ثم تبدأ القصة . ويبدأ التحدي وتنكشف يد القدرة تعمل سافرة بلا ستار :
لقد ولد موسى في ظل تلك الأوضاع القاسية التي رسمها قبل البدء في القصة ؛ ولد والخطر محدق به ، والموت يتلفت عليه ، والشفرة مشرعة على عنقه ، تهم أن تحتز رأسه . .
وها هي ذي أمه حائرة به ، خائفة عليه ، تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين ، وترجف أن تتناول عنقه السكين ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة ، عاجزة عن حمايته ، عاجزة عن إخفائه ، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه ؛ عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة . . ها هي ذي وحدها ضعيفة عاجزة مسكينة .
هنا تتدخل يد القدرة ، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة ، وتلقي في روعها كيف تعمل ، وتوحي إليها بالتصرف :
( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ، ولا تخافي ولا تحزني ) . .
يا لله ! يا للقدرة ! يا أم موسى أرضعيه . فإذا خفت عليه وهو في حضنك . وهو في رعايتك . إذا خفت عليه وفي فمه ثديك ، وهو تحت عينيك . إذا خفت عليه ( فألقيه في اليم ) ! !
( ولا تخافي ولا تحزني )إنه هنا . . في اليم . . في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها ، اليد التي لا خوف معها . اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها . اليد التي تجعل النار بردا وسلاما ، وتجعل البحر ملجأ ومناما . اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولا جبابرة الأرض جميعا أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب .
( إنا رادوه إليك ) . . فلا خوف على حياته ولا حزن على بعده . . ( وجاعلوه من المرسلين ) . . وتلك بشارة الغد ، ووعد الله أصدق القائلين .
هذا هو المشهد الأول في القصة . مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح . وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردا وسلاما . ولا يذكر السياق كيف تلقته أم موسى ، ولا كيف نفذته . إنما يسدل الستار عليها ، ليرفعه فإذا نحن أمام المشهد الثاني :
{ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين( 7 ) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( 8 ) وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ( 9 ) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين( 10 ) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون( 11 )*وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون( 12 ) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون( 13 ) }
الوحي : الإلهام ، كما جاء في قوله تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل . . } [ النحل : 68 ] .
اليم : البحر ، والمقصود هنا النيل ، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر لاستبحاره .
الخوف : غم يحصل بسبب توقع مكروه يحدث في المستقبل .
الحزن : غم يحدث بسبب مكروه قد حصل .
7- { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليوم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } .
أي : ألهمنا أم موسى ، أو أرسلنا إليها ملكا يطلب منها ذلك ، وهذا الوحي لا يثبت لها نبوة ، لاتفاق العلماء على أن النبوة خاصة بالأنبياء الذكور ، أو كلفت بذلك في النوم .
والمقصود أن الله أعلمها وأمرها أن ترضعه وقتما تكون آمنة عليه ، فإذا خشيت عليه القتل من جواسيس فرعون ، فعليها أن تضعه في تابوت أو صندوق خشبي وتلقيه في النيل ، وقد أمرها الله ألا تخاف عليه الضياع ، ولا تحزن على مفارقته إياها ، فإن الله سيرده إليها بفضله وقدرته ، وعندما يبلغ سن الرسالة سيجعله الله من المرسلين برحمته وفضله .
اتصال السماء بالأشخاص منّة إلهية ، ووحي الله إلى أم موسى معناه إعلامها بهذا الأمر ، قيل : بواسطة ملك ، وقيل : بواسطة رؤيا منامية ، كرؤيا إبراهيم بذبح ولده ، وقيل : إلهما قذف في قلبها .
ويذكر المفسرون هنا قصة اتصال الملائكة بالناس في أحاديث صحيحة ، مثل قصة الأقرع والأبرص والأعمى ، ii وكانوا مرضى وفقراء ، فأراد الله أن يختبرهم فأرسل ملكا إلى كل واحد منهم ، فطلب كل واحد منهم الشفاء من مرضه ، وأعطى الأول بقرة عشراء ، والثاني ناقة عشراء ، والثالث شاة عشراء ، ثم كثرت أموالهم وصاروا أغنياء أصحاء ، فأراد الله اختبارهم في حالة الغنى ، فأرسل الملاك إلى الأول في صورة شخص أقرع مريض يرجو المعونة ، ولكن الشخص الذي كان أقرع سابقا ، رفض مساعدته ، فذكره الملاك بأنه كان مريضا وفقيرا ، فقال الرجل : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر ، فقال الملاك : اللهم إن كان هذا الرجل كاذبا فأعده إلى ما كان عليه ، فعاد الرجل فقيرا كما كان مريضا ، كما كان ، وفعل الأبرص مثل الأقرع ، فعاد مريضا فقيرا ، أما الأعمى فقد نجح في الامتحان ، وقال للسائل : خذ ما تشاء من المال ، فوالله لا أمنعك مالا أخذته في سبيل الله ، فقال له الملاك : أمسك عليك مالك ، فقد رضي عنك ، وسخط على صاحبيك .
وفي الحديث الصحيح ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر ) . iii
وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن نبيا ، كما في تفسير القرطبي .
وفي الحديث النبوي : ( إن رجلا ذهب لزيارة أخ له في الله ؛ فأرصد الله له ملكا على مدرجته ، وسأله : أين تذهب ، ولماذا ؟ فقال الرجل : أزور أخا لي في الله ، لأني أحبه في الله ؛ فقال الملك : إن الله أرسلني إليك لأخبرك أن الله يحبك بحبك لأخيك )iv .
وقد كلمت الملائكة مريم ابنة عمران وبشرتها بعيسى . . . إلخ ، كما نزلت الملائكة في غزوة بدر ، وفي غزوة بني قريظة ، وفي غزوتي حنين والطائف ، وفي غيرها من الغزوات والمواقف .
قال تعالى : { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } . [ الأحزاب : 43 ]
وفي الحديث الشريف : ( إن لله ملائكة طوافين عليكم ، فإذا أتوا إلى مجلس ذكر قالوا : هلموا إنا قد وجدناهم ، فيحفونهم بأجنحتهم ويشملونهم بالرحمة والسكينة . . )v إلى آخر الحديث .
وكلها تلتقي على أن الله تعالى يسخر الملائكة لإنفاذ أمره ، وتيسير مراده ، ورعاية المؤمنين ، ومعاقبة المفسدين .
اشتملت الآية القرآنية على أمرين ونهيين ، وخبرين وبشارتين .
يروى أن امرأة أنشدت شعراvi ، فمدح الأصمعي فصاحتها وبلاغتها ، فقالت : أبعد قوله تعالى : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه . . } فصاحة ، وقد جمعت بين أمرين ونهيين ، وخبرين وبشارتين ، وتفصيل ذلك :
أن قوله تعالى : { أرضعيه وألقيه } أمران .
وأن قوله تعالى : { لا تخافي ولا تحزني } نهيان .
وقوله تعالى : { إنا راده إليك ، وجاعلوه من المرسلين } خبران وبشارتان .
يروى المفسرون هنا قصصا كثيرا حول بطش فرعون ببني إسرائيل ، ومن ذلك ما ورد في تفاسير : ابن كثير ، ومقاتل بن سليمان ، والقرطبي وغيرهم .
أن فرعون رأى رؤيا فيها أن نارا جاءت من بني إسرائيل فأحرقت عرشه ، ففسرها الكهان بأن طفلا يولد في بني إسرائيل يكون على يديه نهاية ملكه ، فأمر أن تقتل الذكور من بني إسرائيل وتستحيى الإناث ، فقتل فرعون الآلاف من أطفال بني إسرائيل ، ليموت موسى بينهم ، بيد أن عناية الله جعلت فرعون يلتقطه ويربيه ويرعاه لتكون نهايته على يديه ، فإذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب ، ثم قال له كن فيكون .
ولد موسى في ظروف صعبة ، فأرضعته أمه ثلاث أشهر ، وقيل : أربعة أشهر ، حتى خشيت عليه من جواسيس فرعون ؛ فصنعت له تابوتا على هيئة صندوق من ورق البردي ودهنته بالقار وأغلقت الصندوق ، ووضعته في البحر ، وشتان بين صبي في حضن أمه وثديها وحنانها ، ونفس هذا الصبي يلقى في البحر عند الخوف عليه ، فيلقي الله عليه المحبة ، فكل من رآه أحبه ، وتصنع الأقدار ما تشاء ، لتجعل من هذا الصبي المنقذ لبني إسرائيل ، ولتكون نهاية فرعون على يديه .
فأول ذلك ، لما أوجد اللّه رسوله موسى ، الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه ، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة ، التي يذبحون بها الأبناء ، أوحى إلى أمه أن ترضعه ، ويمكث عندها .
{ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } بأن أحسست أحدا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم ، { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } أي نيل مصر ، في وسط تابوت مغلق ، { وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } فبشرها بأنه سيرده عليها ، وأنه سيكبر ويسلم من كيدهم ، ويجعله اللّه رسولا .
وهذا من أعظم البشائر الجليلة ، وتقديم هذه البشارة لأم موسى ، ليطمئن قلبها ، ويسكن روعها ، فإنها خافت عليه ، وفعلت ما أمرت به ، ألقته في اليم ، فساقه اللّه تعالى .