في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا} (80)

71

( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً )

وأمر الناس مع الرسول [ ص ] أن من أطاعه فقد أطاع الله . فلا تفرقه بين الله ورسوله . ولا بين قول الله وقول رسوله . . ومن تولى معرضا مكذبا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه . ولم يرسل الرسول [ ص ] ليجبره على الهدى ، ويكرهه على الدين ، وليس موكلا بحفظه من العصيان والضلال . فهذا ليس داخلا في وظيفة الرسول ؛ ولا داخلا في قدرة الرسول .

بهذا البيان يصحح تصورهم عن حقيقة ما يقع لهم . . فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره . وما يصيبهم من حسنة أو سيئة - بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة ، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر ، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع - فهو من عند الله . لأنه لا ينشى ء شيئا ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله . . وما يصيبهم من حسنة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند الله ، لأنه بسبب منهجه وهدايته . وما يصيبهم من سيئة حقيقية - في ميزان الله - فهو من عند أنفسهم ، لأنه بسبب تنكبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته . .

والرسول وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول . لا ينشى ء ولا يحدث ولا يخلق . ولا يشارك الله تعالى في خاصية الألوهية هذه : وهي الخلق والإنشاء والإحداث . وهو يبلغ ما جاء به من عند الله ، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله . وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول . والرسول ليس مكلفا أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين ، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي . بعد البلاغ والبيان . .

حقائق - هكذا - واضحة مريحة ، بينة صريحة ؛ تبني التصور ، وتريح الشعور ؛ وتمضي شوطا مع تعليم الله لهذه الجماعة ، وإعدادها لدورها الكبير الخطير . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا} (80)

المفردات :

تولى : أعرض .

حفيظا : رقيبا ، أو مسيطرا .

التفسير :

80- مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا .

أرسل الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل فختم به الرسالات ، وأنزل عليه وحي السماء ، وجعل طاعة الرسول فيما يبلغه عن ربه واجبة ؛ لأن طاعته طاعة لوحي الله وأمر الله ، قال تعالى : وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . ( النجم : 3-4 ) .

فليس لمسلم أن يخالف الرسول فيما يبلغه عن ربه ، قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . ( النور : 63 ) .

وأما ما رآه الرسول من الأمور الخارجة عن دائرة التبليغ والرسالة ، مما هو خاص بشئون الدنيا ، فليست أوامر ، بل إرشادات ، ولذا راجعه المسلمون في بعض الآراء ، كما حدث في تأبير النخيل فرجع صلى الله عليه وسلم ونزل على رأيهم {[23]} وقال : '' أنتم أعلم بأمر دنياكم ''{[24]} رواه مسلم .

وجاء في تفسير ابن كثير :

يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، بأن من أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى . قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى على آله وسلم : '' من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني'' {[25]}وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش .

وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا . ومن أعرض عن طاعتك ، وعن إتباع الحق الذي جئت به ؛ فاترك أمره إلينا فسنجازيه- فإنما أرسلناك مبلغا ولم نبعثك مسيطرا ولا رقيبا على أعمالهم قال تعالى : فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر ، ٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر . ( الغاشية : 21-22 ) .

وفي الحديث '' ومن يطع الله ورسوله ؛ فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله ؛ فإنه لا يضر إلا نفسه'' .


[23]:التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مجمع البحوث الإسلامية الحزب التاسع، ص 859.
[24]:24)أنتم أعلم بأمر دنياكم: رواه مسلم في الفضائل (2363) و أحمد في مسنده(12135) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصا فمر بهم: فقال: ما لنخلكم قالوا: قلت: كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.
[25]:) )من أطاعني فقد أطاع الله: رواه البخاري في الجهاد (2907) وفي الإحكام (7137) ومسلم في الإمارة (1835) والنسائي في البيعة (4193) وفي الاستعاذة (5510) وابن ماجه في المقدمة (3) وفي الجهاد (2859) (8788،8300،7386) من حديث أبي هريرة مرفوعا: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني.