في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75)

71

ثم يلتفت السياق إلى المسلمين . يلتفت من أسلوب الحكاية والتصوير عن أولئك المبطئين ؛ إلى أسلوب الخطاب للجماعة المسلمة كلها . يلتفت إليها لاستجاشة مروءة النفوس ، وحساسية القلوب ؛ تجاه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ؛ الذين كانوا يقاسون في مكة ما يقاسون على أيدي المشركين غير قادرين على الهجرة إلى دار الإسلام والفرار بدينهم وعقيدتهم ؛ وهم يتطلعون إلى الخلاص ، ويدعون الله أن يجعل لهم مخرجا من دار الظلم والعدوان . . يلتفت هذه الالتفاتة ليوحي إليهم بسمو المقصد ، وشرف الغاية ، ونبل الهدف ، في هذا القتال ، الذي يدعوهم أن ينفروا إليه ، غير متثاقلين ولا مبطئين . وذلك في أسلوب تحضيضي ؛ يستنكر البطء والقعود :

( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان . الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك وليا ، واجعل لنا من لدنك نصيرا ؟ ) . .

وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله ؛ واستنفاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ؟ هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم ، وكرامة المؤمن ، ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق ؟ هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة ؛ لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم ، والفتنة في دينهم . والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض ، لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني ، الذي تتبعه كرامة النفس والعرض ، وحق المال والأرض !

ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف ، مشهد مؤثر مثير . لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد . وهو وحده يكفي . لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات . . وهو أسلوب عميق الوقع ، بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس .

ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن : إن ( هذه القرية الظالم أهلها ) التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب ، يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها ، هي " مكة " وطن المهاجرين ، الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها . ويدعو المسلمون المستضعفين هذه الدعوة الحادة للخروج منه !

إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه ؛ وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم ، وعذبوا في عقيدتهم . . بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم " دار حرب " . . دار حرب ، هم لا يدافعون عنها ، وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها . . إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته . ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه ؛ وأرضه التي يدفع عنها هي

دار الإسلام التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة . . وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي ، تنضح به الجاهليات ، ولا يعرفه الإسلام .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75)

المفردات :

والمستضعفين : المستذلين وهي معطوفة على في سبيل الله .

الولدان : جمع وليد وهو الصبي ، أو العبد .

وليا : معينا .

التفسير :

75- وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا .

يستنهض القرآن همم المسلمين في المدينة ؛ للدفاع عن المستضعفين المستذلين بمكة ، الذين يتعرضون لأنواع العذاب والنكال ، وهم ضعفاء لا يستطيعون مقاومة المعتدين .

والمعنى : أي شيء لكم حتى لا تقاتلوا ! ؟ أي لا عذر لكم في ترك القتال فالاستفهام في الآية الكريمة ، لإنكار واستقباح التخلف عن الجهاد في سبيل الله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الشيوخ الكبار ، والنساء ، والأطفال .

جاء في ظلال القرآن :

ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف ، مشهد مؤثر مثير ، لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا- وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة- وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد ؛ وهو وحده يكفي ؛ لذلك يستنكر العقود عن الاستجابة لهذه الصرخات . وهو أسلوب عميق الوقع . بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس {[16]} .

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا . أي : لا عذر لكم في ترك القتال ؛ لتخليص المستضعفين ، الذين عذبهم المشركون بمكة ، فاتجهوا إلى الله عز وجل ضارعين قائلين : اللهم ربنا ، هيئ لنا الخروج من مكة ، والهجرة منها ؛ فرارا بديننا ، من أهلها الطغاة الظالمين ، وهيئ لنا بفضلك وليا ، يتولى أمورنا ويحمينا منهم ، وهيئ لنا من عندك من ينصرنا عليهم .

أخرج البخاري عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين . فهي من النساء ، وهو من الوالدان{[17]} .

وعن مجاهد قال : أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة ونسبة الظلم إلى أهل مكة ، تشريف لها عن نسبة الظلم إليها ، فهو مقصور على أهلها المشركين .


[16]:في ضلال القرآن للأستاذ سيد قطب، 5/708 ،طبعة دار الشروق الحادية عشرة 1405هـ-1985م.
[17]:كنت أنا وأمي من المستضعفين: رواه البخاري في الجنائز (1357) وفي تفسير القرآن (4587) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان وأمي من النساء.