واستجاب الشيخ لاقتراح ابنته . ولعله أحس من نفس الفتاة ونفس موسى ثقة متبادلة ، وميلا فطريا سليما ، صالحا لبناء أسرة . والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة الله . فجمع الرجل بين الغايتين وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين . فإن زادها إلى عشر فهو تفضل منه لا يلزم به .
( قال : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ، على أن تأجرني ثماني حجج . فإن أتممت عشرا فمن عندك . وما أريد أن أشق عليك . ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) .
وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد - ولعله كان يشعر كما أسلفنا - أنها محددة ، وهي التي وقع التجاوب والثقة بين قلبها وقلب الفتى . عرضها في غير تحرج ولا التواء . فهو يعرض نكاحا لا يخجل منه . يعرض بناء أسرة وإقامة بيت وليس في هذا ما يخجل ، ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد ، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة ، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة ، تمنع الوالد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته ؛ وتحتم أن يكون الزوج أو وليه أو وكيله هو الذي يتقدم ، أو لا يليق أن يجيء العرض من الجانب الذي فيه المرأة ! ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أن الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدثون ويختلطون ويتكشفون بعضهم لبعض في غير ما خطبة ولا نية نكاح . فأما حين تعرض الخطبة أو يذكر النكاح ، فيهبط الخجل المصطنع ، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة !
ولقد كان الآباء يعرضون بناتهم على الرجال على عهد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بل كانت النساء تعرض نفسها على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أو من يرغب في تزويجهن منهم . كان يتم هذا في صراحة ونظافة وأدب جميل ، لا تخدش معه كرامة ولا حياء . . عرض عمر - رضي الله عن - ابنته حفصة على أبي بكر فسكت وعلى عثمان فاعتذر ، فلما أخبر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بهذا طيب خاطره ، عسى أن يجعل الله لها نصيبا فيمن هو خير منهما . ثم تزوجها [ صلى الله عليه وسلم ] وعرضت امرأة نفسها على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فاعتذر لها . فألقت إليه ولاية أمرها يزوجها ممن يشاء . فزوجها رجلا لا يملك إلا سورتين من القرآن ، علمها إياهما فكان هذا صداقها .
وبمثل هذه البساطة والوضاءة سار المجتمع الإسلامي يبني بيوته ويقيم كيانه . في غير ما تعلثم ولا جمجمة ولا تصنع ولا التواء .
وهكذا صنع الشيخ الكبير - صاحب موسى - فعرض على موسى ذلك العرض واعدا إياه ألا يشق عليه ولا يتعبه في العمل ؛ راجيا بمشيئة الله أن يجده موسى من الصالحين في معاملته ووفائه . و هو أدب جميل في التحدث عن النفس وفي جانب الله . فهو لا يزكي نفسه ، ولا يجزم بأنه من الصالحين . ولكن يرجو أن يكون كذلك ، ويكل الأمر في هذا لمشيئة الله .
تأجرني : تكون أجيرا لي ، وفي القاموس : أجره يأجره ، جزاه ، كآجره ، والأجر : الجزاء على العمل .
حجج : جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة .
أشق عليك : أوقعك في المشقة والصعاب .
27-{ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين }
أي : قال شعيب لموسى : إني أريد أن أزوجك واحدة من ابنتي هاتين ، الكبرى أو الصغرى ، ولك أن تختار من تروق لك ، على أن يكون مهرها أن تعمل عندي أجيرا لرعي الغنم ثماني سنوات ، فإن أتممت عشرا في الخدمة والعمل فهذا تفضل منك وتطوع وتبرع لا ألزمك به ، وما أريد أن أصعب عليك الأمر فألزمك بأبعد الأجلين ، ولا أشدد عليك في العمل بل ستجد المياسرة والسماح ، وستجدني إن شاء الله من الصالحين ، المحسنين للمعاملة الموفين للعهد ، وفي هذه الآية سنّة حسنة ، حيث عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل ، وعلى هذه السنة سار الخلفاء ، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، فلا بأس بعرض الرجل ابنته ، والمرأة تعرض نفسها على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح .
ونلاحظ أن الأب عرض إحدى ابنتيه فهو عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز الإبهام في النكاح ، فلا بد من تعيين المعقود عليها .
أما تعيين الفتاة فقد حدث عند العقد ، أن اختار موسى إحداهما للزواج منه ، وتم الزواج وبدأ تنفيذه والالتزام بالأجرة ، وتنفيذ الشروط حتى تم الأجل المتفق عليه .
وفي الآية تيسير الزواج والمعاونة على إتمامه ، والأخذ بيد الشباب ليقفوا على أقدامهم ويفتحوا بيتا في الحلال .
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة على أن يعلمها عشرين آية ، وإذا وسّع الله عليه عوّضها ، وهذا يعبر عن روح الإسلام في تيسير العفة والتصون ، وتعاون الأغنياء والصلحاء والجمعيات الخيرية في حل أزمة الزواج ، وتيسير التعارف بين الراغبين فيه ، وتيسير المسكن والحياة الزوجية ، وبذلك نوسع فرص الحلال ، ونقضي على الشذوذ والانحراف والزنا والخيانة ، وتعود إلينا قيمنا الأصيلة ، ومنها العفة والاستقامة والتطهر ، وغض البصر وحفظ الفرج والبعد عن الريبة والفاحشة .
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ ( 27 ) }
قال الشيخ لموسى : إني أريد أن أزوِّجك إحدى ابنتيَّ هاتين ، على أن تكون أجيرًا لي في رعي ماشيتي ثماني سنين مقابل ذلك ، فإن أكملت عشر سنين فإحسان من عندك ، وما أريد أن أشق عليك بجعلها عشرا ، ستجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن الصحبة والوفاء بما قلتُ .
واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته ، وكأنه أحس بصدق عاطفتها ، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا : { قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ }
ولعله أراد بإحداهما ، تلك التى قالت له : يا أبت استأجره ، لشعوره - وهو الشيخ الكبير ، والأب العطوف ، الحريص على راحة ابنته - بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين ، وهو موسى - عليه السلام - .
وفى هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، فى الرجل الصالح ، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة .
قال الشوكانى : فى هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابتة فى الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وغير ذلك مما وقع فى أيام الصحابة أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله - سبحانه - : { على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } بيان لما اشترطه الشيخ الكبير على موسى - عليه السلام - .
أى قال له بصيغة التأكيد : إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتى هاتين ، بشرط أن تعمل أجيرا عندى لرعى غنمى { ثَمَانِيَ حِجَجٍ } أى : ثمانى سنين .
قال الجمل : وقوله : { على أَن تَأْجُرَنِي } فى محل نصب على الحال ، إما من الفاعل أو من المفعول .
أى : مشروطا على أو عليك ذلك . . . . و { تَأْجُرَنِي } مفعلوه الثانى محذوف أى : تأجرنى نفسك و { ثَمَانِيَ حِجَجٍ } ظرف له .
وقوله : { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ } أى : فإن أتممت عشر سنين كأجير عندى لرعاية غنمى ، أى : فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك سوى ثمانى حجج .
وقوله { وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } بيان لحسن العرض الذى عرضه الشيخ على موسى .
أى : وما أريد أن أشق عليك أو أتبعك فى أمر من الأمور خلال استئجارى لك ، بل ستجدنى - إن شاء الله - تعالى - من الصالحين ، فى حسن المعاملة ، وفى لين الجانب ، وفى الوفاء بالعهد .
وقال : { سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ . . . } للدلالة على أنه من المؤمنين . الذين يفرضون أمورهم إلى الله - تعالى - ويرجون توفيقه ومعونته على الخير .