في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (199)

199

( خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين ، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، إنه سميع عليم . إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) . .

خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب إليهم الكمال ، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق . واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم . . كل أولئك في المعاملات الشخصية لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات الشرعية . فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة الله يكون التغاضي والتسامح . ولكن في الأخذ والعطاء والصحبة والجوار . وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة . فالإغضاء عن الضعف البشري ، والعطف عليه ، والسماحة معه ، واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء . ورسول الله [ ص ] راع وهاد ومعلم ومرب . فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء . . وكذلك كان [ ص ] . . لم يغضب لنفسه قط . فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء ! . . وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به رسول الله [ ص ] . فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر ، وسماحة طبع ، ويسراً وتيسيراً في غير تهاون ولا تفريط في دين الله . .

( وأمر بالعرف ) . . وهو الخير المعروف الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ؛ والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة . والنفس حين تعتاد هذا المعروف يسلس قيادها بعد ذلك ، وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف وما يصد النفس عن الخير شيء مثلما يصدها التعقيد والمشقة والشد في أول معرفتها بالتكاليف ! ورياضة النفوس تقتضي أخذها في أول الطريق بالميسور المعروف من هذه التكاليف حتى يسلس قيادها وتعتاد هي بذاتها النهوض بما فوق ذلك في يسر وطواعية ولين . .

( وأعرض عن الجاهلين ) . . من الجهالة ضد الرشد ، والجهالة ضد العلم . . وهما قريب من قريب . . والإعراض يكون بالترك والإهمال ؛ والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال ؛ والمرور بها مر الكرام ؛ وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب ، وإضاعة الوقت والجهد . . وقد ينتهي السكوت عنهم ، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها ، بدلاً من الفحش في الرد واللجاج في العناد . فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم ، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير . إذ يرون صاحب الدعوة محتملاً معرضاً عن اللغو ، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون !

وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (199)

{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين( 199 ) } :

المفردات :

العفو : السهل اليسير من أخلاق الناس .

بالعرف : بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس .

التفسير :

{ 199 - خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } .

المناسبة :

في آيات سابقة نهى القرآن عن عبادة الأوثان ، وندد بعبادة الأصنام .

وتجئ هذه الآية وما بعدها إلى آخر سورة الأعراف دعوة إلهية كريمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولمن معه من المؤمنين ، إلى منهج سمح سهل ليّن في معاملة المشركين .

{ خذ العفو وأمر بالعرف } .

جمعت هذه الآية أصول الفضائل ومكارم الأخلاق .

عن عبد الله بن الزبير قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس ا . ه .

ونجد في هذه الآية ثلاث فضائل :

1 – الأخذ بالعفو :

وهو اليسير والسهل من أخلاق الناس وأعمالهم ، دون تكليفهم بما يشق عليهم ، ومن غير تجسس ، وإنما يؤخذ بالسمح السهل ، واليسر دون العسر .

جاء في ظلال القرآن : " خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب إليهم الكمال ، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق ، واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم . . . . " .

روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " 86 .

ويدخل في العفو صلة القاطعين أرحامهم ، والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين .

وهذا هو الصنف الأول من الحقوق التي تستوفي من الناس ، وتؤخذ منهم بطريق المساهلة والمسامحة .

ويشمل ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ، والتخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة .

قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } . ( آل عمران : 159 ) .

ومن هذا القسم : الدعوة إلى الدين الحق بالرفق واللطف .

كما قال تعالى : { جادلهم بالتي هي أحسن } . ( النحل : 125 ) .

2 – الأمر بالعرف :

وهو المعروف والجميل من الأفعال : وهو كل ما أمر به الشرع ، وتعارفه الناس من الخير ، واستحسنه العقلاء ؛ فالمعروف اسم جامع لكل خير .

ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة ؛ مثل قوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } . ( آل عمران : 110 ) .

