( ولله غيب السماوات والأرض ) . .
والأمر كله إليه . أمرك وأمر المؤمنين ، وأمر الذين لا يؤمنون ، وأمر هذا الخلق كله ما كان في غيبه وما سيكون .
فهو الجدير وحده بالعبادة والدينونة .
فهو الولي وحده والنصير . وهو العليم بما تعملون من خير وشر ، ولن يضيع جزاء أحد :
( وما ربك بغافل عما تعملون ) . .
وهكذا تختم السورة التي بدئت بالتوحيد في العبادة ، والتوبة والإنابة والرجعة إلى الله في النهاية . بمثل ما بدئت به من عبادة الله وحده والتوجه إليه وحده . والرجعة إليه في نهاية المطاف . وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون وأغوار النفس وأطواء القرون . .
وهكذا يلتقي جمال التنسيق الفني في البدء والختام ، والتناسق بين القصص والسياق ، بكمال النظرة والفكرة والاتجاه في هذا القرآن . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . .
وبعد . فإن المتتبع لسياق هذه السورة كلها - بل المتتبع للقرآن المكي كله - يجد أن هناك خطا أصيلا ثابتا عريضا عميقا ، هو الذي ترتكز عليه ؛ وهو المحور الذي تدور حوله ؛ وإليه ترجع سائر خطوطها ، وإليه تشد جميع خيوطها كذلك . . إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله . . وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلا . .
وسنحتاج - في التعقيب الإجمالي على هذه السورة - أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور - كما يتجلى في سياق السورة - وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئا ما . ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به ، ربطا لأجزاء هذا التعقيب الأخير :
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد [ ص ] أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى االتاريخ البشري . أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول الله [ ص ] إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية . .
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . هي التركيز على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة غيره . . وتقرير أن هذا هو الدين كله . . وإقامة الوعد والوعيد ، والحساب والجزاء ، والثواب والعقاب ، على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة . . كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها . .
فيبقى هنا أن نجلي أولا طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة ، وقيمة هذه الطريقة :
إن حقيقة توحيد العبادة لله ترد في صيغتين هكذا :
( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . ) . .
( ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير . . . ) . .
وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي . . فهل مدلولهما واحد ؟ إن مدلول الصيغة الأولى : الأمر بعبادة الله ، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه . . ومدلول الصيغة الثانية : النهي عن عبادة غير الله . .
والمدلول الثاني هو مقتضى المدلول الأول ومفهومه . . ولكن الأول " منطوق " والآخر " مفهوم " . . ولقد اقتضت حكمة الله - في بيان هذه الحقيقة الكبيرة - عدم الاكتفاء بالمفهوم ، في النهي عن عبادة غير الله . وتقرير هذا النهي عن طريق منطوق مستقل . وإن كان مفهوما ومتضمنا في الأمر الأول !
إن هذا يعطينا إيحاء عميقا بقيمة تلك الحقيقة الكبيرة ، ووزنها في ميزان الله سبحانه ، بحيث تستحق ألا توكل إلى المفهوم المتضمن في الأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه ؛ وأن يرد النهي عن عبادة سواه في منطوق مستقل يتضمن النهي بالنص المباشر لا بالمفهوم المتضمن ! ولا بالمقتضى اللازم !
كذلك تعطينا طريقة المنهج القرآني في تقرير تلك الحقيقة بشطريها . . عبادة الله . وعدم عبادة سواه . . أن النفس البشرية في حاجة إلى النص القاطع على شطري هذه الحقيقة سواء . وعدم الاكتفاء معها بالأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه ؛ وإضافة النهي الصريح عن عبادة سواه إلى المفهوم الضمني الذي يتضمنه الأمر بعبادته وحده . . ذلك أن الناس يجيء عليهم زمان لا يجحدون الله ، ولا يتركون عبادته ، ولكنهم مع هذا - يعبدون معه غيره ؛ فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون !
ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معا ؛ بحيث يؤكد أحدهما الآخر ، التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة . .
وقد تكرر مثل هذا التعبير القرآني في مواضع شتى ؛ هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها :
( ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير : ألا تعبدوا إلا الله ، إنني لكم منه نذير وبشير . . ) [ هود : 1 - 2 ]
( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه : إني لكم نذير مبين : ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم . . . ) [ هود : 25 - 26 ]
( وإلى عاد أخاهم هودا ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، إن أنتم إلا مفترون . . )[ هود : 50 ]
( وقال الله : لا تتخذوا إلهين اثنين . إنما هو إله واحد . فإياي فارهبون ) . . .
( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا . ولكن كان حنيفا مسلما . وما كان من المشركين ) . .
( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا . وما أنا من المشركين ) . . .
وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد ، له دلالته من غير شك . سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة ، وإنما ينص نصا منطوقا على كل جانب فيها . أو في دلالة هذه الطريقة على علم الله - سبحانه - بطبيعة الكائن الإنساني ، وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة ، وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش ، إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو ، الذي يتجلى فيه القصد والعمد . . ولله الحكمة البالغة . . وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
ثم نقف أمام مدلول مصطلح " العبادة " الوارد في السورة - وفي القرآن كله - لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة غيره . وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق ، وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة .
لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه - في هذه السورة - ما هو مدلول مصطلح " العبادة " الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية ؛ كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسل الكرام ، وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة الله وحده على ممر الأيام . . فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات :
إن إطلاق مصطلح " العبادات " على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل ، في مقابل إطلاقمصطلح : " المعاملات " على ما يكون بين الناس بعضهم وبعض من تعامل . . إن هذا جاء متأخرا عن عصر نزول القرآن الكريم ؛ ولم يكن هذا التقسيم معروفا في العهد الأول .
ولقد كتبنا من قبل في كتاب " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " شيئا عن تاريخ هذه المسألة نقتطف منه هذه الفقرات :
" إن تقسيم النشاط الإنساني إلى " عبادات " و " معاملات " مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة " الفقه " . ومع أنه كان المقصود به - في أول الأمر - مجرد التقسيم " الفني " الذي هو طابع التأليف العلمي ، إلا أنه - مع الأسف - أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور ، تبعها - بعد فترة - آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها ؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة " العبادة " إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط ، الذي يتناوله " فقه العبادات " . بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط ، الذي يتناوله " فقه المعاملات " ! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي .
" ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى " العبادة " أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة ، أولا وأخيرا .
" وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم ، ونظام الاقتصاد ، والتشريعات الجنائية ، والتشريعات المدنية ، وتشريعات الأسرة . وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج
" ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى " العبادة " في حياة الإنسان . . والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف ، محققا لهذه الغاية - التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني - إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني ؛ فيتم بذلك إفراد الله - سبحانه - بالألوهية ؛ والاعتراف له وحده بالعبودية . . وإلا فهو خروج عن العبادة لأنه خروج عن العبودية . أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله . أي خروج عن دين الله !
" وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم " العبادات " وخصوها بهذه الصفة - على غير مفهوم التصور الإسلامي - حين تراجع في مواضعها في القرآن ، تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها . وهي أنها لم تجيء مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم " المعاملات " . . إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ، ومرتبطة في المنهج التوجيهي . باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج " العبادة " التي هي غاية الوجود الإنساني ، وتحقيقا لمعنى العبودية ، ومعنى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية .
" إن ذلك التقسيم - مع مرور الزمن - جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا " مسلمين " إذا هم أدوا نشاط " العبادات " - وفق أحكام الإسلام - بينما هم يزاولون كل نشاط " المعاملات " وفق منهج آخر . . لا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر . . ! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله !
" وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو - فإنما يخرج من هذه الوحدة ، أو بتعبير آخر : يخرج من هذا الدين .
" وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ؛ ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني "
فالآن نضيف إلى هذه الفقرات ما قلناه من قبل في هذا الجزء من أن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة لم يكن يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . . بل أنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية ! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو " الدينونة " لله وحده في أمر كله ، وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في أمره كله . ولقد فسر رسول الله [ ص ] " العبادة " نصا بأنها " الاتباع " وليست هي الشعائر التعبدية ، وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى ، واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا : " بلى إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " . . إنما أطلقت لفظة " العبادة " على " الشعائر التعبدية " باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . صورة لا تستغرق مدلول العبادة ، بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة ! . .
ولقد قلنا من قبل في هذا الجزء : " إن الواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات ؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان ! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد ، وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ، وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء .
" إن توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد القوامة ، وتوحيد الحاكمية ، وتوحيد مصدر الشريعة ، وتوحيد منهج الحياة ، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة . . إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل ، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود ، وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلم على مدار الزمان . . لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه . فالله سبحانه غني عن العالمين . ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح لائقة بالإنسان ، إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء " . .
وقد وعدنا هناك أن نزيد هذا الأمر بيانا في هذا التعقيب الختامي الأخير .
فالآن نبين إجمالا قيمة حقيقة التوحيد في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء :
ننظر ابتداء إلى أثر حقيقة التوحيد - على هذا النحو الشامل - في كيان الكائن الإنساني نفسه من ناحية وجوده الذاتي ، وحاجته الفطرية ، وتركيبه الإنساني . . أثرها في تصوره . . وأثر هذا التصور في كيانه :
" إن هذا التصور إذ يتناول الأمور على هذا النحو الشامل - بكل معاني الشمول - يخاطب الكينونة البشرية بكل جوانبها ، وبكل أشواقها ، وبكل حاجاتها ، وبكل اتجاهاتها ، ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها ، جهة تطلب عندها كل شيء ، وتتوجه إليها بكل شيء . جهة واحدة ترجوها وتخشاها ، وتتقي غضبها وتبتغي رضاها جهة واحدة تملك لها كل شيء ، لأنها خالقة كل شيء ، ومالكة كل شيء ، ومدبرة كل شيء .
" كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد ، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها ، وقيمها وموازينها ، وشرائعها وقوانينها . وتجد عنده إجابة عن كل سؤال يجيش فيها وهي تواجه الكون والحياة والإنسان ، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام .
" عندئذ تتجمع هذه الكينونة . . تتجمع شعورا وسلوكا ، وتصورا واستجابة . في شأن العقيدة والمنهج .
وشأن الاستمداد والتلقي . وشأن الحياة والموت . وشأن السعي والحركة . وشأن الصحة والرزق . وشأن الدنيا والآخرة . فلا تتفرق مزقا ؛ ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق ، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق !
" والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو ، تصبح في خير حالاتها . لأنها تكون حينئذ في حالة " الوحدة " التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها . . فالوحدة هي حقيقة الخالق - سبحانه - والوحدة هي حقيقة هذا الكون - على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال - والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء - على تنوع الأنواع والأجناس - والوحدة هي حقيقة الإنسان - على تنوع الأفراد والاستعدادات - والوحدة هي غاية الوجود الإنساني - وهي العبادة - على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها - وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود . .
" وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق " الحقيقة " في كل مجالاتها ، تكون في أوج قوتها الذاتية ؛ وفي أوج تناسقها - كذلك - مع " حقيقة " هذا الكون الذي تعيش فيه ، وتتعامل معه ؛ ومع " حقيقة " كل شيء في هذا الوجود ، مما تتأثر به وتؤثر فيه . . وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار ، وأن تؤدي أعظم الأدوار .
" وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل ، صنع الله بها في الأرض أدوارا عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني ، وفي كيان التاريخ الإنساني . .
" وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى - وهي لا بد كائنة بإذن الله - سيصنع الله بها الكثير ، مهما يكن في طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشيء قوة لا تقاوم ؛ لأنها من صميم قوة هذا الكون ؛ وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضا .
" . . . إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني . وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله - بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة ، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق . فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله ؛ وحين يصبح كل نشاط فيها - صغر أم كبر - جزءا من هذه العبادة ؛ أو كل العبادة ، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه . وهو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية . . هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه . وهو المقام الذي بلغه رسول الله [ ص ] في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها . مقام تلقي الوحي من الله . ومقام الإسراء أيضا :
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالميين نذيرا . . . [ الفرقان : 1 ] .
( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله . لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير ) . . . [ الإسراء : 1 ] .
وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة لله وحده وآثارها في الحياة الإنسانية :
إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره ؛ وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية ، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر - غير النظام الإسلامي - يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية ، في صورة من صورها الكثيرة . . .
سواء عبودية الاعتقاد ، أو عبودية الشعائر ، أو عبودية الشرائع . . فكلها عبودية ؛ وبعضها مثل بعض ؛ تخضع الرقاب لغير الله ؛ بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله
والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين ! لا بد للناس من دينونة . والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله ؛ في كل جانب من جوانب الحياة !
إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط . ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة :
( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، والنار مثوى لهم ) . . . [ محمد : 12 ]
ولا يخسر الإنسان شيئا كأن يخسر آدميته ، ويندرج في عالم البهيمة ، وهذا هو الذي يقع حتما بمجرد التملص من الدينونة لله وحده ، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة .
ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد . . يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم ، لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم - سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم ، أو في طبقة حاكمة ، أو في جنس حاكم - فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده ، ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعداها . .
ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين . . فهذه هي الصورة الصارخة ، ولكنها ليست هي كل شيء ! . . إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية ؛ ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة ! ونضرب مثالا لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلا ! أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جدا من البشر ؟ . . كل الذين يسمونهم متحضرين . . ! إن الزي المفروض من آلهة الأزياء - سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات . . . الخ . . ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها ؛ أو يفكر في الخروج عنها ! ولو دان الناس - في هذه الجاهلية " الحضارية ! " لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عبادا متبتلين ! . . فماذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه ؟ وماذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضا ؟ !
وإن الإنسان ليبصر أحيانا بالمرأة المسكينة ، وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها ، وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها ، وتضع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثارا للسخرية ! ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرها وتذلها لهذه المهانة التي لا تملك لها ردا ، ولا تقوى على رفض الدينونة لها ، لأن المجتمع كله من حولها يدين لها . فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه ؟ وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك ؟ !
وليس هذا إلا مثلا واحدا للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده ؛ وحين يدينون لغيره من العبيد . . وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر ، ولعبودية البشر للبشر !
وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم ، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد ، في صورة من صور الدينونة . . سواء في صورة حاكمية التشريع ، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد ، أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور . .
إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي ؛ والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صورا منها ؛ وتمثل أوهام العوام المختلفة صورا منها ؛ وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال - وأحيانا من الأولاد ! - تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف ؛ ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة ، ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب ! ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت ! ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار ! ومن . . ومن . . من الأوهام التي ما يزال الناس منها في رعب وفي خوف وفي تقرب وفي رجاء ، حتى تتقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم ، وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء !
وقد مثلنا لتكاليف الدينونة لغير الله في الأعراف والتقاليد بأرباب الأزياء والمودات ! فينبغي أن نعلم كم من الأموال والجهود تضيع - إلى جانب الأعراض والأخلاق - في سبيل هذه الأرباب
إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق على الدهون والعطور والأصباغ ؛ وعلى تصفيف الشعر وكيه ؛ وعلى الأقمشة التي تصنع منها الأزياء المتقلبة عاما بعد عام ، وما يتبعها من الأحذية المناسبة والحلى المتناسقة مع الزي والشعر والحذاء ! . . . إلى آخر ما تقضي به تلك الأرباب النكدة . . إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق نصف دخله ونصف جهده لملاحقة أهواء تلك الأرباب المتقلبة التي لا تثبت على حال . ومن ورائها اليهود أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الخاصة بدنيا تلك الأرباب ! ولا يملك الرجل ولا المرأة وهما في هذا الكد الناصب أن يتوقفا لحظة عن تلبية ما تقتضيه تلك الدينونة النكدة من تضحيات في الجهد والمال والعرض والخلق على السواء !
وأخيرا تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية . . وما من أضحية يقدمها عابد الله لله ، إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة ! من الأموال والأنفس والأعراض .
وتقام أصنام من " الوطن " ومن " القوم " ومن " الجنس " ومن " الطبقة " ومن " الإنتاج " . . . ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب . .
وتدق عليها الطبول ؛ وتنصب لها الرايات ؛ ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد . . وإلا فالتردد هو الخيانة ، وهو العار . . وحتى حين يتعارض العرض . مع متطلبات هذه الأصنام ، فإن العرض هو الذي يضحى ؛ ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم ! كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام ، ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام
إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ؛ ليعبد الله وحده في الأرض ؛ وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام ، ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان . . إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله ! والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذ هم جاهدوا في سبيل الله ، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد ، وفوقها الأخلاق والأعراض . . إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله ؛ وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار !
وأخيرا فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده ، ورفض العبادة والدينونة لغيره من خلقه ، ذو قيمة
كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن ينفق في تأليه الأرباب الزائفة . كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض ، وترقيتها ، وترقية الحياة فيها .
وهناك ظاهرة واضحة متكررة أشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء . . وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ، ليقيم من نفسه طاغوتا يعبد الناس لشخصه من دون الله . . احتاج هذا الطاغوت كي يعبد [ أي يطاع ويتبع ] إلى أن يسخر كل القوى والطاقات ؛ أولا لحماية شخصه . وثانيا لتأليه ذاته . واحتاج إلى حواش وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده ، وترتل ذكره ، وتنفخ في صورته " العبدية " الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان " الألوهية " العظيمة ! وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة ! وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها . وحشد الجموع - بشتى الوسائل - للتسبيح باسمها ، وإقامة طقوس العبادة لها . . . !
وهو جهد ناصب لا يفرغ أبدا . لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل . وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد !
وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال - وأرواح أحيانا وأعراض ! - لو أنفق بعضها في عمارة الأرض ، والإنتاج المثمر ، لترقية الحياة البشرية وإغنائها ، لعاد على البشرية بالخير الوفير . . ولكن هذه الطاقات والأموال - والأرواح أحيانا والأعراض - لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون لله وحده ؛ وإنما يدينون للطواغيت من دونه .
ومن هذه اللمحة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة لله وحده ؛ وعبادة غيره من دونه . . وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض ، والقيم والأخلاق . وفوق الذل والقهر والدنس والعار !
وليس هذا في نظام أرضي دون نظام ، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات .
" ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده ، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكمهوهم بغير شريعته ، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره . العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم ، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة .
" لقد هربت أوربا من الله - في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف - وثارت على الله - سبحانه - في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة ! ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم - ومصالحهم كذلك - في ظل الأنظمة الفردية [ الديمقراطية ] وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية ، والأوضاع النيابية البرلمانية ، والحريات الصحفية ، والضمانات القضائية والتشريعية ، وحكم الأغلبية المنتخبة . . . إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة . . ثم ماذا كانت العاقبة ؟ كانت العاقبة هي طغيان " الرأسمالية " ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات ، وكل تلك التشكيلات ، إلى مجرد لافتات ، أو إلى مجرد خيالات ! ووقعت الأكثرية الساحقة في عبودية ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال ،
فتملك معه الأغلبية البرلمانية ! والدساتير الوضعية ! والحريات الصحفية ! وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، في معزل عن الله سبحانه ! ! !
" ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغي فيها " رأس المال " و " الطبقة " إلى الأنظمة الجماعية ! فماذا فعلوا ؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة " الرأسماليين " الدينونة لطبقة " الصعاليك " ! أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان ! فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين !
" وفي كل حالة ، وفي كل وضع ، وفي كل نظام ، دان البشر فيه للبشر ، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة . دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال .
" إنه لا بد من عبودية ! فإن لا تكن لله وحده تكن لغير الله . . والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا كراما شرفاء أعلياء . . والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم . ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية .
" من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات الله - سبحانه - وفي كتبه . . وهذه السورة نموذج من تلك العناية . . فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة . ولكنها تتعلق بالإنسان كله ، في كل زمان وفي كل مكان ؛ وتتعلق بالجاهليات كلها . . جاهليات ما قبل التاريخ ، وجاهليات التاريخ . وجاهلية القرن العشرين . وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد " .
والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية : أنه يتجلى بوضوح من التقريرات القرآنية بجملتها - وهذه السورة نموذج منها - أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية - التي يعبر عنها في هذه السورة بالعبادة - هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام ؛ وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام !
إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم . وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد . وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق . . ثم هي بعد - بعد ذلك لا قبله - قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام ؛ وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام . وتنفذ فيها الأحكام .
وكذلك فإن قضية " العبادة " ليست قضية شعائر ؛ وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة . . وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين . . واستحقت كل هذه الرسل والرسالات . واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات .
والآن نجيء إلى تتابع هذا القصص في السورة ؛ ودلالته على الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في تاريخ البشرية :
لقد بينا من قبل في التعقيب على قصة نوح أن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية على يدي آدم
عليه السلام أبي البشر الأول ، ثم على يدي نوح - عليه السلام - أبي البشر الثاني . . ثم بعد ذلك على يدي كل رسول . . وأن الإسلام يعني توحيد الألوهية من ناحية الاعتقاد والتصور والتوجه بالعبادة والشعائر ، وتوحيد الربوبية من ناحية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع : أي توحيد القوامة والحاكمية والتوجه والتشريع .
