبدي شيئا من زينتها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

ولما بدأ بالقومة من الرجال ، ثنى بالنساء فقال : { وقل للمؤمنات } فرغب أيضاً بذكر هذا الوصف الشريف { يغضضن } ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم المحارم قال : { من أبصارهن } فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره ، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت : فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . { ويحفظن فروجهن } عما لا يحل لهن من كشف وغيره .

ولما كان النساء حبائل الشيطان ، أمرن بزيادة الستر بقوله : ناهياً عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى { ولا يبدين زينتهن } أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها { إلا ما ظهر منها } أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها .

ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل ، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن ، خصها فقال : { وليضربن } من الضرب ، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل ، يقال : ضرب في عمله : أخذ فيه ، وضرب بيده إلى كذا : أهوى ، وعلى يده : أمسك ، وضرب الليل بأرواقه : أقبل ، والضارب : الليل الذي ذهبت ظلمته يميناً وشمالاً وملأت الدنيا ، والضارب : الطويل من كل شيء والمتحرك .

ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار ، وهو ما لا صق الجيب منه ، عداه بالباء فقال : { بخمرهن } جمع خمار ، وهو منديل يوضع على الرأس ، وقال أبو حيان : وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها .

( على جيوبهن } جمع جيب ، وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق ، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها ستراً للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك ، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العمل ؛ قال أبو حيان : وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن . وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت { وليضربن بخمرهن } شققن مروطهن - وفي رواية : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها ، يعني تسترن ما قدام ، والإزار هنا الملاء .

ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصاً في الزينة ، عم بقوله : { ولا يبدين } أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل ، وللتأكيد { زينتهن } أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره ، وهي ما عدا الوجه والكفين ، وظهور القدمين ، بوضع الجلباب ، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس رضي الله عنهما . { إلا لبعولتهن } أي أزواجهن ، فإن الزينة لهم جعلت . قال أبو حيان : ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن الزوج - انتهى . فقال تعالى : { أو آبائهن } أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال وكل منهما والد مجازاً بدليل { وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل } { أو آباء بعولتهن } فإن رحمتهم لأولادهم مانعة { أو أبنائهن } فإن لهن عليهن من الهيبة ما يبعد عن ذلك { أو أبناء بعولتهن } فإن هيبة آبائهم حائلة { أو إخوانهن } فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة { أو بني } عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين فتنقص عذوبته { إخوانهن أو بني أخواتهن } فإنهم كأبنائهن { أو نسائهن } أي المسلمات ، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال ؛ روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه ينهى عن دخول الذميات الحمام مع المسلمات ، وقال : فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها ، وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما . { وأما ما ملكت أيمانهن } أي من الذكور والإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة ، وحمل ابن المسيب الآية على الإماء فقط ؛ قال أبو حيان : قال الزمخشري : وهذا هو الصحيح ، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيّاً كان أو فحلاً ، وعن ميسون بنة بحدل الكلابية أن معاوية رضي الله عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال : هو خصي ، فقالت : يا معاوية ! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى .

وقصة مابور ترد هذا ، وقوله : الكلابية ، قال شيخنا في تخريج الكشاف : صوابه : الكلبية بإسكان اللام . { أو التابعين } أي للخدمة أو غيرها { غير أولي الإربة } أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء { من الرجال } كالشيوخ الفانين ومن بهم علة منعت شهوتهم ، وكذا من كان ممسوحاً لقصة مابور { أو } من { الطفل } أي جنسه ، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة ، وهو في الأصل : الرخص الناعم من كل شيء ، وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج ملتبساً بالتراب الذي تأكله الحامل ، قال في القاموس : وطفل النبت كفرح وطفل بالضم تطفيلاً : أصابه التراب ، والطفال ، كغراب وسحاب : الطين اليابس . قال القزاز : ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه : طفل ، { الذين لم يظهروا } أي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع { على عورات النساء } لعدم بلوغ سن الشهوة لذلك .

ولما نهى عن الإظهار ، نبه على أمر خفي منه فقال : { ولا يضربن بأرجلهن } أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها . ولما كان ذلك لمطلق الإعلام ، بناه للمفعول فقال : { ليعلم ما يخفين } أي بالساتر الذي أمرن به { من زينتهن } بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور ، وفي معنى ذلك التطيب ، والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى .

ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم بالتقدم فيه إلى الرجال والنساء ، وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن أبلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير ، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة ، وأن الإنسان لكونه محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن ، فقال : { وتوبوا إلى الله } أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية { جميعاً } رجالكم ونسائكم { أيُّه المؤمنون } والتعبير بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها إلا راسخ القدم في الإيمان ، عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في النقصان ، وهذا الأمر للوجوب ، وإذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من باب الأولى { لعلكم تفلحون* } أي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج ؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : إن الإنسان من حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة ، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله ، وكل ذلك نقص ، وله أسباب ، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده ، والمراد بالتوبة الرجوع ، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص ، وإنما يتفاوتون في المقادير .