في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (49)

33

( ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله . وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم . إن في ذلك لآية لكم . إن كنتم مؤمنين )

ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى - عليه السلام - كانت لبني إسرائيل ، فهو أحد أنبيائهم . ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى - عليه السلام - وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية ، والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم ، هي كتاب عيسى كذلك ، مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير .

والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه ، والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة ، وإحياء الموتى من الناس ، وإبراء المولود الأعمى ، وشفاء الأبرص ، والإخبار بالغيب - بالنسبة له - وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل ، وهو بعيد عن رؤيته بعينه . .

وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح - عليه السلام - كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم ، وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى - أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها ، إنما جاءهم بها من عند الله . وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا ؛ ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط !

وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها ، أو رد العافية وهي فرع عن الحياة . ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية . . وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى ؛ ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم - عليه السلام - وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه ، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال . . ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله - سبحانه - بمألوف الإنسان !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (49)

49- { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفح فيه فيكون طيرا بإذن الله } .

المفردات :

الأكمه : من ولد أعمى .

الأبرص : من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره .

التفسير :

لقد أرسل الله المسيح رسولا إلى بني إسرائيل وهذا يؤذن بخصوص بعثته إليهم روى ان الوحي آتاه وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفع إلى السماء .

{ أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } أي ويجعله الله رسولا إلى بني إسرائيل يخبرهم أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي هو أني أنشئ لكم من الطين تمثال كهيئة الطير وشكله فانفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على انه أرسلني إليكم فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر لانه مما اختص الله به فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة .

{ وأبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله } وأشفي الأكمه الذي ولدته أمه أعمى فيصير بصيرا واشفي من بجلده برص وهو بياض يخالف لون سائر الجلد وهاتان العلتان أعجزتا الأطباء في عصر عيسى وقد كان الطب تقدما جدا في عهده فأراهم الله المعجزة من جنس ما برعوا فيه وقد جرت السنة ان تكون معجزة كل نبي من جنس ما اشتهر في زمنه .

فأعطى موسى العصا واليد البيضاء حيث كان المصريون قد برعوا في السحر وأعطى عيسى من المعجزات ما هو من جنس الطب الذي حذقه أطباء عصره وأعطى محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن حيث كان العرب قد برعوا في البيان واشتهروا بالفصاحة والبلاغة وفنون القول .

وتنفيذ الآية ان قدرة المسيح على شفاء المرضى كانت بإذن الله وان إحياء الموتى كان بإذن الله .

وفي كل معجزة من هذه المعجزات كان المسيح يلجا إلى الله ويدعوه فيحقق الله دعاءه دون ممارسة الوسائل الطبية .

و الامر متعلق بإرادة الله وقدرته والله على كل شيء قدير .

{ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } وأخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أشاهده وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى عمله .

والمراد : الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما وقيل المراد أنه يخبرهم بالمغيبات .

واقتصر على ذكر هذين الأمرين لحضورهما لديهم فلا يبقى لهم شبهة ولا شك

أن صدقه فيما أخبره به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم .

{ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } إن في ذ لك لحجة ودلالة على صدقي في دعوى الرسالة إن كنتم مصدقين بآيات الله .

وقد ذكر في الإنجيل انه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم وأعمى في بيت صيدا ورجل ولد أعمى في أورشليم وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة وابرأ أبرص في كفر ناحوم وأقام بن الأرملة من الموت في بلد نايين وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم وألعازر في بيت عينا .