في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا} (5)

1

إن هذا المال ، ولو أنه مال اليتامى ، إلا أنه - قبل هذا - مال الجماعة ، أعطاها الله إياه لتقوم به ؛ وهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه . فالجماعة هي المالكة ابتداء للمال العام ، واليتامى أو مورثوهم إنما يملكون هذا المال لاستثماره - بإذن من الجماعة - ويظلون ينتفعون به وينفعون الجماعة معهم ، ما داموا قادرين على تكثيره وتثميره ؛ راشدين في تصريفه وتدبيره - والملكية الفردية بحقوقها وقيودها قائمة في هذا الإطار - أما السفهاء من اليتامى ذوي المال ، الذين لا يحسنون تدبير المال وتثميره ، فلا يسلم لهم ، ولا يحق لهم التصرف فيه والقيام عليه - وإن بقيت لهم ملكيتهم الفردية فيه لا تنزع منهم - إنما يعود التصرف في مال الجماعة إلى من يحسن التصرف فيه من الجماعة . مع مراعاة درجة القرابة لليتميم ، تحقيقا للتكافل العائلي ، الذي هو قاعدة التكافل العام بين الأسرة الكبرى ! وللسفيه حق الرزق والكسوة في ماله مع حسن معاملته :

( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ، وارزقوهم فيها واكسوهم ، وقولوا لهم قولا معروفا ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا} (5)

{ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا }

المفردات :

السفهاء : جمع سفيه والمراد من السفهاء هنا : ضعفاء العقول والأفكار الذين لا يحسنون التصرف .

قياما : ما تقوم به أموركم وتصلح شئونكم .

التفسير :

{ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا قولا معروفا } .

المعنى العام :

ولا تعطوا ضعاف العقول ممن لا يحسنون التصرف في أموالهم التي هي أمولكم ، فإن مال اليتيم وضعيف العقل مالكم ، ويعنيكم أمره وإصلاحه حتى لا يضيع المال فقد جعله الله قوام الحياة وأعطوهم من ثمراتها النصيب الذي يحتاجون إليه في العام ، وأكسوهم وعاملوهم بالحسنى ، وقولوا لهم قولا يرضيهم ولا يؤذيهم ولا يذلهم .

في أعقاب الآية :

1- اختلف المفسرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم .

قال بعضهم المراد بذلك الأوصياء على اليتامى والمراد من السفهاء اليتامى غير العقلاء .

وقال بعضهم الخطاب في الآية الكريمة للآباء والمراد من السفهاء الأولاد الذين يفسدهم المال ويشجعهم على سوء الفعال .

والواقع أن السفهاء تشمل جميع السفهاء من صبي ويتيم وزوجة صغيرة . .

فالمسألة ليست خاصة بل الآية دستور عام ينادي بجميع الناس حاكمين ومحكومين ، وأوصياء وآباء .

والمراد بالسفهاء كل من لا يحسن المحافظة على ماله لصغره ، أو لضعف عقله ، لسوء تصرفاته سواء أكان من اليتامى أم من غيرهم .

2- يقول الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز :

كأنه يقول المال وإن كان ملكا لزيد وعبيد إلا أنه حق للدولة فالجماعة مسئولة عن إضاعة هذه الأموال أيها الرجل المضارب لا تدفع مالك إلى مبدد مبذر .

فالمجموع موزع على المجموع والغرض منه الوحدة والتكافل21 .

3- عنى الإسلام بالمحافظة على المال وتثميره وحث القرآن على العمل واكتساب الرزق وبين أن المال قوام الحياة فقال : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } .

هي من أعجب الأوامر التي تأتي في دستور روحي ، وفيها أعظم وصية لتثمير المال ومراعاة قيمته لأنه مقوم الحياة .

وليس ذلك بغريب عن روح القرآن فأطول آية منه جمعت بين الكتابة والشهادة ، والصادر والوارد في قوله سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } ( البقرة : 282 ) .

4- قال القرآن : { وارزقوهم فيها } .

أي اجعلوا الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم وذلك بالاتجار فيها ، واستثمارها فتكون نفقتهم من غلتها وربحها لا من أصل المال وهذا هو سر التعبير فيها ولم يقل : منها .

روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا من ولى يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " 22 .

