( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام . وما كانوا أولياءه . إن أولياؤه إلا المتقون . ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . .
إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت الله الحرام . . فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع . إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه . إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه ! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف . إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله . ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب ؛ إنما هي وراثة دين وعقيدة . والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت الله الذي بناه لله ؛ فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم !
ثم بين - سبحانه - بعض الجرائم التي ارتكبها المشركون ، والتي تجعلهم مستحقين لعذاب الله ، فقال - تعالى - : { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .
والمعنى : وأى شئ يمنع من عذاب مشركى قريش بعد خروجك - يا محمد - وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم ؟ إنه لا مانع أبدا من وقوع العذاب عليهم وقد وجد مقتضيه منهم ، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد .
فالاستفهام في قوله { وَمَا لَهُمْ . . } إنكارى بمعنى النفى . أى : لا مانع من تعذيب اله لهم وقوله { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة ، أى : لا مانع يمنع من تعذيبهم : وكيف لا يعذبهم وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام ، ومن زيارته . ومن مباشرة عباداتهم عنده . . ؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم .
ولقد أوقع الله بهم عذابه في الدنيا : ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم .
وأما عذابهم في الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم في الدنيا .
وقوله : { وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ } رد على ما كانوا يقولونه بالباطل : نحن ولاة البيت الحرام ، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله ، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله .
أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا في يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - لله تعالى - رب هذا البيت .
وقوله { إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بيان للمستحقين لولاية البيت الحرام ، بعد نفيها عن المشركين .
أى : إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام ، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء لله - تعالى - بسبب كفرهم وجحودهم ، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم في الجحود والضلال .
وقد جاءت جملة { إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون } مؤكدة بأقوى ألوان التأكيد ، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولا يتهم هم .
ونفى - سبحانه - العلم عن أكثر المشركين ، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عناداً وغروراً . أو أن المراد بالأكثر الكل ، لأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام ، كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم .
قوله تعالى : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون 34 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي : وما يمنع هؤلاء المشركين من أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرونه من كفرهم ، ويصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام . فهم مستحقون من كفرهم ، ويصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام . فهم مستحقون للعذاب بما ارتكبوه من القبائح والموبقات .
قوله : { وما كانوا أولياءه إلا المتقون } أي كيف لا يعذب الله هؤلاء الظالمين الذين يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عام الحديبية وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت فنصد من نشاء وندخل من نشاء { وما كانوا أولياءه } أي أن هؤلاء المشركون الظالمين ليسوا هم أهل المسجد الحرام ولا يستحقون أن يكونوا ولاة أمره وأربابه { إن أولياءه إلا المتقون } أي ليس أولياءه وأهل غير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يتقون الله والذين هم على جادة الصواب . فهم مجانبون للضلال والظلم والباطل ، مستمسكون بالحق والعدل . أما الكفرة الظالمون ؛ فإنهم غير مؤتمنين على صوت بيوت الله أو رعايتها وولاية شؤونها . كما قال سبحانه : { وما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } وكيف وا لهفي والمسجد الأقصى ، أولى القبلتين وثالث الحرمين أسير يهود ؛ إذ أطبقوا عليه إطباقا فحالوا بينه وبين المسلمين أن يدخلوه أو يصلوا فيه . سبحانك اللهم إن هذا لهو الجور المبين والظلم الفادح العظيم .
قوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي أن أكثر هؤلاء الضالين الخاطئين ضالعون في الجهالة والعمه ، فلا يعلمون الحق ولا يفقهون على الصواب ، ولا يمضون على جادة الصراط . وذلك هو شأن البشرية في غالب أزمانها وأحوالها وشعوبها ، فإن الأكثرين من الناس قد غشيت بصائرهم العماية والتضليل والوهم ، فلم يهتدوا سبيلا . وأسباب ذلك متعددة ، وفي طليعة ذلك إغراء الشياطين من الإنس الذين يضلون الناس والذين يزينون لهمن مجانبة الحق والهداية والتزام الطاعات ، وكذلك يزينون لهم فعل المحظورات جريا وراء الملذات والشهوات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.