في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

1

وفي مقابل ذلك المشهد المفزع يعرض المشهد المقابل . مشهد النعيم الذي ينتظر المؤمنين :

( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل ، وأتوا به متشابها ، ولهم فيها أزواج مطهرة ، وهم فيها خالدون ) . .

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها - إلى جانب الأزواج المطهرة - تلك الثمار المتشابهة ، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل - أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل ، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل - فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة . . وهي ترسم جوا من الدعابة الحلوة ، والرضى السابغ ، والتفكه الجميل ، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة ، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد !

وهذا التشابه في الشكل ، والتنوع في المزية ، سمة واضحة في صنعة الباريء تعالى ، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره . ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفا لهذه الحقيقة الكبيرة . . الناس كلهم ناس ، من ناحية قاعدة التكوين : رأس وجسم وأطراف . لحم ودم وعظام وأعصاب . عينان وأذنان وفم ولسان . خلايا حية من نوع الخلايا الحية . تركيب متشابه في الشكل والمادة . . ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات ؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات ؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان - على هذا التشابه - ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء !

وهكذا يبدو التنوع في صنعة الباريء هائلا يدير الرؤوس : التنوع في الأنواع والأجناس ، والتنوع في الأشكال والسمات ، والتنوع في المزايا والصفات . . وكله . . كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب .

فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده ، وهذه آثار صنعته ، وآيات قدرته ؟ ومن ذا الذي يجعل لله اندادا ، ويد الإعجاز واضحة الآثار ، فيما تراه الأبصار ، وفيما لا تدركه الأبصار ؟

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

بشرى

{ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون( 25 ) }

المفردات :

البشارة : الخبر السار

أتوا به متشابها : يشبه بعضه بعضا في الشكل مع اختلاف الطعم .

أزواج مطهرة : نظيفة من الحيض والأذى والألم .

التفسير :

من شأن القرآن أن يقابل بين الأتقياء والأشقياء ، والعذاب والنعيم فبضدها تتميز الأشياء .

وهذا معنى تسمية القرآن المثاني ، على أصح أقوال العلماء ، وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر أو عكسه ، أو حال السعداء ثم الأشقياء وعكسه ، وحاصله ذكر الشيء ومقابله .

لقد ذكر القرآن صفة النار التي أعدت للكافرين في الآية السابقة تم بشر المؤمنون الذين استقاموا على أمر الله وقدموا الأعمال الصالحة بأن لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار ولهم في الجنة نعيم دائم وظل وارف وخيرات لا تحد ، وثمار الجنة متشابهة في اللون ولكنها مختلفة في الطعم والمذاق ، وتقدم إليهم أطباق ثمار في الصباح والعشى ، فإن أتوا بالفاكهة في صحاف الدر والياقوت في مقدار بكرة الدنيا وأتوا بالفاكهة غيرها على مقدار عشاء الدنيا ، وإذا نظروا إلى رزقهم وجدوه متشابه الألوان ، قالوا هذا الذي رزقنا به من قبل ، يعني أطعمنا بكرة فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير الذي أتوه بكرة فذلك قوله سبحانه : وأتوا به متشابها . يعني يشبه بعضه بعضا في الألوان مختلفا في الطعم( 54 ) ، ( وذلك أجلب للسرور وأزيد في التعجب وأظهر للمزية ، وأبين للفضل . وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر في استحكام الشبه ، وأنه الذي يستملى تعجبهم ، ويستدعي استغرابهم ويفرط ابتهاجهم ) ( 55 ) .

{ ولهم فيها أزواج مطهرة } . من الحيض والاستحاضة ، ومن دنس الطباع وسوء الأخلاق ومن سائر مثالبهن وكيدهن .

{ وهم فيها خالدون } : خلودا أبديا على الدوام ، وهذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر لهذه النعمة ولا انقضاء .