( غافر الذنب ) . . الذي يعفو عن ذنوب العباد ، بما يعلمه - سبحانه - من استحقاقهم للغفران .
( وقابل التوب ) . . الذي يتوب على العصاة ، ويتقبلهم في حماه ، ويفتح لهم بابه بلا حجاب .
( شديد العقاب )الذي يدمر على المستكبرين ويعاقب المعاندين ، الذين لا يتوبون ولا يستغفرون .
( ذي الطول ) . . الذي يتفضل بالإنعام ، ويضاعف الحسنات ، ويعطي بغير حساب .
( لا إله إلا هو ) . . فله الألوهية وحده لا شريك له فيها ولا شبيه .
إليه المصير . . فلا مهرب من حسابه ولا مفر من لقائه . وإليه الأوبة والمعاد .
وهكذا تتضح صلته بعباده وصلة عباده به . تتضح في مشاعرهم وتصوراتهم وإدراكهم ، فيعرفون كيف يعاملونه في يقظة وفي حساسية ؛ وفي إدراك لما يغضبه وما يرضيه .
وقد كان أصحاب العقائد الأسطورية يعيشون مع آلهتهم في حيرة ، لا يعرفون عنها شيئاً مضبوطاً ؛ ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها ، ويصورونها متقلبة الأهواء ، غامضة الاتجاهات ، شديدة الانفعالات ، ويعيشون معها في قلق دائم يتحسسون مواضع رضاها ، بالرقى والتمائم والضحايا والذبائح ، ولا يدرون سخطت أم رضيت إلا بالوهم والتخمين !
فجاء الإسلام واضحاً ناصعاً ، يصل الناس بإلههم الحق ، ويعرفهم بصفاته ، ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه ، وكيف يرجون رحمته ، ويخشون عذابه ، على طريق واضح قاصد مستقيم .
غافر الذنب : يغفر الذنب لمن تاب إليه ورجع إلى طاعته بعد معصيته .
قابل التوب : يقبل توبة التائب النادم .
شديد العقاب : لمن عصى الله وأعرض عن هديه .
ذي الطول : صاحب الغنى والسعة .
لا إله إلا هو : لا معبود بحق إلا الله .
إليه المصير : إليه مرجع الخلائق .
3- { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } .
من صفات الله المغفرة والستر على المذنبين ، وقبول توبة التائبين ، وهو سبحانه شديد العقاب لمن أعرض عنه ، وأصم أذنه عن سماع القرآن وألوان الهداية ، وهو سبحانه صاحب الفضل وجلائل النّعم ، فمن وجد الله وجد كل شيء ، ومن فقد الله فقد كل شيء ، وهو سبحانه واحد أحد ، فرد صمد ، متفرد بالألوهية ، متوحّد بالربوبية ، فلا معبود بحق إلا الله ، وإليه سبحانه المصير والمرجع ، فيحاسب العباد ويجازيهم على أعمالهم ، بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا .
قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
روى أن رجلا من أهل الشام ذا بأس كان يفد على عمر بن الخطاب ، فافتقده عمر ، فسأل عنه فقالوا : تتابع في الشراب ، فكتب عمر إليه كتابا قال فيه : أما بعد . . فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } . فجعل الرجل يقرأ الخطاب ، ثم بكى ونزع عن المعاصي وتاب إلى الله تعالى ، فقال عمر : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة فسددوه ووقفوه . وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه .
{ غَافِرِ الذَّنْبِ } للمذنبين { وَقَابِلِ التَّوْبِ } من التائبين ، { شَدِيدِ الْعِقَابِ } على من تجرأ على الذنوب ولم يتب منها ، { ذِي الطَّوْلِ } أي : التفضل والإحسان الشامل .
فلما قرر ما قرر من كماله وكان ذلك موجبًا لأن يكون وحده ، المألوه الذي تخلص له الأعمال قال : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }
ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن من الله الموصوف بهذه الأوصاف أن هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن ، من المعاني .
