وكما أمر اللّه رسوله - [ ص ] - بألا يسمح للمتخلفين في ساعة العسرة أن يعودوا فينتظموا في الصفوف ، كذلك أمره ألا يخلع عليهم أي ظلال من ظلال التكريم :
( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره . إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) .
ولقد ذكر المفسرون حوادث خاصة عنتها هذه الآية . ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة . فهي تقرر أصلاً من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة ، هو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق ؛ وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف . ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين .
والنص يعلل هذا النهي في موضعه هنا ( إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون )وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول - [ ص ] - على قبر منافق . . ولكن القاعدة - كما ذكرنا - أوسع من المناسبة الخاصة . فالصلاة والقيام تكريم . والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد ، لتبقى له قيمته ، ولتظل قيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل اللّه ، وبما يصبرون على البذل ، ويثبتون على الجهد ، ويخلصون أنفسهم وأموالهم للّه لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة ، ثم يعودون في الصف مكرمين !
لا التكريم الظاهر ينالونه في أعين الجماعة ، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير :
{ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( 84 ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( 85 ) وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( 86 ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ( 87 ) } .
84 – { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ . . . } الآية .
روى الشيخان : عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ؛ فقام ليصلي عليه ؛ فقام عمر بن الخطاب ، وأخذ بثوبه ، وقال : يا رسول الله ، أتصلي عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين . قال : إنما خيرني الله ، فقال ، { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة . . . } وسأزيده على السبعين ؛ فقال عمر : إنه منافق . . . !
ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي ومشى معه ، وقام على قبره حتى فرغ منه .
قال عمر : فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسوله أعلم قال : فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . . . } الآية .
قال : فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد على ذلك منافق ، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل .
وقد أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية في هذا المعنى .
ضعّف جماعة العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني ، والغزالي ، حديث الصلاة على زعيم المنافقين ؛ لمخالفته لظاهر الآية من أوجه هي :
1 – أن الآية نزلت أثناء رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، وابن أبي مات في السنة التي بعدها .
2 – قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله خيرني " ، يعارض صريح الآية ، بأن الله لن يغفر لهم بسبب كفرهم ، ف أو فيه للتسوية لا للتخيير .
حاول بعض العلماء الجمع بين الآية والحديث ، ومن هؤلاء الزمخشري في تفسير الكشاف فقال : روى : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم ؛ فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي ، بعث إليه ليأتيه ، فلما دخل عليه قال له النبي : " أهلك حب يهود " فقال عبد الله بن أبي : يا رسول الله ، إنما بعثت إليك لتستغفر لي لا تؤنبني ، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ، ويصلّى عليه .
فلما مات دعاه ابنه عبد الله – وكان مؤمنا صالحا – فقال : يا رسول الله ، أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك ، وأن تقوم على قبره ؛ حتى لا يشمت به الأعداء .
وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره ، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان ، وليكون إلباسه إياه لطفا لغيره .
فقد روى أنه قيل للرسول صلى الله عليه وسلم : لم وجهت إليه قميصك وهو كافر ؟ فقال : " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا ، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب " ؛ فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوا زعيمهم عبد الله بن أبي يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك ترحمه واستغفاره ؛ كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف ؛ لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك ؛ دعا المسلم على أن يتعاطف على من واطأ قلبه لسانه ، ورآه حتما عليه .
ثم قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : كيف جازت الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق ؟
قلت : لم يتقدم نهى عن الصلاة عليهم ، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم ، لما في ذلك من المصلحة .
وعن ابن عباس رضي الله عنه : ما أدري ما هذه الصلاة إلا أني أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخادع .
تفيد روايات متعددة : أن عمر رضي الله عنه كان ميالا إلى عدم الصلاة على المنافقين ؛ استنباطا من إشارات غير صريحة في القرآن إلى ذلك .
وجاء في رواية عن ابن عباس : فقال عمر رضي الله عنه : لم تعطي قميصك الرجس النجس ؟ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا ، فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام " وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله بن أبي ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ، ويرجو أن ينفعه ؛ أسلم منهم يومئذ ألف ، وكان صلى الله عليه وسلم رحيما سهلا مألفا محببا وكان ميالا إلى الصلاة على عبد الله بن أبي ؛ بناء على الظاهر من إسلامه .
وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ؛ فأخذ جبريل بثوبه فقال : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره . . . } الآية .
فهذه الرواية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على عبد الله بن أبي .
وأمام هذا التعارض في الروايات رجح بعض العلماء رواية البخاري ، وجمع بعضهم بين الروايتين فقال : المراد من الصلاة في رواية عمر وابنه : الدعاء ، أو الهم بالصلاة عليه ، ثم منعه جبريل .
من مناقب عمر رضي الله عنه : شدته على المشركين والمنافقين ؛ فهو صاحب رأى قتل الأسرى في بدر ، وقد أيد الوحي رأيه في أسارى بدر ، وآية تحريم الخمر ، وآية تحويل القبلة ، وآية أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب ، وآية عدم الصلاة على المنافقين ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " 128 .
وقال صلى الله عليه وسلم : " إنه كان فيما مضى من الناس ملهمون ولو كان في أمتي محدثون لكان عمر " 129 .
وقال صلى الله عليه وسلم : " لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا " .
{ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } .
هذه الآية استمرار في الحديث عن المنافقين ، وكيفية معاملتهم ؛ فقد منعت الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتاهم . . .
والمعنى : تبرأ أيها الرسول من المنافقين ، ولا تصل على أحد منهم إذا مات ولا تقم على قبره ؛ لتستغفر له ، أو تدعوا له ؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، فأنكروا وجود الله وتوحيده ، وأنكروا بعثة نبيه ، وماتوا وهم فاسقون ؛ خارجون من دين الإسلام ، متمردون على أحكامه ، متجاوزون حدوده وأوامره ونواهيه .
وتفيد الآية : الامتناع عن الصلاة على الكفار ، وكل من عرف نفاقه .
وإن كان سبب نزول الآية : الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين .
{ 84 } { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ }
يقول تعالى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا } من المنافقين { وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } بعد الدفن لتدعو له ، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم ، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة .
{ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } ومن كان كافرا ومات على ذلك ، فما تنفعه شفاعة الشافعين ، وفي ذلك عبرة لغيرهم ، وزجر ونكال لهم ، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق ، فإنه لا يصلى عليه .
وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين ، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يفعل ذلك في المؤمنين ، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين .