ثم يمضي في بيان أحكام الحج خاصة ؛ فيبين مواعيده ، وآدابه ، وينتهي في هذا المقطع الجديد إلى التقوى كما انتهى إليها في المقطع الأول سواء :
( الحج أشهر معلومات . فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج . وما تفعلوا من خير يعلمه الله . وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقون يا أولي الألباب )
وظاهر النص أن للحج وقتا معلوما ، وأن وقته أشهر معلومات . . هي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة . . وعلى هذا لا يصح الإحرام بالحج إلا في هذه الأشهر المعلومات وإن كان بعض المذاهب يعتبر الإحرام به صحيحا على مدار السنة ، ويخصص هذه الأشهر المعلومات لأداء شعائر الحج في مواعيدها المعروفة . وقد ذهب إلى هذا الرأي الأئمة : مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل . وهو مروي عن إبراهيم النخعي ، والثوري والليث بن سعد . وذهب إلى الرأي الأول الإمام الشافعي ، وهو مروي عن بن عباس وجابر وعطاء وطاووس ومجاهد . وهو الأظهر .
فمن فرض الحج في هذه الأشهر المعلومات - أي أوجب على نفسه اتمامه بالإحرام -( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) . . والرفث هنا ذكر الجماع ودواعيه إما إطلاقا وإما في حضرة النساء . والجدال : المناقشة والمشادة حتى يغضب الرجل صاحبه . والفسوق : إتيان المعاصي كبرت أم صغرت . . والنهي عنها ينتهي إلى ترك كل ما ينافي حالة التحرج والتجرد لله في هذه الفترة ، والارتفاع على دواعي الأرض ، والرياضة الروحية على التعلق بالله دون سواه ، والتأدب الواجب في بيته الحرام لمن قصد إليه متجردا حتى من مخيط الثياب !
وبعد النهي عن فعل القبيح يحبب إليهم فعل الجميل :
( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) . .
ويكفي في حس المؤمن أن يتذكر أن الله يعلم ما يفعله من خير ويطلع عليه ، ليكون هذا حافزا على فعل الخير ، ليراه الله منه ويعلمه . . وهذا وحده جزاء . . قبل الجزاء . .
ثم يدعوهم إلى التزود في رحلة الحج . . زاد الجسد وزاد الروح . . فقد ورد أن جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم للحج ليس معهم زاد ، يقولون : نحج بيت الله ولا يطعمنا ! وهذا القول - فوق مخالفته لطبيعة الإسلام التي تأمر باتخاذ العدة الواقعية في الوقت الذي يتوجه فيه القلب إلى الله ويعتمد عليه كل الاعتماد - يحمل كذلك رائحة عدم التحرج في جانب الحديث عن الله ، ورائحة الامتنان على الله بأنهم يحجون بيته فعليه أن يطعمهم ! ! ومن ثم جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه ، مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام دائم الإيحاء :
( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى . واتقون يا أولي الألباب ) . .
والتقوى زاد القلوب والأرواح . منه تقتات . وبه تتقوى وترف وتشرق . وعليه تستند في الوصول والنجاة . وأولوا الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى التقوى ، وخير من ينتفع بهذا الزاد .
{ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يا أولي الألباب( 197 ) }
فرض فيهم الحج : أوجبه على نفسه .
الرفث : لغة قول الفحش ، وشرعا قربان النساء .
الفسوق : لغة التنابز بالألقاب كما جاء في قوله تعالى : { ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق } . ( الحجرات : 11 ) .
وشرعا : الخروج عما حدده الشارع للمحرم إلى ما كان مباحا في الحل كالصيد والطيب والزينة باللباس المخيط .
الجدال : المراء والخصام ، ويكثر عادة بين الرفقة في السفر ، لأنه مشقة تضيق بها الصدور .
الزاد : هو الأعمال الصالحة وما يدخر من الخير والبر .
التقوى : هي ما يتقي به سخط الله وغضبه من أعمال الخير والتنزه عن المنكرات والمعاصي .
أي لأداء فريضة الحج أشهر معلومة لدى الناس ، وهي شوال وذو القعدة وعشر ذو الحجة ، وهذا هو المروى عن ابن عباس .
ولا يصح عند الشافعية الإحرام به قبل أشهره ليتمه في أشهره ، ويصح مع الكراهة عند الحنفية .
{ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج . . . }
فمن ألزم نفسه في تلك الأشهر بالحج فعليه أن يبتعد عن الرفث ، وهو جماع النساء أو ذكر لهن أو الكلام الفاحش مطلقا ، وعليه أيضا أن يبتعد عن كل إثم يشوب عبادته ، وأن يتجنب المجادلة لأنها توغر صدور الرفقاء والخدم وغيرهم ، فإن الوقت وقت مودة وصفاء وتسامح ، والجميع يشتركون في المناسك ويرغبون في طلب الثواب ، ثم حثهم على ضبط أنفسهم والابتعاد عما نهوا عنه فقال سبحانه : { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } .
هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش ، وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال .
{ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يا أولي الألباب } .
روى البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس( 109 ) فأنزل الله تعالى : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } .
وعليه أكثر المفسرين ، قال الشعبي : الزاد التمر والسويق ، قال ابن العربي : أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة يحتاج إليها الناس فلا خطاب عليه .
والمعنى تزودوا أيها المفسرون بالطعام واتقوا طلبه من غيركم والإثقال عليهم فإن خير الزاد اتقاء الأثقال على الناس أو تزودوا المعاش بأخذ الزاد وخير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى ، وجاء قوله : فإن خير الزاد التقوى ، وجاء قوله : فإن خير الزاد التقوى . محمولا على المعنى لأن معنى وتزودوا : اتقوا الله في إتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد ، قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى فإن التقوى زاد الآخرة .
{ واتقوني يا أولي الألباب } أي خافوا عقابي يا أصحاب العقول والأفهام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.