في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

128

وتنتهي التعقيبات بتهديد آخر ملفوف ، عميق الإيحاء والتأثير في القلوب :

( قل : يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ، إنه لا يفلح الظالمون ) . إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه ، والحق الذي وراءه ؛ ومن القوة التي في الحق ، والقوة التي وراء الحق . . التهديد من الرسول [ ص ] بأنه نافض يديه من أمرهم ، واثق مما هو عليه من الحق ، واثق من منهجه وطريقه ، واثق كذلك مما هم عليه من الضلال ، وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون :

( إنه لا يفلح الظالمون ) . .

فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف . . إنه لا يفلح المشركون ، الذين يتخذون من دون الله أولياء . وليس من دون الله ولي ولا نصير . والذين لا يتبعون هدى الله . وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين . .

وقبل أن نمضي مع سياق السورة حلقة جديدة ، نقف وقفة سريعة مع هذه الحلقة الوسيطة بين حديث عن تشريع الذبائح - ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر اسم الله عليه - وحديث عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد . . هذه الحلقة التي تضمنت تلك الحقائق الأساسية من حقائق العقيدة البحتة ؛ كما تضمنت مشاهد وصوراً وتقريرات عن طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ؛ وعن المعركة بين الشياطين من الإنس والجن وبين أنبياء الله والمؤمنين بهم ، كما تضمنت ذلك الحشد من المؤثرات الموحية التي سبقت نظائرها في سياق السورة وهو يواجه ويعرض حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل . .

نقف هذه الوقفة السريعة مع هذه الحلقة الوسيطة ؛ لنرى كم يحفل المنهج القرآني بهذه الواقعيات العملية ، وهذه الجزئيات التطبيقية في الحياة البشرية ؛ وكم يحفل بانطباقها على شريعة الله ؛ وعلى تقرير الأصل الذي يجب أن تستند إليه ؛ وهو حاكمية الله . . أو بتعبير آخر ربوبية الله . .

فلماذا يحفل المنهج القرآني هكذا بهذه القضية ؟

يحفل بها لأنها من ناحية المبدأ تلخص قضية " العقيدة في الإسلام ؛ كما تلخص قضية " الدين " . فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة : أن لا إله إلا الله . وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله . ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله . . والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة . فهو من ثم مزاولة لحق الألوهية ، يأباه المسلم إلا الله . . والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم العملي - كما هو الأمر في العقيدة القلبية - لألوهية واحدة هي ألوهية الله ، ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين ! والتشريع هو مزاولة للألوهية ، والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية . . ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده ؛ ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين !

من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية ، والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية . . والقرآن المكي - كما أسلفنا في التقديم لهذه السورة في الجزء السابع - لم يكن يواجه قضية النظام والشرائع في حياة الجماعة المسلمة ؛ ولكنه كان يواجه قضية العقيدةوالتصور . ومع هذا فإن السورة تحفل هذا الاحتفال بتقرير هذا الأصل الاعتقادي في موضوع الحاكمية . . ولهذا دلالته العميقة الكبيرة . .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفض يده من هؤلاء المشركين ، وأن يتركهم لأنفسهم . وأن ينذرهم بسوء العاقبة إذا ما ستمروا فى كفرهم فقال - تعالى - { قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .

أى : قل يا محمد لهؤلاء المصرين على كفرهم اعمولا على غاية تمكنكم من أمركم ، وأقصى استطاعتكم . مصدر مكن - ككرم - مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن وأقواه ، أو المعنى اعملوا على جهتكم واثبتوا على كفركم وحالتكم التى أنتم عليها من قولهم . مكان ومكانة كمقام ومقامة .

قال الزمخشرى : يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : مكانك يا فلان أى : اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه .

والأمر للتهديد والوعيد ، وإظهار ما هو عليه صلى الله عليه وسلم فى غاية التصلب فى الدين ونهاية الوثوق بأمره ، وعدم المبالاة بأعدائه أصلا .

وقوله { إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أى : إنى عامل على مكانتى ، ثابت على الإسلام لا أتزحزح عن الدعوة إليه ، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى فى هذه الدنيا .

وقوله : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } بجانب إفادته للإنذار ، فيه إنصاف فى المقال ، وحسن أدب فى الخطاب ، حيث لم يقل - مثلا - العاقبة لنا ، وإنما فوض الأمر إلى الله ، فهو كقوله - تعالى - { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }

وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه على الحق .

قال الجمل - وسوف لتأكيد مضمون الجملة ، وهذه الجملة . تعليل لما قبلها والعلم عرفان ، ومن استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء وخبرها جملة تكون ، وهى مع خبرها فى محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون . أى : فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التى خلق الله هذه الدار لها ، ويجوز أن تكون موصولة فيكون محلها النصب على أنها مفعول لتعلمون . أى : فسوف تعلمون الذى له عاقبة الدار " .

ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أى : لن يظفروا بمطلوبهم بسبب ظلمهم ، وقيل المراد بالظلم هنا الكفر ، ووضع الظلم موضع الكفر ، إيذاناً بأن امتناع الفلاح يترتب على أى فرد كان من أفراد الظلم ، فما ظنك بالكفر الذى هو أعظم أفراده .

قال ابن كثير ، وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلى الله عليه وسلم فمكن فه فى البلاد ، وحكمه فى نواصى مخالفيه من العباد ، وفتح له مكة ، وأظهره على من كذبه من قومه ، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب . ، وكل ذلك فى حياته ، ثم فتحت الأقاليم والأمصار بعد وفاته . قال - تعالى - { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (135)

قوله : { قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل } أي اعملوا أيها المشركون على طريقتكم وشاكلتكم وأنا عامل على طريقتي وشاكلتي . أي اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني ربي به وهو الثبات على الإسلام والامتثال لأوامر الله والخضوع لدينه الحنيف . أما أن يؤمر المشركون بالثبات على ما هم عليه ، فذلك على سبيل التهديد لهم والوعيد . وذلك كقوله تعالى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } .

قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار } المراد بالدار : هذه الدنيا . والعاقبة : الحسنى ، أو عاقبة الخير ، أو العاقبة المحمودة . وعاقبة الدار أي العاقبة الحسنة التي خلق الله تعالى هذه الدار لها . ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وقنطرة يمر من فوقها العباد في طريقهم إلى يوم الحساب . ومن ، استفهامية ، في محل رفع على الابتداء ، والجملة بعدها خبرها . والمعنى : سوف تعلمون أيها المشركون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار . وقيل : من اسم موصول بمعنى الذي وهو في محل نصب مفعول { تعلمون } أي سوف تعلمون الذي له عاقبة الدار . وفي ذلك من الإنذار والوعيد ما لا يخفى .

قوله : { إنه لا يفلح الظالمون } أي أن هؤلاء المشركون لن يفوزوا أو يفلحوا في حياتهم الدنيا ولا الآخرة . فلسوف يحرمون في حياتهم هذه من البركة ورضى النفس وسكينتها فضلا عما يبتليهم به الله من أمراض الهلع والجشع وفرط الأنانية واحترار الشهوات التي تظل تؤزهم أزا ثم يثوبون بعد ذلك إلى جحيم البرزخ وهو التوطئة المفروضة للعذاب الواصب الأكبر في الآخرة{[1281]} .


[1281]:- فتح القدير ج 2 ص 164- 165 وتفسير البيضاوي ص 192 والكشاف ج 2 ص 52.