في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا} (79)

71

وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله . . وهذا ما تقرره الآية الأولى . .

أما الآية الثانية :

( ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك . . )

فإنها تقرر حقيقة أخرى . ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى . . إنها في واد آخر . . والنظرة فيها من زاوية أخرى :

إن الله - سبحانه - قد سن منهجا ، وشرع طريقا ، ودل على الخير ، وحذر من الشر . . فحين يتبع الإنسان هذا المنهج ، ويسير في هذا الطريق ، ويحاول الخير ، ويحذر الشر . . فإن الله يعينه على الهدى كما قال : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . . ويظفر الإنسان بالحسنة . . ولا يهم أن تكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسبا . . إنما هي الحسنة فعلا في ميزان الله تعالى . . وتكون من عند الله . لأن الله هو الذيسن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر . . وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنه ، ولا يسلك طريقه الذي شرعه ، ولا يحاول الخير الذي دله عليه ، ولا يحذر الشر الذي حذره منه . . حينئذ تصيبه السيئة . السيئة الحقيقية . سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا . . ويكون هذا من عند نفسه . لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه . .

وهذا معنى غير المعنى الأول ، ومجال غير المجال الاول . . كما هو واضح فيما نحسب . .

ولا يغير هذا من الحقيقة الأولى شيئا . وهي أن تحقق الحسنة ، وتحقق السيئة ووقوعهما لا يتم إلا بقدرة الله وقدره . لأنه المنشى ء لكل ما ينشأ . المحدث لكل ما يحدث . الخالق لكل ما يكون . . أيا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث ، وهذا الذي يكون .

ثم يبين لهم حدود وظيفة الرسول [ ص ] وعمله وموقف الناس منه ، وموقفه من الناس ، ويرد الأمر كله إلى الله في النهاية :

( وأرسلناك للناس رسولا . وكفى بالله شهيدا . من يطع الرسول فقد أطاع الله . ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا ) . .

إن وظيفة الرسول هي أداء الرسالة . لا إحداث الخير ولا إحداث السوء . فهذا من أمر الله - كما سلف - والله شهيد على أنه أرسل النبي [ ص ] لأداء هذه الوظيفة ( وكفى بالله شهيدًا ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا} (79)

المفردات :

شهيدا : شاهدا على صدق رسالتك ، أو مطلعا بصيرا .

التفسير :

79- مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ . . . الآية .

قررت الآية السابقة أن كل ما يقع في الكون فهو بإرادة الله العليا ، وقضائه و قدره .

ونحن نؤمن بالقضاء والقدر ، ونؤمن بأن بيد الله الخلق والأمر ، ومع هذا فإن للعبد كسبا واختيارا ، وإرادة محدودة مسئولة . والجمع بين إرادة الله ، وإرادة العبد يحتاج إلى شيء من الانحناء والتسليم .

فبالنسبة لأحداث الكون كلها فهي من عند الله ، وبحكمته وبالنسبة لأعمال الإنسان ، فهو إذا اختار طريق الهدى ؛ أعانه الله عليه وسدد خطاه ، وإذا اختار طريق الضلال ؛ سلب الله عنه الهدى ، ووكله إلى نفسه فكان هو السبب فيما يصيبه من بلاء في الدنيا أو عذاب في الآخرة .

فالآية الثانية مختلفة عن الآية الأولى :

الآية الأولى : تشير إلى أن كل ما يقع في الكون بإذن الله ، والآية الثانية : تشير إلى أن العبد إذا أطاع الله ؛ أيده الله بتوفيقه ، وإذا عصاه وكله الله إلى نفسه .

قال الزمخشري :

ما أصابك . يا إنسان : خطابا عاما من حسنة . أي : من نعمة وإحسان فمن الله . تفضيلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا .

وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ . أي : من بلية ومصيبة فمن عندك ؛ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك ، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ . ( الشورى : 30 )وعن عائشة رضي الله عنها : ''ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ، حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر'' {[22]} .

وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً . أي : رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم أنت رسول العرب والعجم ، كقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ . ( سبأ : 28 ) وقال تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا . ( الأعراف : 158 ) .

وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا . على صدق رسالتك ، وأنك أبلغت ما أنزل الله عليك ، وأديت واجبك أكمل أداء ، بإخلاص ويقين : تبشر الناس وتنذرهم ، والله تعالى خير شهيد على ذلك .

وفي تقرير رسالته صلى الله عليه وسلم تطمين لقلبه وتقوية لعزمه ، كما أن فيه زيادة كبت لهم ، وتأكيد لجهلهم ، وعدم فقههم .


[22]:ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب: رواه البخاري في المرضى باب: ما جاء في كفارة المرضى (5317) ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (2572) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). ورواه البخاري فيما تقدم (5318) عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما يصيب المسلم،من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن وأذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). رواه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة النساء (5029) عن أبي هريرة قال: لما نزلت {من يعمل سوءا يجز به}، شق ذلك على المسلمين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قاربوا وسددوا. وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها" هذا حديث حسن غريب.