وفي مقابل المنافقين والكفار ، يقف المؤمنون الصادقون . طبيعة غير الطبيعة ، وسلوكاً غير السلوك ، ومصيراً غير المصير :
( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ؛ ويطيعون اللّه ورسوله . أولئك سيرحمهم اللّه ، إن اللّه عزيز حكيم . وعد اللّه المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، ومساكن طيبة في جنات عدن ، ورضوان من الله أكبر . ذلك هو الفوز العظيم ) .
إذا كان المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض . إذا كانوا جبلة واحدة وطبيعة واحدة . . فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض . إن المنافقين والمنافقات مع وحدة طبيعتهم لا يبلغون أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض . فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة وإلى تعاون وإلى تكاليف . وطبيعة النفاق تأبى هذا كله ولو كان بين المنافقين أنفسهم . إن المنافقين أفراد ضعاف مهازيل ، وليسوا جماعة متماسكة قوية متضامنة ، على ما يبدو بينهم من تشابه في الطبيعة والخلق والسلوك . والتعبير القرآني الدقيق لا يغفل هذا المعنى في وصف هؤلاء وهؤلاء . .
( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) . .
( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) . .
إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة . طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل ، وطبيعة التضامن ، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر .
( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) . . وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون . ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفاً واحداً . لا تدخل بينها عوامل الفرقة . وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة ولا بد عنصر غريب عن طبيعتها ، وعن عقيدتها ، هو الذي يدخل بالفرقة . ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها . السمة التي يقررها العليم الخبير
( بعضهم أولياء بعض ) . . يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإعلاء كلمة اللّه ، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض .
الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة ، وتحقق الصورة المادية والروحية للولاية والتضامن ( ويطيعون اللّه ورسوله ) . .
فلا يكون لهم هوى غير أمر اللّه وأمر رسوله ، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة اللّه ورسوله . ولا يكون لهم منهج إلا دين اللّه ورسوله ، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى اللّه ورسوله . . وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدونهدفهم ويوحدون طريقتهم ، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم .
والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها ، إنما تكون في هذه الأرض أولاً ورحمة اللّه تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ؛ وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح . رحمة اللّه في اطمئنان القلب ، وفي الاتصال باللّه ، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث . ورحمة اللّه في صلاح الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضاء اللّه .
إن هذه الصفات الأربع في المؤمنين : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، لتقابل من صفات المنافقين : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونسيان اللّه وقبض الأيدي . . وإن رحمة اللّه للمؤمنين لتقابل لعنته للمنافقين والكفار . . وإن تلك الصفات لهي التي وعد اللّه المؤمنين عليها بالنصر والتمكين في الأرض ليحققوها في وصايتهم الرشيدة على البشرية :
قادر على إعزاز الفئة المؤمنة ليكون بعضها أولياء بعض في النهوض بهذه التكاليف ، حكيم في تقدير النصر والعزة لها ، لتصلح في الأرض ، وتحرس كلمة اللّه بين العباد .
{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( 72 ) } .
بعد أن بين القرآن سوء حال المنافقين والكفار في الدنيا والآخرة بين هنا حسن حال المؤمنين وجميل فعالهم ، وما يلقونه من جزاء في الآخرة . والقرآن بهذا يوازن بين كفتين ؛ لينزجر المنافق ويتوب العاصي ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا .
71 – { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ . . . } .
إن التعاون بين أهل الإيمان من المؤمنين والمؤمنات كان معروفا من اليوم الأول للإسلام ، وكان قائما في ميادين الهجرة والجهاد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ فأخت عمر بن الخطاب أرشدته إلى الإسلام ، وأسماء بنت أبي بكر لها موقف في الهجرة ، وهناك بيعة تسمى : بيعة النساء ذكرها القرآن الكريم في الآية 12 من سورة الممتحنة ، وكانت النساء تشهد الجماعات والجمع والأعياء وتساهم في الجهاد ، وكن يسقين الماء ويجهزن الطعام ، ويحرضن على القتال ويرددن المنهزم من الرجال ، ويواسين الجرحى ويعالجن المرضى .
وقوله سبحانه : { بعضهم أولياء بعض } . فهم نصراء متوادون متحاربون ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " ترى المؤمنين في توادهم تراحمهم كمثل الجسد الواحد ؛ إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " 110 .
وفي الحديث الصحيح أيضا : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " 111 . وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ، وقد ذكر سبحانه صفات المنافقين ، كما يأتي :
1 – بعضهم من بعض ؛ يقلد بعضهم بعضا ، بدون ولاء ولا محبة .
4 – لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى .
5 – يقبضون أيديهم ويمسكون بها عن النفقة ، ولا ينفقون إلا وهم كارهون .
وفي الآية 71 من سورة التوبة نجد صفات المؤمنين كالآتي :
1 – { بعضهم أولياء بعض } ، يتولى بعضهم بعضا بما يعود عليهم بالخير ، في مقابل المنافقين بعضهم من بعض ، بدون ولاء .
{ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله . . . } .
2 – وهم يأمرون بالمعروف : وهو كل ما عرف عن الشرع حسنه .
3 – وهم ينهون عن المنكر : وهو كل ما عرف عن الشرع قبحه .
4 – وهم يقيمون الصلاة تامة الأركان في خشوع وخضوع .
5 – وهم يؤدون الزكاة خاصة لوجه الله .
6 – والمؤمنون والمؤمنات يطيعون الله ورسوله ، ويتركون ما نهيا عنه ؛ امتثالا وحبا وطاعة لله ورسوله .
أي : هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات ؛ تعهد الحق أن يشملهم برحمته ؛ وأن يسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة .
فهو سبحانه قوي قاهر مالك الملك بيده الخلق والأمر ، وهو سبحانه حكيم في أعماله وفي تدبير أمر عباده على وفق العدل والحكمة والصواب فيخص المؤمنون بالجنة والرضوان ، ويخص المنافقين النار والعذاب والغضب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.