ثم بينا كذلك أن الجاهلية - سواء كانت جاهلية الاعتقاد والتصور والعبادة والشعائر ! أو جاهلية الدينونة والاتباع والطاعة والخضوع - أو هما معا - كانت تطرؤ على البشرية بعد معرفة الإسلام على أيدي الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - وكانت تفسد عقائدهم وتصوراتهم ، كما تفسد حياتهم وأوضاعهم ؛ بالدينونة لغير الله - سبحانه - سواء كانت هذه الدينونة لطوطم أو حجر أو شجرأو نجم أو كوكب ، أو روح أو أرواح شتى ؛ أو كانت هذه الدينونة لبشر من البشر : كاهن أم ساحر أم حاكم . . فكلها سواء في دلالتها على الانحراف عن التوحيد إلى الشرك ، والخروج من الإسلام إلى الجاهلية .
ومن هذا التتابع التاريخي - الذي يقصه الله سبحانه في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - يتبين خطأ المنهج الذي يتبعه علماء الدين المقارن ؛ وخطأ النتائج التي يصلون إليها عن طريقه . .
خطأ المنهج لأنه يتبع خط الجاهليات التي عرفتها البشرية ، ويهمل خط التوحيد الذي جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم - وهم حتى في تتبعهم لخط الجاهليات لا يرجعون إلا لما حفظته آثار العهود الجاهلية التي يحوم عليها التاريخ - ذلك المولود الحدث الذي لا يعرف من تاريخ البشرية إلا القليل ؛ ولا يعرف هذا القليل إلا عن سبيل الظن والترجيح ! - وحتى حين يصلون إلى أثر من آثار التوحيد الذي جاءت به الرسالات رأسا في إحدى الجاهليات التاريخية في صورة توحيد مشوه كتوحيد أخناتون مثلا في الديانة المصرية القديمة ؛ فإنهم يتعمدون إغفال أثر رسالة التوحيد - ولو على سبيل الاحتمال - وقد جاء أخناتون في مصر بعد عهد يوسف - عليه السلام - وتبشيره بالتوحيد كما جاء في القرآن الكريم - حكاية عن قوله لصاحبي السجن في سورة يوسف - :
( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . . . [ يوسف : 37 - 40 ]
وهم إنما يفعلون ذلك ، لأن المنهج كله إنما قام ابتداء على أساس العداء والرفض للمنهج الديني ، بسبب ما ثار بين الكنيسة الأوروبية والبحث العلمي في كل صوره في فترة من فترات التاريخ . فبدأ المنهج وفي عزم أصحابه أن يصلوا إلى ما يكذب مزاعم الكنيسة من أساسها ، للوصول إلى تحطيم الكنيسة ذاتها . ومن أجل هذا جاء منهجا منحرفا منذ البدء ، لأنه يتعمد الوصول سلفا إلى نتائج معينة ، قبل البدء في البحث !
وحتى حين هدأت حدة العداء للكنيسة بعد تحطيم سيطرتها العلمية والسياسية والاقتصادية الغاشمة فإن المنهج استمر في طريقه . لأنه لم يستطع أن يتخلص من أساسه الذي قام عليه ، والتقاليد التي تراكمت على هذا الأساس ، حتى صارت من أصول المنهج !
أما خطأ النتائج فهو ضرورة حتمية لخطأ المنهج من أساسه . هذا الخطأ الذي طبع نتائج المنهج كلها بهذا الطابع . .
على أنه أيا كان المنهج وأيا كانت النتائج التي يصل إليها ؛ فإن تقريراته مخالفة مخالفة أساسية للتقريرات الإلهية كما يعرضها القرآن الكريم . . وإذا جاز لغير مسلم أن يأخذ بنتائج تخالف مخالفة صريحة قول الله سبحانه في مسألة من المسائل ؛ فإنه لا يجوز لباحث يقدم بحثه للناس على أنه " مسلم " أن يأخذ بتلك النتائج . ذلك أن التقريرات القرآنية في مسألة الإسلام والجاهلية ، وسبق الإسلام للجاهلية في التاريخ البشري ، وسبق التوحيد للتعدد والتثنية . . قاطعة ، وغير قابلة للتأويل . فهي مما يقال عنه : إنه معلوم من الدين بالضرورة . وعلى من يأخذ بنتائج علم الأديان المقارنة في هذا الأمر ، أن يختار بين قول الله سبحانه وقول علماء الأديان . أو بتعبير آخر : أن يختار بين الإسلام وغير الإسلام ! لأن قول الله في هذه القضية منطوق وصريح ، وليس ضمنيا ولا مفهوما !
وعلى أية حال فإن هذا ليس موضوعنا الذي نستهدفه في هذا التعقيب الأخير . . إنما نستهدف هنا رؤية الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في التاريخ البشري ؛ والإسلام والجاهلية يتعاوران البشرية ؛ والشيطان يستغل الضعف البشري وطبيعة التكوين لهذا المخلوق المزدوج الطبيعة والاتجاه ، ويجتال الناس عن الإسلام بعد أن يعرفوه ، إلى الجاهلية ؛ فإذا بلغت هذه الجاهلية مداها بعث الله للناس رسولا يردهم إلى الإسلام . ويخرجهم من الجاهلية . وأول ما يخرجهم منه هو الدينونة لغير الله سبحانه من الأرباب المتفرقة . . وأول ما يردهم إليه هو الدينونة لله وحده في أمرهم كله ، لا في الشعائر التعبدية وحدها ، ولا في الاعتقاد القلبي وحده .
إن هذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقف البشرية اليوم ، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك . .
إن البشرية اليوم - بجملتها - تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التي أخرجها منها آخر رسول - محمد [ ص ] - وهي جاهلية تتمثل في صور شتى :
بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه ، وإنكار لوجوده . . فهي جاهلية اعتقاد وتصور ، كجاهلية الشيوعيين .
وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه ، وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الدينونة والاتباع والطاعة ، كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم . . وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك .
وبعضها يتمثل في اعتراف صحيح بوجود الله سبحانه ، وأداء للشعائر التعبدية . مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ومع شرك كامل في الدينونة والاتباع والطاعة . وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم " مسلمين " ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه - بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية ؛ مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ؛ ومع استسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد !
وكلها جاهلية . وكلها كفر بالله كالأولين . أو شرك بالله كالآخرين . .
إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح ؛ تؤكد لنا أن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة ، وأنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التي أنقذها منها الإسلام مرات متعددة ، كان آخرها الإسلامالذي جاء به محمد [ ص ] . . وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي ، والمهمة الأساسية التي عليها أن تقوم بها للبشرية ؛ ونقطة البدء الحاسمة في هذه المهمة .
إن على هذه الطلائع أن تبدأ في دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام كرة أخرى ، والخروج من هذه الجاهلية النكدة التي ارتدت إليها . على أن تحدد للبشرية مدلول الإسلام الأساسي : وهو الاعتقاد بألوهية الله وحده ، وتقديم الشعائر التعبدية لله وحده والدينونة والاتباع والطاعة والخضوع في أمور الحياة كلها لله وحده . . وأنه بغير هذه المدلولات كلها لا يتم الدخول في الإسلام ؛ ولا تحتسب للناس صفة المسلمين ؛ ولا تكون لهم تلك الحقوق التي يرتبها الإسلام لهم في أنفسهم وأموالهم كذلك . وأن تخلف أحد هذه المدلولات كتخلفها جميعا ، يخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ، ويصمهم بالكفر أو بالشرك قطعا . .