وفي تبيان الحقوق الزوجية قال تعالى : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهم درجة } . ( البقرة : 228 ) .

وأمر المعروف حتى في حالات الفرقة والطلاق . قال تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . ( البقرة : 229 ) .

" ويشمل المعروف الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال ، والذي تلتقي عليه الفطر السليمة ، والنفوس المستقيمة ؛ والنفس حين تعتاد هذا المعروف ؛ يسلسل قيادها بعد ذلك ؛ وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف " 87 .

3-الإعراض عن الجاهلين :

ويشمل تجاهلهم ، وعدم الرد عليهم ، أو الدخول معهم في خصومة وجدل ، كما يشمل كظم الغيظ والمقابلة بالصفح والعفو .

قال تعالى في وصف المؤمنين : { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } . ( آل عمران : 134 ) .

وقال تعالى في فضيلة العفو : { وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم }( البقرة : 237 ) .

من كلام المفسرين

1 – جاء تفسير المنار :

فأنت ترى أن المعروف في هذه الآية معتبرة في هذه الأحكام المهمة ، وأن المعروف هو المعهود بين الناس في المعاملات والعادات ، ومن المعلوم بالضرورة أنه يختلف باختلاف الشعوب ، والبيوت والبلاد والأوقات ، فتحديده وتعيينه باجتهاد بعض الفقهاء بدون مراعاة عرف الناس ، مخالف لنص كتاب الله تعالى ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيره من فقهاء الحديث والحنابلة أقوال حكيمة في المعروف ؛ منها : أنه يجب على كل من الزوجين من أعمال البيت والأسرة ما جرى العرف به .

وأنه إذا كان من المعروف عن بعض البيوت أنهن لا يزوجن بناتهن لمن يتزوج عليهن ويضارهن ، كان هذا كالشرط ؛ فلا يجوز للرجل أن يتزوج على المرأة منهن88 .

2 – جاء في هامش زاد المسير لابن الجوزي نشر المكتب الإسلامي ما يأتي :

روى البخاري 8/ 229 : أن ابن عباس قال : قدم عيينة بن حصين ابن حذيفة ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدينهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبابا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، لك وجه عند هذا الأمير ، فاستأذن لي عليه ، قال : سأستأذن لك عليه ، قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعيينة ، فأذن له عمر ، فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ؛ فغضب عمر حتى هم به ، فقال الحر : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافا عند كتاب الله89 .

3 – من التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :

وهذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير .

قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية ، قال عليه الصلاة والسلام : يا جبريل ، ما هذا ؟ قال : إن ربك يقول : هو أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك90 .

وروى الطبري وغيره عن جابر مثل ذلك :

وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها91 .

قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن : قال علماؤنا : هذه الآية من ثلاث كلمات ، قد تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات ، حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوعتها ، ولا فضيلة إلا شرحتها ، ولا أكرومة إلا افتتحتها92 .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (199)

{ خذ العفو } فيه قولان :

أحدهما : أن المعنى خذ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسر لا ما يشق عليهم ، لئلا ينفروا فالعفو على هذا بمعنى : السهل والصفح عنهم ، وهو ضد الجهل والتكليف كقول الشاعر :

خذي العفو مني تستديمي مودتي *** . . .

والآخر : أن المعنى خذ من الصدقات ما سهل على الناس في أموالهم أو ما فضل لهم ، وذلك قبل فرض الزكاة ، فالعفو على هذا بمعنى : السهل أو بمعنى : الكثرة .

{ وأمر بالعرف } أي : بالمعروف وهو فعل الخير ، وقيل : العفو الجاري بين الناس من العوائد ، واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد .

{ وأعرض عن الجاهلين } أي : لا تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم واحلم عنهم ، ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها ، فقال : " لا أدري حتى أسأل " ؛ ثم رجع فقال : يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، وعن جعفر الصادق : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق ، وهي على هذا ثابتة الحكم وهو الصحيح ، وقيل : كانت مداراة للكفار ، ثم نسخت بالقتال .