5- القول المعروف يرفع الروح المعنوية للسفيه ويخلق عنده الأمل في أن يسترد ماله وصحته وإنسانيته .

والمعروف كلمة الحق عامة تشمل كل ما عرف حسنه وكل ما يناسب حال السفيه من كلمة حانية أو عطف ومودة ، أو بشاشة ورحمة أو زرع الأمل والثقة في المستقبل مثل أن يقول المال مالك وما أنت إلا حارس أحفظه لك من الضياع وعند الكبر أو الرشد أو التدبر للأمر - أرده إليك وتصبح أنت كامل التصرف مطلق الحرية ونحو ذلك من العبارات التي تزيل اليأس والقنوط وتغرس الأمل والرجاء .

6- تفيد الآية وجوب العناية بالأموال وتثميرها وتيسيرها إفادة الناس بها ، يقول الأستاذ الشيخ محمود شلتوت : ( فليس لأحد أن يقول مالي مالي هو مالي وحدي لا ينتفع به سواي فالمال مال الجميع والمال مال الله ينتفع به الجميع عن الطريق الذي شرعه الله في سد الحاجات ودفع الملمات ، وهو ملك لصاحبه يتصرف فيه ، لا كما يشاء ويهوى بل كما رسم الله ، وبين في كتابه حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن وقتر حجر عليه أو اخذ منه قهرا عنه ما يرى الحاكم أخذه من مثله )23 .

7- من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب الحجر على السفهاء وجوب إقامة الوصي والولي والكفيل على الأيتام والصغار ومن حكمهم ، ممن لا يحسنون التصرف24

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا} (5)

ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم ، ونهى عن أكل شيء منها تزهيداً في المال واستهانة به ، وكان في النساء والمحاجير{[20546]} من الأيتام وغيرهم سفهاء ، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذراً من الظلم والحاجة نهى عن التبذير ، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه " نعم المال الصالح{[20547]} للرجل الصالح " رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه ؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال {[20548]}لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا ، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة ، ولا يكون فارغ البال{[20549]} إلا بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به ، فمن أراده{[20550]} لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين ، {[20551]}ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات{[20552]} عن سعادة الآخرة فقال تعالى : { ولا تؤتوا } أيها الأزواج والأولياء{[20553]} { السفهاء } أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم { أموالكم } أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم ، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها ، فإنه يجب عليكم{[20554]} حفظها { التي جعل الله } أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة { لكم قياما } أي ملاكاً وعماداً تقوم{[20555]} بها أحوالكم{[20556]} ، فيكون ذلك سبباً لضياعها ، فضياعها سبب لضياعكم ، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة ، في سببيته { وارزقوهم } متجرين{[20557]} { فيها } وعبر بالظرف{[20558]} إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال{[20559]} موضعاً للفضل ، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال { واكسوهم } أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه ، بل هو من معالي الأخلاق{[20560]} ومحاسن الأعمال { وقولوا لهم } أي{[20561]} مع ذلك { قولاً معروفاً * } أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها ، وكل ما {[20562]}سكنت إليه النفس{[20563]} وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفاً للشرع فهو معروف ، فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر{[20564]} ؛ والحجر{[20565]} على السفيه مندرج في هذه الآية ، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه .


[20546]:في ظ: المحاضر.
[20547]:سقط من ظ.
[20548]:سقطت من ظ.
[20549]:سقطت من ظ.
[20550]:من مد، وفي الأصل وظ: أراد.
[20551]:العبارة من هنا إلى "سعادة الآخرة" سقطت من ظ.
[20552]:من مد، وفي الأصل: المعرقات ـ كذا.
[20553]:زيد من ظ ومد.
[20554]:في ظ: عليهم.
[20555]:في ظ: يقوم.
[20556]:من مد، وفي الأصل وظ: أموالكم.
[20557]:من مد، وفي الأصل: متحيرين، وفي ظ: متحير ـ كذا.
[20558]:من مد، وفي الأصل وظ: بالظفر .
[20559]:في ظ: لا يزال.
[20560]:سقط من ظ.
[20561]:زيد من ظ ومد.
[20562]:في ظ: لما.
[20563]:في ظ: الواجبة ـ كذا.
[20564]:في ظ: الواجبة ـ كذا.
[20565]:في ظ: للشرع.