إنها دورة جديدة من دورات الجاهلية التي تعقب الإسلام . فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يواجه الجاهلية ، ليرد الناس إلى الله مرة أخرى ، ويخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . .
ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوى من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية . . فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية ؛ وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي - وهي تحسبه مجتمعا مسلما - وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية ، بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلا ، لا من حيث تزعم ! والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع . . بعيدة جدا . .
ونقف الوقفة الأخيرة في هذا التعقيب الأخير أمام موقف الرسل الموحد من أقوامهم الذين أرسلوا إليهم . واختلاف هذا الموقف عند البدء وعند النهاية ؛ كما يعرضه قصص الرسل في هذه السورة :
لقد أرسل كل رسول إلى قومه . وعند بدء الدعوة كان الرسول واحدا من قومه هؤلاء . يدعوهم إلى الإسلام دعوة الأخ لإخوته ؛ ويريد لهم ما يريد الأخ لإخوته من الخير الذي هداه الله إليه ؛ والذي يجد في نفسه بينة من ربه عليه .
هذا كان موقف كل رسول من قومه عند نقطة البدء . . ولكن هذا لم يكن موقف أي رسول عند نقطة الختام !
لقد استجابت للرسول طائفة من قومه فآمنوا بما أرسل به إليهم . . عبدوا الله وحده كما طلب إليهم ، وخلعوا مكن أعناقهم ربقة الدينونة لأي من خلقه . . وبذلك صاروا مسلمين . . صاروا " أمة مسلمة " . . ولم تستجب للرسول طائفة أخرى من قومه . كفروا بما جاءهم به ؛ وظلوا في دينونتهم لغير الله من خلقه ؛ وبقوا في جاهليتهم لم يخرجوا منها إلى الإسلام . . ولذلك صاروا " أمة مشركة " . .
لقد انقسم القوم الواحد تجاه دعوة الرسول إلى أمتين اثنتين : أمة مسلمة وأخرى مشركة ولم يعد القوم الواحد أمة واحدة كما كانوا قبل الرسالة . مع أنهم قوم واحد من ناحية الجنس والأرومة . إلا أن آصرة الجنس والأرومة ، وآصرة الأرض والمصالح المشتركة . . لم تعد هي التي تحكم العلاقات بينهم كما كانوا قبل الرسالة . . لقد ظهرت مع الرسالة آصرة أخرى تجمع القوم الواحد أو تفرقه . . تلك هي آصرة العقيدة والمنهج والدينونة . . وقد فرقت هذه الآصرة بين القوم الواحد ، فجعلته أمتين مختلفتين لا تلتقيان ، ولا تتعايشان !
ذلك أنه بعد برزو هذه المفارقة بين عقيدة كل من الأمتين ؛ فاصل الرسول والأمة المسلمة التي معه قومهمعلى أساس العقيدة والمنهج والدينونة . فاصلوا الأمة المشركة التي كانت قبل الرسالة هي قومهم وهي أمتهم وهي أصلهم . . لقد افترق المنهجان ، فاختلفت الجنسيتان . وأصبحت الأمتان الناشئتان من القوم الواحد لا تلتقيان ولا تتعايشان !
وعندما فاصل المسلمون قومهم على العقيدة والمنهج والدينونة فصل الله بينهما ؛ فأهلك الأمة المشركة ، ونجى الأمة المسلمة . . واطردت هذه القاعدة على مدار التاريخ كما رأينا في السورة . .
والأمر الذي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان أن تكون على يقين منه : أن الله سبحانه لم يفصل بين المسلمين وأعدائهم من قومهم ، إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم ؛ وأعلنوا مفارقتهم لما هم عليه من الشرك ؛ وعالنوهم بأنهم يدينون لله وحده ، ولا يدينون لأربابهم الزائفة ؛ ولا يتبعون الطواغيت المتسلطة ؛ ولا يشاركون في الحياة ولا في المجتمع الذي تحكمه هذه الطواغيت بشرائع لم يأذن بها الله . سواء تعلقت بالاعتقاد ، أو بالشعائر ، أو بالشرائع .
إن يد الله سبحانه لم تتدخل لتدمر على الظالمين ، إلا بعد أن فاصلهم المسلمون . . وما دام ، المسلمون لم يفاصلوا قومهم ، ولم يتبرأوا منهم ، ولم يعالنوهم بافتراق دينهم عن دينهم ، ومنهجهم عن منهجهم ، وطريقهم عن طريقهم ، لم تتدخل يد الله سبحانه للفصل بينهم وبينهم ، ولتحقيق وعدالله بنصر المؤمنين والتدمير على الظالمين . .
وهذه القاعدة المطردة هي التي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي أن تدركها ؛ وأن ترتب حركتها على أساسها :
إن الخطوة الأولى تبدأ دعوة للناس بالدخول في الإسلام ؛ والدينونة لله وحده بلا شريك ؛ ونبذ الدينونة لأحد من خلقه - في صورة من صور الدينونة - ثم ينقسم القوم الواحد قسمين ، ويقف المؤمنون الموحدون الذين يدينون لله وحده صفا - أو أمة - ويقف المشركون الذين يدينون لأحد من خلق الله صفا آخر . . ثم يفاصل المؤمنون المشركين . . ثم يحق وعد الله بنصر المؤمنين والتدمير على المشركين . . كما وقع باطراد على مدار التاريخ البشري .
ولقد تطول فترة الدعوة قبل المفاصلة العملية . ولكن المفاصلة العقيدية الشعورية يجب أن تتم منذ اللحظة الأولى .
ولقد يبطيء الفصل بين الأمتين الناشئتين من القوم الواحد ؛ وتكثر التضحيات والعذابات والآلام على جيل من أجيال الدعاة أو أكثر . . ولكن وعد الله بالفصل يجب أن يكون في قلوب العصبة المؤمنة أصدق من الواقع الظاهر في جيل أو أجيال . فهو لا شك آت . ولن يخلف الله وعده الذي جرت به سنته على مدار التاريخ البشري .
ورؤية هذه السنة على هذا النحو من الحسم والوضوح ضرورية كذلك للحركة الإسلامية في مواجهة الجاهلية البشرية الشاملة . فهي سنة جارية غير مقيدة بزمان ولا مكان . . وما دامت طلائع البعث الإسلامي تواجه البشرية اليوم في طور من أطوار الجاهلية المتكررة ؛ وتواجهها بذات العقيدة التي كان الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - يواجهونها بها كلما ارتدت وانتكست إلى مثل هذه الجاهلية . فإن للعصبة المسلمة أن تمضي في طريقها ، مستوضحة نقطة البدء ونقطة الختام ، وما بينهما من فترة الدعوة كذلك . مستيقنة أن سنة الله جارية مجراها ، وأن العاقبة للتقوى .
