( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ؛ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين . ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) . .
إن رد الأنفال لله والرسول ، وقسمتها بينهم على السواء ، وكراهة بعض المؤمنين لهذه التسوية . . ومن قبل كراهة بعضهم لاختصاص بعض الشباب بالنصيب الأوفر منها . . إنها شأن يشبه شأن إخراج الله لك من بيتك - بالحق - لمقاتلة الفرقة ذات الشوكة ؛ وكراهة بعض المؤمنين للقتال . . وبين أيديهم العاقبة التي أنتجت هذه الأنفال . .
ولقد سبق لنا في استعراض وقائع الغزوة - من كتب السيرة - أن أبا بكر وعمر قاما فأحسنا حين استشار رسول الله [ ص ] الناس معه في أمر القتال ، بعدما أفلتت القافلة ، وتبين أن قريشاً قد جاءت بشوكتها وقوتها . وأن المقداد بن عمرو قام فقال : يا رسول الله ، امض لأمر الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . . . الخ " . وأن هذا كان كلام المهاجرين . فلما كرر رسول الله [ ص ] القول على الناس فهم الأنصار أنه إنما يعنيهم ، فقام سعد بن معاذ فقال كلاماً طويلاً قاطعاً مطمئناً . .
ولكن هذا الذي قاله أبو بكر وعمر ، والذي قاله المقداد ، والذي قاله سعد بن معاذ - رضي الله عنهم - لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع رسول الله [ ص ] فلقد كره بعضهم القتال ، وعارض فيه ، لأنهم لم يستعدوا لقتال ، إنما خرجوا لملاقاة الفئة الضعيفة التي تحرس العير ؛ فلما أن علموا أن قريشاً قد نفرت بخيلها ورجلها ، وشجعانها وفرسانها ، كرهوا لقاءها كراهية شديدة ، هي هذه الكراهية التي يرسم التعبير القرآني صورتها بطريقة القرآن الفريدة :
( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) !
روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناده - عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله [ ص ] ونحن بالمدينة : " إني أخبرت عن عير أبي سفيان بأنها مقبلة ، فهل لكم أن نخرج قِبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها ? " فقلنا : نعم . فخرج وخرجنا . فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا : " ما ترون في قتال القوم ? إنهم قد أخبروا بخروجكم ! " فقلنا : لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ، ولكنا أردنا العير ! ثم قال : " ما ترون في قتال القوم ? " فقلنا مثل ذلك : فقال المقداد بن عمرو : إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى : ذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . . . فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد بن عمرو أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم ! قال : فأنزل الله على رسوله [ ص ] : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ) .
{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإن فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ( 5 ) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كأنمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ( 6 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أنهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أن غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) }
كما أخرجك ربك من بيتك : أي : أخرجك من بيتك بالمدينة إلى بدر .
بالحق : أي : بالحكمة والصواب .
5 – { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَأن فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } .
تتحدث هذه الآية مع آيات تالية عن خروج المسلمين إلى غزوة بدر الكبرى .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أن تجارة قريش في طريق عودتها من الشام ، وستمر قريبا من المدينة فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : هذه عير قريش اخرجوا إليها علّ الله أن ينفلكموها ، فخف بعض الناس للخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثاقل بعضهم لعلمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يلقى حربا ، فالتجارة يحيط بها حراس قليلون ، وخرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا معهم فرسان فقط ، وسبعون بعيرا يتعاقبون عليها ، وبلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة ، النجاء النجاء على كل صعب وذلول ، عيركم أموالكم أن أصابها محمد ؛ لم تفلحوا بعدها أبدا ، فخرج أبو جهل يجمع أهل مكة ، فقيل له : إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال : واللات والعزّى لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزر ونشرب الخمر ونقيم القينات والمعازف ببدر ، فيتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن محمدا لم يصب العير ، وإنا قد أخفناه فمضى بهم إلى بدر ، وهي قرية في الطريق بين مكة والمدينة على مقربة من المدينة ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : يا محمد ؛ إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير ، وإما النفير – أي مشركي مكة – فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال : ما تقولون ؟ إن القوم قد خرجوا من مكة ، فالعير أحب إليكم أم النفير . . . ؟ فقالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم رد عليه فقال : " إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا نفير قريش قد أقبل " ، فقالوا يا رسول الله ، عليك بالعير ودع العدو ، فقام أبو بكر فقال وأحسن ، وتكلم عمر فقال وأحسن ، ثم قام المقدار ابن عمرو رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ها هنا قاعدون . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . . . فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ؛ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له . ثم قال : " أشيروا علي أيها الناس " viii – وهو يريد الأنصار – فقام سعد بن معاذ فقال : لكأنك تريدنا يا رسول الله . قال : أجل ، قال : آمنا بك ، وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .
فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وأن لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسره قول سعد ابن معاذ ثم قال : " سيروا ، وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " ثم دارت رحى المعركة وانتصر المؤمنون ، وهزم المشركون .
{ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } .
هنا تشبيه بين حالين ، حال المسلمين في مواجهة العدو ، بعد أن دارت رءوسهم واضطربت قلوبهم ، وحالهم في الغنائم بعد أن اختلفت آراؤهم فيها ، واضطربت مشاعرهم حيالها ، وانظر كيف أمسكت كلمات الله بكل خالج كانت تختلج في نفوس القوم هنا وهناك في مواجهو العدو ، ثم في مواجهة الغنائم .
الأنفال ثابتة لله ورسوله وإن كرهوا ، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا .
وقال غيره : امض لحكم ربك في الغنائم وإن كرهوا ، كما مضيت لأمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وأن كرهوا .
وذكر د . محمد سيد طنطاوي : أن معنى الآية :
حال بعض أهل بدر في كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية ، مثل حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال مع ما في هذه القسمة والقتال من خير ، وبركة .
والملاحظ أن الله تعالى أضاف خروج النبي من بيته إليه سبحانه أي : أن الخروج إلى بدر كان بأمر الله وتوجيهه ، حتى يخرج المسلمون خفافا للقاء العير ، ثم تفلت العير ، ويقف المسلمون وجها لوجه أمام النفير ، وهو حرب المشركين ، وقد كانوا يكرهون ذلك في أول الأمر ؛ لأنهم خرجوا للعير ، وأراد الله أن تفلت العير ، حتى تتم المواجهة ويتم الاستعداد للحرب ، ويتم إخلاص النية ، والامتثال لأمر الله .
وتلحظ أن الخروج بالحق أي : أخرجك الله إخراجا متلبسا بالحق ، الذي لا يحوم حوله باطل ، والبيت الذي خرج منه النبي صلى الله عليه وسلم هو بيته في المدينة ، أو هي المدينة كلها ، فقد تحولت من يثرب إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد أن نظمها وخططها وأتم إعمارها ، وأشاع فها الأمن والنظام وصارت المدينة دار الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم : " إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " ix .
يذكر الله في هذه الآية وما بعدها : أن الفضل في النصر في غزوة بدر إنما هو لله تعالى ، ولذا فالغنائم له ولرسوله ، ومن ذلك أنه أخرجهم من المدينة لحرب المشركين ، وأكثرهم كارهون ، وصرفهم إلى قتال جيش الكفار وكان أكثرهم لا يريدون ، وأمدهم بالملائكة إلى غير ذلك مما توضحه السورة .
وقال الآلوسي : وقوله : و{ إن فريقا من المؤمنين لكارهون } . أي : للخروج ، إما لعدم الاستعداد ، أو الميل للغنيمة ، أو للنفرة الطبيعية عنه ، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار ، فلا يرد أنه لا يليق بمصب الصحابة ، والجملة في موضع الحال ، وهي حال مقدرة ؛ لأن الكراهة وقعت بعد الخروج . . .
{ كما أخرجك ربك } فيه ثلاث تأويلات أحدها : أن تكون الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجكيعني : أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب ، والثاني : أن يكون في موضع الكاف نصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله : { الأنفال لله والرسول } أي : استقرت الأنفال لله والرسول استقرارا مثل استقرار خروجك ، والثالث : أن تتعلق الكاف بقوله : { يجادلونك } .
{ من بيتك } يعني : مسكنه بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر .
{ وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } أي : كرهوا قتال العدو ، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة ، ومعها أربعون راكبا فأخبر بذلك جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فخرج بالمسلمين فسمع بذلك أهل مكة فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير ليمنعوا عيرهم فنزل جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما قريش ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فقالوا : العير أحب إلينا من لقاء العدو فقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر ، وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقال له سعد بن عبادة : امض لما شئت فإنا متبعوك وقال سعد بن معاذ : والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله .