ثم يمضي السياق بعد هذا الهتاف مستنكراً مبدأ التخلف عن رسول اللّه :
( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) .
وفي التعبير تأنيب خفي . فما يؤنب أحد يصاحب رسول اللّه - [ ص ] بأوجع من أن يقال عنه : إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول اللّه ، وهو معه ، وهو صاحبه !
وإنها لإشارة تلحق أصحاب هذه الدعوة في كل جيل . فما كان لمؤمن أن يرغب بنفسه عن مثل ما تعرضت له نفس رسول الله في سبيل هذه الدعوة ؛ وهو يزعم أنه صاحب دعوة ؛ وأنه يتأسى فيها برسول الله [ ص ] إنه الواجب الذي يوجبه الحياء من رسول اللّه - فضلاً على الأمر الصادر من اللّه ومع هذا فالجزاء عليه ما أسخاه !
ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه ، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلاً ، إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون وادياً ، إلا كتب لهم ، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون . .
إنه على الظمأ جزاء ، وعلى النصب جزاء ، وعلى الجوع جزاء . وعلى كل موطئ قدم يغيظ الكفار جزاء . وعلى كل نيل من العدو جزاء . يكتب به للمجاهد عمل صالح ، ويحسب به من المحسنين الذين لا يضيع لهم اللّه أجراً .
{ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 120 وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ 121 }
ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه : أي : لا يؤثروا أنفسهم على نفسه .
واديا : الوادي : هو الأرض التي تكون بين جبلين .
120 ، 121 { ما كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ . . . } الآيتان .
يعاقب الله المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فيقول : { ما كان لأهل المدينة . . . } أي : ما كان ينبغي لأهل المدينة ، ومن حولهم من قبائل العرب المجاورة لها : كمزينة ، وجهينة ، وغفار ، وأشجع ، وأسلم ، التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، ولا أن يؤثروا أنفسهم على نفسه ؛ بأن يطلبوا السلامة بالتخلف عن الجهاد ، فعليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ؛ وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط ، وأن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه الشريفة ، مع العلم بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه ، وذلك يقتضيهم أن يبذلوا أنفسهم دون نفسه ، وأن يدافعوا عنه بأنفه وحمية ، لا أن يتخلفوا عنه بغير عذر ، كما فعل بعضهم .
روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )157 .
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . }
أي : ذلك الذي تقدم من وجوب مصاحبتهم الرسول في الجهاد ؛ وإيثاره على أنفسهم ؛ بسبب أنه كل ما يصيبهم في جهادهم من معاناة ومكابدة ومشاق كالعطش والتعب والجوع والألم في سبيل الله ، ووطء جزء من أرض الكفر يغيظ الكفار ، والنيل من الأعداء ، بالأسر أو القتل أو الهزيمة أو الغنيمة ؛ يستوجب الثواب الجزيل المكافئ لما قدموه وزيادة ، وذلك مما يوجب المشاركة في الجهاد .
{ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } . أي : لا يدع شيئا من ثواب المحسنين إلا كافأه عليه ؛ قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) .
1 خروج المسلمين للجهاد إذا دعاهم الإمام إليه فرض كفاية ؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، أما خروج المسلمين للجهاد إذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم فهو فرض عين .
2 لا يصح للمؤمن إيثار نفسه على نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بأن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ، أكثر مما يحب نفسه .
3 إن كان ما يتعرض له المجاهد في مكابدة ومتاعب ويثاب عليه ثوابا جزيلا ؛ فهو في ضيافة الله وكرمه ومنازل رضوانه منذ أن يبدأ في التهيؤ للجهاد إلى أن يعود إلى منزله الذي خرج منه ، أو يستشهد في سبيل الله وقد حفل القرآن الكريم ببيان فضل الجهاد وعظيم ثوابه ؛ وأثره في حماية الإسلام والمسلمين ، ودفع العدوان وتمكين المستضعفين من الحرية والاختيار ، كما ذكر القرآن : أن الشهداء أحياء حياة معنوية أبدية يتمتعون بخيرات الجنة ونعيمها قال تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } . ( آل عمران : 169171 ) .
{ 120 - 121 } { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
يقول تعالى -حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين ، والأنصار ، ومن حولهم من الأعراب ، الذين أسلموا فحسن إسلامهم- : { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } أي : ما ينبغي لهم ذلك ، ولا يليق بأحوالهم .
{ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ } في بقائها وراحتها ، وسكونه { عَنْ نَفْسِهِ } الكريمة الزكية ، بل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم ، بنفسه ويقدمه عليها ، فعلامة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والإيمان التام به ، أن لا يتخلفوا عنه ، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج فقال : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي : المجاهدين في سبيل اللّه { لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ } أي : تعب ومشقة { وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي : مجاعة .
{ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّار } من الخوض لديارهم ، والاستيلاء على أوطانهم ، { وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا } كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال { إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم .
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله ، وقيامهم بما عليهم من حقه وحق خلقه ، فهذه الأعمال آثار من آثار عملهم .