فإن القرآن : إما إخبار عن أسماء الله ، وصفاته ، وأفعاله ، وهذه أسماء ، وأوصاف ، وأفعال .
وإما إخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، فهي من تعليم العليم لعباده .
وإما إخبار عن نعمه العظيمة ، وآلائه الجسيمة ، وما يوصل إلى ذلك ، من الأوامر ، فذلك يدل عليه قوله : { ذِي الطَّوْلِ }
وإما إخبار عن نقمه الشديدة ، وعما يوجبها ويقتضيها من المعاصي ، فذلك يدل عليه قوله : { شَدِيدِ الْعِقَابِ }
وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة والإنابة ، والاستغفار ، فذلك يدل عليه قوله : { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ }
وإما إخبار بأنه وحده المألوه المعبود ، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على ذلك ، والحث عليه ، والنهي عن عبادة ما سوى الله ، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على فسادها والترهيب منها ، فذلك يدل عليه قوله تعالى : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }
وإما إخبار عن حكمه الجزائي العدل ، وثواب المحسنين ، وعقاب العاصين ، فهذا يدل عليه قوله : { إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }
{ غَافِرِ الذنب } أى : ساتر لذنوب عباده ، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ورحمته .
فلفظ { غَافِرِ } من الغفر بمعنى الستر والتغطية ، يقال : غفر الله - تعالى - ذنب فلان غَفْراً ومغفرة وغفرانا ، إذا غطاه وستره وعفا عنه .
ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته ، مأخوذ من ذنب الشئ ، أى : نهايته { وَقَابِلِ التوب } والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه . يقال : تاب فلان عن الذنب توبة وتوبتا إذا رجع عنه .
أى : أنه - سبحانه يغفر ذنوب عباده ، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما .
قال صاحب الكشاف : ما بال الواو فى قوله { وَقَابِلِ التوب } ؟
قلت : فيها نكته جليلة ، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب ، كأنه لم يذنب . كأنه قال : جامع المغفرة والقبول . .
{ شَدِيدِ العقاب } أى : لمن أشرك به ، وأعرض عن الحق الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم { ذِي الطول } أى : ذى الفضل والثواب والإِنعام على من يشاء من عباده .
والطَّول : السعة والغنى والزيادة ، يقال : لفلان على فلان طول ، أى زيادة وفضل ، ومنه الطُّول فى الجسم لأنه زيادة فيه . قال - تعالى - : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً . . . } أى : غنى وسعة .
{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أى : لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه - .
{ إِلَيْهِ المصير } أى : إليه المرجع والمآب يوم القيامة ، ليحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا .
قال القرطبى : روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع فى هذا الشراب .
فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد الله إليك الذى لا إله هو { بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ . حما . تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم } .
إلى قوله - تعالى - : { إِلَيْهِ المصير } .
ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا . ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة . فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد وعدنى الله أن يغفر لى ، وحذرنى عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته .
فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه .
قوله : { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ } { غافر } { وقابل } و { شديد } : نُعوت للفظ الجلالة . وقيل : مجرورة على البدل{[4001]} و { غَافِرِ الذَّنْبِ } : أي لمن قال لا إله إلا الله . أو يستره على أوليائه . و { وَقَابِلِ التَّوْبِ } : أي من الشرك والمعاصي . و { الثّوب } : مصدر بمعنى التوبة من تاب يتوب توبة وتوبا . وقيل : جمع توبة { شَدِيدِ الْعِقَابِ } لمن لم يقل لا إله إلا الله ، أو للعصاة غير التائبين .
قوله : { ذِي الطَّوْلِ } أي ذي النعم . واصل الطول : الإنعام والتفضّل . وقيل : المن .
قوله : { لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } الله وحده المعبود ، لا شريك له . إليه تصير الأمور كلها فإليه يرجع المآب .