هنا " يفتنون فيذهب الخبث ، ويسقط الركام - من فتنة الذهب بالنار ليخلص من الخبث والزبد - :
( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ) . .
إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنه ، أو التي تبلورت فيها الفتنة ، هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية الله وحده ؛ وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا . . ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل . . فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة . . لقد فات الأوان . . فاليوم للجزاء لا للعمل . . واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان . .
23- ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ربنا ما كنا مشركين . يتلفت القوم إلى الشركاء فلا يجدون لهم أثرا ، ويخيل إليهم من ضلالهم أن فتنتهم وكفرهم الذي لزموه مدة أعمارهم وافتخروا به قد اختفى ، وأنهم لن يؤخذوا بهذا الجرم الذي لا يقوم شاهد على وجوده ، فيقولون كذبا وبهتانا : والله ربنا ما كنا مشركين .
أو أنهم حين كشف الحجاب ورأوا البعث والحشر والحساب والجزاء وأن الملك في ذلك اليوم لله وحده أعلنوا إيمانهم بالله ، وتبرءوا من الشرك في وقت لا ينفع فيه ذلك وقريب منه رجاء المشركين أن يعودوا إلى الدنيا ليؤمنوا حيث يقولون : لو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين . ( الشعراء : 102 ) .
قال أبو إسحاق الزجاج : تأويل هذه الآية لطيف جدا ، وذلك أنه تعالى كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه ، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه ، وافتخروا به ، وقالوا إنه دين آبائنا ، لم يكن حين رأوا الحقائق إلا أن تبرأوا من الشرك ، وأقسموا على عدم التدين به .
ونظير هذا في اللغة ، أن ترى إنسانا يحب شخصا مذموم الطريقة ، فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له : ما كانت عاقبة محبتك لفلان : إلا أن تبرأت منه وتركته .
وجاء في تفسير القرطبي ما يأتي :
قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم ، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك ، قالوا : إن ربنا يغفر الذنوب ، ولا يغفر الشرك ، فتعالوا نقل : إنا كنا أهل ذنوب ، ولم نكن مشركين .
فقال الله تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم فيختم على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعند ذاك ، يعرف المشركون : أن الله لا يكتم حديثا ، فذلك قوله :
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا . ( النساء : 42 ) .
ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعداً بعد رفع الحجاب عن الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال{[29214]} . أشار إليه بأداة البعد فقال : { ثم لم تكن فتنتهم } أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من شأنها أن يميل{[29215]} ما خالطته فتحيله - و{[29216]} لو أنه جبل - عن حاله بما ناله من{[29217]} قوارعه وزلزاله إلاّ كذبهم في ذلك الجمع ، وهو معنى قوله : { إلاّ أن قالوا } ثباتاً منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب : { والله } فذكروا الاسم الأعظم الذي تندك لعظمته الجبال الشم ، وتنطق بأمره الأحجار الصم ، الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم ، وأكدوا ذلك بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا : { ربنا } فلم يقنعوا{[29218]} بمجرد الكذب حتى أقسموا ، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف المحسن { ما كنا مشركين } أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون{[29219]} فيه في ذلك اليوم بعد كشف الغطاء تطمعاً بما لا ينفعهم ، كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس{[29220]} من فلاح الجميع : المشركين وأهل الكتاب ، أو يكون المعنى تنديماً لهم وتأسيفاً : أنه لم يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه - لكونه دين الآباء - إلاّ جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين به ، والمعنى على قراءتي النصب والرفع في " فتنة " على جعلها خبراً أو اسماً واحداً ، فمعنى قراء النصب : لم يكن شيء إلاّ قولهم - أي غير قولهم الكذب - فتنتهم ، أي لم يكن شيء فتنتهم إلاّ هذا القول ، فهذا القول وحده فتنتهم ، فنفى عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا ، فالفتنة مقصورة على قولهم الكذب ، {[29221]} والكذب{[29222]} قد يكون ثابتاً لغيرها ، أي إنهم يكذبون من غير فتنة ، بل في حال الرخاء{[29223]} ، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة ، أي لم تكن فتنتهم شيئاً غير كذبهم ، فقد نفيت{[29224]} فتنتهم عن كل شيء غير الكذب ، فانحصرت فيه ، ويجوز أن يكون ثابتاً في حال{[29225]} غيرها - على ما{[29226]} مر ، وهذا التقدير نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند وما كان صلاتهم عند البيت{[29227]} }[ الأنفال : 35 ] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.