وأخيرا ، فإنه من خلال هذه الوقفات أمام القصص القرآني في هذه السورة تتبين لنا طبيعة منهج هذا الدين ، كما يتمثل في القرآن الكريم . . إنها طبيعة حركية تواجه الواقع البشري بهذا القرآن مواجهة واقعية عملية .
لقد كان هذا القصص يتنزل على رسول الله [ ص ] في مكة . والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها ، والدعوة الإسلامية مجمدة فيها ، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية ! فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق ؛ ويريهم معالمه في مراحله جميعا ؛ ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق ؛ وقد بات لاحبا موصولا بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري ؛ وبات بهذا الركب الكريم مأنوسا مألوفا لا موحشا ولا مخوفا ! . . إنهم زمرة من موكب موصول في طريق معروف ؛ وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع ! وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية ؛ ولا يمضون هكذا جزافا يتبعون الصدفة العابرة !
هكذا كان القرآن يتحرك في الصف المسلم ؛ ويحرك هذا الصف حركة مرسومة مأمونة . . وهكذا يمكن اليوم وغدا أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي ، ويحركها كذلك في طريق الدعوة المرسوم . .
إن هذه الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه . تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها ؛ وتستوحيه في ما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات ؛ وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق
والقرآن - بهذه الصورة - لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة . ولكنه ينتفض حيا يتن
123 { وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ } .
أي : ولله وحده علم ما غاب في السماوات والأرض ؛ فلا يخفى عليه شيء في سركم وجهركم .
بهذه الآية ، نختم هذه السورة ، الحافلة بقصص الأنبياء ، والتعليق المناسب على هذا القصص ، وهذا القصص غيب لم يكن عند الرسول صلى الله عليه وسلم علم به ، وكان أهل الكتاب عندهم علم ببعضه ، لكنه خليط من الصدق والكذب ، أو الواقع والخيال .
ثم إن هذا القصص كان غيبا بالنسبة للعرب ، والذي كان عندهم منه أوهام وظنون ، فقدم القرآن قصصا حقيقيا متكاملا عن رسل الله العظام : نوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب عليهم السلام .
وفي الآية 49 من سورة هود يقول الحق سبحانه : { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } .
إن جميع أنواع الغيب في السماوات والأرض يملكه الله ؛ فهو سبحانه { له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما و ما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } . ( طه : 68 ) .
{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ } .
مصائر الأمور كلها راجعة إليه ، من إحياء وإماتة ، وهداية وضلال ، وصحة ومرض ، ونصر وهزيمة ، فخيوط الأمر كلها ترجع إليه ، يدبرها بحكمته ، ويحركها بمشيئته ، ويرسها بإرادته ، وهو اللطيف الخبير .
{ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } .
فأخلص العبادة له ؛ فالعبادة حق له وحده ، والعبادة زاد روحي وسعادة نفسية ، وصفاء ومحبة ومودة بين المخلوق والخالق ، وبعد العبادة يأتي صدق التوكل على الله ؛ فبيده الخلق والأمر . قال تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا } . ( الطلاق : 3 ) .
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } .
بل هو سبحانه عالم بجميع أحوال عباده صغيرها وكبيرها ، وسيجازيهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
قال تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } . ( الأنعام : 59 ) .
ويقول عز شأنه : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } . ( المجادلة : 7 ) .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وفق الله تعالى لإتمام تفسير سورة هود عشية يوم الثلاثاء 6 محرم 1415 ه الموافق 14 يونيو 1994 بجامعة السلطان قابوس ، بمدينة مسقط سلطنة عمان .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
تم الفراغ من تفسير الجزء الحادي عشر من القرآن الكريم في ضحى يوم الاثنين 19 شعبان 1414 ه /الموافق 31 يناير سنة 1994م . بجامعة السلطان قابوس( كلية التربية والعلوم الإسلامية ) . بسلطنة عمان والله ولي التوفيق .
1 محمود شلتوت ، إلى القرآن الكريم ص 77 .
بحمد الله وبها تم الجزء( الحادي عشر )
4كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات :
رواه مسلم في القدر( 2653 ) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ؛ قال : وعرشه على الماء ) .
5مختصر تفسير ابن كثير : اختصار وتحقيق : محمد على الصابوني 2212 ؛ وهو كلام يحمل مسئولية قائله ، أو هو تفسير خاص بصاحبه .
6سائل مفروز بواسطة الغدد الخاصة بالتناسل ، وهو يحتوي على الحيوانات المنوية .
7 دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ، للمستشرق موريس بوكاي ، الترجمة العربية ، نشر دار المعارف بالقاهرة ص212 .
رواه أحمد في مسنده ( 7873 ) من حديث أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني ، فأنبئني عن كل شيء ( فقال : كل شيء خلق من ماء ) قال : قلت يا رسول الله ، أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة قال : ( أفش السلام ، وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثم ادخل الجنة بسلام ) . وأخرجه الحاكم ، وصححه البيهقي في الأسماء والصفات ، وابن نصر في الصلاة ، وابن حبان كذا في الدر المنثور .
10 عبارة المنار ؛ أن تفهم الكتابة ، وهي تصحيف عن الكناية .
11 إن المطابقة واضحة بين مفهوم السديم الأولي في العلم الحديث ، والدخان على حسب دلالة القرآن للدلالة على الحالة الغازية الغالبة للمادة التي كونت الكون في هذه المرحلة الأولى ، فلعل كناية القرآن بقوله : { وكان عرشه على الماء } للإشارة إلى الحالة الغازية الغالبة للمادة التي كونت الكون ، أو لعلها كناية عن ملك الله تعالى لأصل الحياة والأحياء .
12 تفسير المنار جزء 12 ص 16 ، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب .
13تفسير المنار جزء ص 18 ، 19 ، بتصرف واختصار .
14في ظلال القرآن ، بقلم الأستاذ : سيد قطب ، المجلد 4 ، جزء 12 ، ص 1858 .
رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4485 ) ، وفي الاعتصام ( 7362 ) ، وفي التوحيد ( 7542 ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : { آمنا بالله وما أنزل إلينا . . . الآية } .
17 باب التفسير 8- 297 من فتح الباري .
18 القرآن والتفسير ، للدكتور : عبد الله شحاتة ، ص 251 .
19عمدة التفسير ، عن الحافظ ابن كثير ص 14 .
20 فتح البيان في مقاصد القرآن صديق خان 4/230 ، دار الفكر العربي .
21 فتح البيان ؛ صديق خان 4/32 دار الفكر العربي .
23 تفسير القرآن الشهير بتفسير المنار 12/44 ، طبعت بالأوفست ( الطبعة الثانية ) دار المعرفة لبنان .
24 تفسير التحرير والتنوير تأليف محمد الطاهر بن عاشور 12/20 ، 21 الدار التونسية للنشر .
25 تفسير المراغي 12/ 14 ، 15 .
26 قارن بتفسير المنار 12/ 233 ، وتفسير التحرير والتنوير 12/22 .
27 تفسير أبي السعود 4/ 193 ، 194 ، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان .
28 إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ :
رواه البخاري ( 1 ، 6689 ، 6953 ) ، ومسلم في كتاب الإمارة حديث رقم ( 3530 ) ، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد حديث رقم ( 1571 ) ، والنسائي في كتاب الطهارة حديث رقم ( 74 ) ، وفي الطلاق حديث رقم ( 3383 ) ، وفي الأيمان والنذور حديث رقم ( 3734 ) ، وأبو داود في كتاب الطلاق حديث رقم ( 1882 ) ، وابن ماجة في كتاب الزهد حديث رقم ( 4217 ) ، وأحمد في مسنده رقم ( 163 ، 283 ) ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو إلى امرأة ينكحها ؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه . )
29 التفسير المنير د . وهبة الزحيلي 12/39 .
30 التفسير الوسيط د . محمد سيد طنطاوي المجلد السابع سورة هود ص 43 .
31 تفسير أبي السعود 4/195 ، والمراد بالأول : المؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم .
32 والذي نفسي بيده ! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة :
رواه مسلم في الإيمان ( 218 ) ، وأحمد في مسنده ( 7856 ) ، من حديث أبي هريرة : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفس محمد بيده ! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ؛ إلا كان من أصحاب النار ) .
34 يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه :
البخاري في التوحيد ( 7514 ) ، ومسلم في التوبة ( 2768 ) ، وابن ماجة في المقدمة ( 183 ) ، كلهم عن ابن عمر رضي الله عنه .
35 تفسير المنار 12/ 59 دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .
رواه مسلم في البر ( 2564 ) ، وابن ماجة في الزهد ( 4143 ) ، وأحمد في مسنده ( 7768 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) .
37 المصحف المفسر ، للأستاذ : محمد فريد وجدي ، ص 290 .
رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ( 501 ) ، من حديث الحسين بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمان لأمتي من الغرق ؛ إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله الملك الرحمان { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } . { وما قدروا الله حق قدره } . إلى آخر الآية ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير ( 1613 ) ، ونسبه لأبي يعلى في مسنده ، وابن السني ، ورمز لضعفه . قال المناوي في فيض القدير : قال بن حجر : وجنادة ضعيف ، وشيخه أضعف منه ، وشيخ شيخه كذلك ، بالاتفاق فيهما ، وطلحة مجهول . انتهى . وفي الميزان يحيى بن العلاء قال أحمد : كذاب يضع الحديث ، ثم ساق له أخبارا هذا منها . وقال الهيثمي في المجمع : رواه أبو يعلى عن شيخه جبارة بن مغلس وهو ضعيف . وقال الهيثمي في المجمع : عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمان أمتي من الغرق ؛ إذا ركبوا السفن أو البحر أن يقولوا : بسم الله الملك { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ، { بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } . وقال : رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه نهشل بن سعيد ، وهو متروك .
40 تفسير القاسمي نقلا عن الإمام السكاكي في كتابه : المفتاح ، بحث البلاغة والفصاحة ، وانظر تفسير سورة هود للدكتور : محمد سيد طنطاوي ، ص 84 .
44 تفسير المراغي للأستاذ : أحمد مصطفى المراغي ، المجلد الرابع ، جزء 12 ص 45 ، وهو كلام حسن .
45 انظر الآلوسي ، وتفسير أبي السعود ، والتفسير المنير ، والتفسير الوسيط للدكتور : محمد سيد طنطاوي .
47 لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني :
رواه الترمذي في صفة القيامة ( 2613 ) ، من حديث أبي ذر : ( يقول الله عز وجل : يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديت ، فسلوني الهدى أهدكم ، وكلكم فقير إلا من أغنيت ، فسلوني أرزقكم ، وكلكم مذنب إلا من عافيت ، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي ، ولو أن أولكم وآخرتكم . . . الحديث ) ، وقال : هذا حديث حسن وروى بعضهم هذا الحديث عن شهر بن حوشب عن معد يكرب ، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . قلت : مداره على شهر بن حوشب ، وفيه مقال . ورواه أحمد من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه : قال : ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ، ابن آدم ، إن تلقني بقراب الأرض خطايا ؛ لقيتك بقرابها مغفرة ، بعد أن لا تشرك بي شيئا ، ابن آدم إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي ولفظ أحمد قريب من لفظ حديث الباب قال الهيثمي في المجمع : عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : يا ابن آدم ؛ إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولو أتيتني بملء الأرض خطايا لقيتك بملء الأرض مغفرة ما لم تشرك بي ولو بلغت خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك . ثم قال : رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه ، وبقية رجاله رجال الصحيح . قال العجلوني في كشف الخفاء ( 2088 ) : لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم ؛ لتاب الله عليكم . رواه ابن ماجة عن أبي هريرة وسنده جيد . قال المنذري : ويشهد له ما رواه الترمذي وحسنه عن أنس ، والطبراني عن ابن عباس ، و البيهقي عن أبي ذر ، وابن النجار عن أبي هريرة بلفظ : ( قال الله تعالى : يا ابن آدم ؛ إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك . . . الحديث ) . وذكره الهندي في الكنز ( 10436 ) . عن معد يكرب ، ما كان منك ، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ؛ لقيتك بقرابها مغفرة ، ولو عملت من الخطايا حتى تبلغ عنان السماء ما لم تشرك بي شيئا ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ) .
48 تفسير المراغي 12/61 . ا ه ؛ والله تعالى منزه عن أن يحده زمان أو يحويه مكان فهو سبحانه علة العلل ؛ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ، وما أروع حديث القرآن الكريم عن الموضوع . فقد تحدث بما يتناسب وجلال الله العظيم ، وصفاته ، وألوهيته ، وعدم مشابهته للحوادث .
49 انظر التفسير المنير ، وتفسير ابن كثير ، والتفسير الوسيط للدكتور : محمد سيد طنطاوي .
50 يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد :
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3372 ، 3375 ، 3387 ) ، وفي التفسير ( 4694 ) ، ومسلم في الإيمان ( 151 ) ، والترمذي في التفسير ( 3116 ) ، وابن ماجة في الفتن ( 4026 ) ، وأحمد في مسنده ( 8080 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد .
51 إن الله ليملي للظالم ؛ حتى إذا أخذه لم يفلته :
رواه البخاري في التفسير باب : قوله : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ، ( 4409 ) ومسلم في البر والصلة والآداب ، باب : تحريم الظلم ( 2583 ) وابن ماجة في الفتن باب العقوبات ( 4018 ) عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته ) . قال : ثم قرأ : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } .
52 يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد :
53 انظر تفسير القاسمي للآية . وقد نقل كلام الإمام ابن حزم في هذا المعنى .
54 سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال :
57 تفسير المنار للسيد رشيد رضا 12/145 .
58 مختصر تفسير ابن كثير للأستاذ محمد على الصابوني 2/230 .
59 التفسير الوسيط ، تفسير سورة هود ، للدكتور طنطاوي ، ص 148 .
62 إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته :
63 انظر : تفسير ابن جرير الطبري للآية ، وابن كثير .
64 تفسير سورة هود ، للدكتور محمد سيد طنطاوي ص 169 ، نقلا عن تفسير ابن كثير .
65 تفسير ابن كثير 2/460 ، وانظر التفسير المنير 11/153 .
66 لن يدخل أحدا علمه الجنة ، قالوا : ولا أنت :
رواه البخاري في المرضى ( 5673 ) ، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار ( 2816 ) ، من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول لله صلى الله عليه وسلم : يقول : ( لن يدخل أحد عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : ولا أنا ؛ إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت : إما محسنا ؛ فلعله أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا ؛ فلعله أن يستعتب ) .
رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4730 ) ، والترمذي في تفسير القرآن ( 3056 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد : يا أهل الجنة ، فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم ، هذا الموت ، وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ، ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } ، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ، { وهم لا يؤمنون } . ورواه ابن ماجة في الزهد ( 4327 ) ، والدرامي في الرقاق ( 2811 ) وأحمد في مسنده ( 7493 ، 8689 ، 9186 ) ، من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يؤتى بالموت ، بكبش أغبر فيوقف بين الجنة والنار ، فيقال : ( يا أهل الجنة ، فيشرئبون وينظرون ، ويقال : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون ، ويرون أن قد جاء الفرج فيذبح ويقال : خلود لا موت ) .
68 ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا :
رواه مسلم في الجنة ( 2837 ) ، والترمذي في التفسير ( 3246 ) ، والدارمي في الرقاق( 2834 ) ، وأحمد في مسنده ( 8059 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا ، فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا ، فلا تيأسوا أبدا ، فذلك قوله عز وجل : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } .
رواه مسلم في الإيمان ( 38 ) ، والترمذي في الزهد ( 3410 ) ، وابن ماجة في الفتن ( 3972 ) ، وأحمد في مسنده ، حديث رقم ( 14991 ، 14992 ، 14993 ، 18938 ) ، والدارمي في الرقاق ( 2710 ، 2711 ) ، من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
71 بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا :
رواه البخاري في العلم ( 69 ) ، من حديث أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ، رواه مسلم في الجهاد ( 1732 ) وأبو داود في الأدب ( 4835 ) وأحمد في مسنده ( 27681 ) ، من حديث أبي موسى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحد من أصحابه في بعض أمره قال : ( بشروا ولا تنفروا ويسروا وتعسروا ) . ورواه البخاري في الأدب ( 6124 ) ، وفي المغازي ( 4341 ، 4342 ) ، ومسلم في الأشربة ( 1733 ) ، وأحمد في مسنده ( 19200 ) ، من حديث أبي موسى قال ، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل قال لهما : ( يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ) ، قال : أبو موسى : يا رسول الله ، إنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له : البتع ، وشراب من الشعير يقال له : المزر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر حرام ) .
72 لن يشاد الدين أحد إلا غلبه :
رواه البخاري في الإيمان ( 39 ) ، والنسائي في الصلاة ( 5034 ) ، من حديث أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الدين يسر ولن يشاد الدين إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) .
73 كان صلاته قصدا وخطبته قصدا :
رواه مسلم في الجمعة ( 866 ) وأبو داود في الصلاة ( 1101 ) والترمذي في الجمعة ( 507 ) ، والنسائي في الجمعة ( 1418 ) وفي العيدين ( 1582 ) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1106 ) ، و الدارمي في الصلاة ( 1557 ) ، وأحمد في مسنده ( 20372 ) من حديث جابر بن سمرة قال : كنت أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا .
74 التفسير المنير أ . د . وهبة الزحيلي 12/169 .
75 زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني ص 301 .
76 اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات :
رواه مسلم في البر ( 2578 ) ، من حديث أبي هريرة . وأحمد ( 6171 ، 5629 ) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنه .
77 يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي :
رواه مسلم في البر والصلة والآداب ( 2577 ) و الترمذي في صفة الجنة ( 2525 ) ، وابن ماجة في الصيام ( 1752 ) ، وأحمد ( 5/154 ، 160 ، 177 ) ، وعبد الرزاق ح ( 2072 ) ، من حديث أبي ذر .
78 ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر :
رواه الترمذي في صفة الجنة ( 2525 ) وفي الدعوات ( 3598 ) ، وابن ماجة في الصيام ( 1752 ) ، وأحمد في مسنده ( 7983 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ، ودعوة المظلوم ؛ يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب : وعزتي ! لأنصرنك ولو بعد حين ) .
79 ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ :
رواه أحمد في مسنده ( 2 ، 48 ، 59 ) ، وأبو داود في الصلاة ( 1521 ) ، والترمذي في الصلاة ( 406 ) ، وفي التفسير ( 3006 ) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1395 ) من حديث على رضي الله عنه قال : كنت إذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله تعالى لذلك الذنب ؛ إلا غفر له ، وقرأ هاتين الآيتين : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } ، { والذين فعلوا الفاحشة أو ظلموا أنفسهم . . . الآية } .
80 اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة :
رواه الترمذي في البر ( 1987 ) ، والدارمي في الرقاق ( 2791 ) ، وأحمد في مسنده ( 20874 ) ، من حديث أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وذكره بإسناده من حديث معاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال : قال : محمود . والصحيح حديث أبي ذر . رواه أحمد في مسنده ( 21554 ) ، من حديث معاذ أنه قال : يا رسول الله ، أوصني ، قال : ( اتق الله حيثما كنت ) ، أو أينما كنت ، قال : زدني ، قال : ( أتبع السيئة الحسنة تمحها ) ، قال : ( خالق الناس بخلق حسن ) .
81 أن رجلا أصاب من امرأة قبلة :
رواه البخاري في مواقيت الصلاة ( 526 ) ، وفي التفسير ( 4687 ) ، ومسلم في التوبة ( 2763 ) ، والترمذي في التفسير ( 3112 ، 3114 ) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1398 ) ، وفي الزهد ( 4252 ) ، وأحمد في مسنده ( 3644 ) ، من حديث ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأنزل الله عز وجل { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } ، فقال الرجل : يا رسول الله ، ألى هذا ، قال ( لجميع أمتي كلهم ) .
82 انظر : التفسير القرآني للقرآن ، المجلد الثالث 1213 ، وقد نقل كلاما مناسبا عن الجاحظ ، خلاصته : أن تفرق الناس بين مهمل ، ومجد ومتوسط ، من أسباب إعمار الكون وتناسق أهله .
84 قط : بمعنى : حسب ، وهو الاكتفاء . والقط : الكتاب والصك بالجائزة ، ومنه قوله تعالى : { عجل لنا قطنا } .
85 والتنوين في قوله تعالى : { وكلا } للعوض عن المضاف إليه ، أي : ( وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك ونقصه عليك ونخبرك به ؛ فالمقصود به : تثبيت قلبك وتقوية يقينك ) .
{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ْ } أي : ما غاب فيهما من الخفايا ، والأمور الغيبية .
{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ْ } من الأعمال والعمال ، فيميز الخبيث من الطيب { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ْ } أي : قم بعبادته ، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه ، وتوكل على الله في ذلك .
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ْ } من الخير والشر ، بل قد أحاط علمه بذلك ، وجرى به قلمه ، وسيجري عليه حكمه ، وجزاؤه .
تم تفسير سورة هود ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وسلم .
[ وكان الفراغ من نسخه في يوم السبت في 21 من شهر ربيع الآخر 1347 ]{[439]}
المجلد الرابع من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرب المنان لجامعه الفقير إلى الله : عبد الرحمن بن ناصر السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين .