في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء ، ثم الادعاء العريض عند الرخاء . يرسمها في كلمات معدودات ، صورة واضحة الملامح بارزة السمات :

( ومن الناس من يقول : آمنا بالله . فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن : إنا كنا معكم . أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ? وليعلمن الله الذين آمنوا ، وليعلمن المنافقين ) . .

ذلك النموذج من الناس ، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل ، هينة المؤونة ، لا تكلف إلا نطقها باللسان ، ( فإذا أوذي في الله )بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى( جعل فتنة الناس كعذاب الله )فاستقبلها في جزع ، واختلت في نفسه القيم ، واهتزت في ضميره العقيدة ؛ وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه ، حتى عذاب الله ؛ وقال في نفسه : ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء ، فعلام أصبر على الإيمان ، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب ? وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر ، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه .

هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة .

( ولئن جاء نصر من ربك ليقولن : إنا كنا معكم ) !

إنا كنا معكم . . وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي ، وسوء التصوير وخطأ التقدير . ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة ، وينتفش المنزوون المتخاذلون ، ويستأسد الضعفاء المهزومون ، فيقولون : إنا كنا معكم !

( أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ? ) . .

أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع ، ومن إيمان أو نفاق ? فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون ?

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

المفردات :

أوذي في الله : عُذب من الكافرين بسبب إسلامه .

فتنة الناس : أذاهم له .

كعذاب الله : أي : في الخوف منه ، فيطيعهم فينافق .

إنا كنا معكم : كنا مشايعين ومناصرين لكم في الدين .

التفسير :

10-{ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } .

ترسم الآية نموذجا لفئة من الناس تعلن الإيمان ، وتظن أن الإيمان كلمة تقال باللسان ، لا يتبعها تضحية أو صبر أو فداء ، فإذا لقى في سبيل الإيمان عذابا أو نكاية أو سجنا ارتد عن دينه ، زاعما أن عذاب الناس في الدنيا مثل عذاب الله في الآخرة ، وشتان ما بينهما ، فعذاب الناس امتحان من نجح فيه كان جزاؤه الجنة ، وعذاب الله في الآخرة عقوبة أبدية خالدة ، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة ، تطيب النفس لها ولا تعدها عذابا .

قال الزجاج : ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله .

أخرج أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، عن أنس قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثالثة ، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد ، إلا ما وارى إبط بلال )6 .

أسباب النزول

قيل : نزلت في المنافقين .

وقال مجاهد : نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم ، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا .

وقال الضحاك : نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون ، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك .

وقيل : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر ، ثم أوذي وضرب فارتد ، وقدم إلى المدينة أبو جهل والحارث ، وكانا أخوين لأمه ، فأخذاه وعذباه فارتد ، ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه .

والآية دعوة إلى الثبات على الإيمان وتحمل الأذى في سبيل الله ، وفيها ذم للنفاق ، وذم للارتداد عن الإسلام .

{ ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } .

تعبر الآية عن انتهازية المنافقين ونفعيتهم ، فهم يفرّون من البأساء ويتواجدون عند الغنيمة والنصر ، هم عند التعرض للعذاب والآلام يفرّون ولا يثبتون ، فإذا جاء نصر من الله للمؤمنين أعلنوا عن أنفسهم ، وقالوا : إنا كنا معكم في الحرب ، نشد أزركم ونناصركم ، ونستحق أن ننال من الغنائم ، والله تعالى مطلع وشاهد على ما تكنه ضمائرهم من الإيمان والنفاق ، فهو سبحانه لا تخفى عليه خافية ، وهم عالم السر وما هو أخفى من السر .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

ثم يرسم القرآن الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب المريضة ، والنفوس الضعيفة ، ويحكى جانبا من أقوالهم الفاسدة ، ودعاواهم الكاذبة فيقول : { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ . . . عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .

وقوله - سبحانه - : { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله . . . } بيان لحال قوم ضعف إيمانهم ، واضطراب يقينهم ، بعد بيان حال المؤمنين الصادقين فى قوله : { والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين } قال القرطبى : قوله - تعالى - : { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله . . . } قال مجاهد : نزلت فى ناس من المنافقين بمكة ، كانوا يؤمنون ، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك ، وقال عكرمة : كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج إلى در ، فقُتل بعضهم .

والمعنى : { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ } بلسانه دون أن يواطئ هذا القول قلبه { آمَنَّا بالله } .

وقوله { فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } بيان لحال هذا البعض من الناس عندما تنزل بهم المصائب والنكبات .

أى : فإذا أوذى هذا البعض - بعد قوله آمنا بالله - من أجل هذا القول ومن أجل تركه الدين الباطل ، ودخوله فى الدين الحق { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس } له أى جعل عذابهم له ، وإيذاءهم إياه { كَعَذَابِ الله } أى بمنزلة عذاب الله فى الشدة والألم ، فيترتب على ذلك أن يتزلزل إيمانه ، ويضعف يقينه ، بل ربما رجع إلى الكفر بعد الإِيمان .

وفى جعل هذا البعض { فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } دليل واضح على ضعف إيمانه ، وفساد تفكيره ، لأن عذابا لناس له دافع ، أما اعذاب الله فلا دافع له ، ولأن عذاب الناس لا يترتب عليه ثواب عظيم ، أما عذاب الله فهو بسبب غضب الله - سبحانه - على من عصاه ، ولأن عذاب الناس معروف أمده ونهايته أما عذاب الله فلا يعرف أحد مداه أو نهايته .

ثم بين - سبحانه - حال هذا الفريق إذا ما مَنَّ الله - تعالى - على المؤمنين الصادقين بنصر ، فقال : { وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } .

والضمير فى قوله : { لَيَقُولُنَّ } بضم اللام يعود إلى { مَن } فى قوله : { مَن يِقُولُ } . باعتبار معناها ، كما أن إفراد الضمائر العائدة إليها باعتبار لفظها ، أى : هكذا حال ضعاف الإِيمان ، عند الشدائد يساوون عذاب الناس بعذاب الله ، ولا يثبتون على إيمانهم أما إذا جاءكم النصر - أيها الرسول الكريم - فإن هؤلاء الضعاف فى إيمانهم ، يقولون بكل ثقة وتأكيد : إنا كنا معكم مشايعين ومؤيدين ، ونحن إنما أُكرهنا على ما قلنا ، وما دام الأمر كذلك فأشركوننا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم وخيرات .

وقوله - سبحانه - : { أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين } رد عليهم فى دعواهم الإِيمان ، وفى قولهم للمؤمنين : { إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } والاستفهام لإِنكار ما زعموه ، ولتقدير علم الله - تعالى - الشامل للسر والعلانية .

أى : إن الله - تعالى - عالم بما فى صدور العالمين جميعا من خير وشر ، وإيمان وكفر .

وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا ، ليس الله - تعالى - فى حاجة إلى قولهم ، فهو - سبحانه - يعلم السر وأَخفى