في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (27)

26

( والذين كسبوا السيئات ) . .

فكانت هي الربح الذي خرجوا به من صفقة الحياة ! هؤلاء ينالهم عدل الله ، فلا يضاعف لهم الجزاء ، ولا يزاد عليهم السوء . ولكن :

( جزاء سيئة بمثلها ) . . ( وترهقهم ذلة ) . .

تغشاهم وتركبهم وتكربهم .

( ما لهم من الله من عاصم ) . .

يعصمهم ويمنعهم من المصير المحتوم ، نفاذا لسنة الله الكونية فيمن يحيد عن الطريق ، ويخالف الناموس . . ثم يرسم السياق صورة حسية للظلام النفسي والكدرة التي تغشى وجه المكروب المأخوذ المرعوب :

( كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) . .

كأنما أخذ من الليل المظلم فقطع رقعا غشيت بها هذه الوجوه ! وهكذا يغشى الجو كله ظلام من ظلام الليل المظلم ورهبة من رهبته ، تبدو فيه هذه الوجوه ملفعة بأغشية من هذا الليل البهيم . .

( أولئك ) . . المبعدون في هذا الظلام والقتام ( أصحاب النار ) . . ملاكها ورفاقها ( هم فيها خالدون ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (27)

ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين ، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى - : { والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً } .

أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، فإن جزاء الذين اجترحوا السيئات ، واقترفوا الموبقات ، سيئات مثل السيئات التي ارتكبوها كما قال - تعالى - { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات في الدنيا ، فإن الله - تعالى - يجازيهم عليها في الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ .

وقوله : { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } أى : وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة شديدة ، وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم ، إيذان بأنها محيطة بهم من كل جانب .

وقوله : { مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } أى : ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم أو يشفع لهم ، بحيث ينجون من عذاب الله - تعالى - .

وقوله : { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً } تصوير بديع للظلام الحسي والمعنوى الذي يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين .

أى : كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم ، والسواد الحالك ، حتى سارت شديدة السود واضحة الكدرة والظلمة .

وقوله : { أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } بيان لسوء عاقبتهم ، وتعاسة أحوالهم .

أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة ، أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا لا نهاية له .

وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون الصادقون من صفات حسنة ، ومن جزاء كريم ، يتجلى في رفع درجاتهم ، وفى رضا الله - تعالى عنهم : كما نرى فيها - أيضا - وصفا معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته ؛ ووصفا للمصير المؤلم ، الذي ينتظرهم يوم القيامة ، { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (27)

قوله تعالى : { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما هم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } بعد أن بين حال المؤمنين المحسنين وما أعده لهم من الحسنى زيادة ؛ فإنه يبين في مقابلة ذلك حال المشركين والعصاة الذين اجترحوا السيئات وعملوا المعاصي والموبقات ووقعوا في الضلال والشرك ؛ فهؤلاء { جزاء سيئة بمثلها } { جزاء } مرفوع بالابتداء . { بمثلها } خبر المبتدأ . والباء زائدة . والتقدير : وجزاء سيئة سيئ مثلها{[1969]} .

والمراد بالمثلية هنا : أن جزاء المشركين والعصاة من العذاب مماثل لما قدموه من الذنوب والمعاصي دون زيادة ؛ فهم بذلك غير مظلومين . وذلك هو العدل المطلق من الله في مجازاته للعصاة بمثل ما يستحقونه من العذاب . وفضله البالغ في مجازاة المؤمنين المحسنين زيادة مما يستحقون .

قوله : { وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم } أي تغشى وجوههم علائم الخزي والهوان والافتضاح ؛ إذ ليس لهم حينئذ من حافظ يمنعهم من العذاب ، ولا واق يقيهم مما هو واقع بهم يوم القيامة .

قوله : { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } { قطعا } ، بفتح الطاء : فهي جمع قطعة ، و { مظلما } منصوب على الحال من الليل ، فيكون التقدير : أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . وهذه قراءة عامة قراء الأمصار . وقرئ { قطعا } بإسكان الطاء فتكون { مظلما } صفة لقوله : { قطعا } {[1970]} وهذا إخبار عما يغشى وجوه الكافرين والقيامة من السواد والقتر والكلوح كأنما ألبست قطعا من سواد الليل المظلم .

قوله : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } هؤلاء الذين سبقت صفتهم من الشرك . وفعل المعاصي هم أهل النار . فهم ماكثون فيها غير مبعدين عنها ولا مبارحين{[1971]} .


[1969]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 410.
[1970]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 411.
[1971]:تفسير الطبري جـ 11 ص 76- 78 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 332.