تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }

يقول تعالى : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } أي : ليس هذا هو البر المقصود من العباد ، فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف ، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ونحو ذلك .

{ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي : بأنه إله واحد ، موصوف بكل صفة كمال ، منزه عن كل نقص .

{ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } وهو كل ما أخبر الله به في كتابه ، أو أخبر به الرسول ، مما يكون بعد الموت .

{ وَالْمَلَائِكَةِ } الذين وصفهم الله لنا في كتابه ، ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم { وَالْكِتَابِ } أي : جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله ، وأعظمها القرآن ، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام ، { وَالنَّبِيِّينَ } عموما ، خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم .

{ وَآتَى الْمَالَ } وهو كل ما يتموله الإنسان من مال ، قليلا كان أو كثيرا ، أي : أعطى المال { عَلَى حُبِّهِ } أي : حب المال ، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس ، فلا يكاد يخرجه العبد .

فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى ، كان هذا برهانا لإيمانه ، ومن إيتاء المال على حبه ، أن يتصدق وهو صحيح شحيح ، يأمل الغنى ، ويخشى الفقر ، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة ، كانت أفضل ، لأنه في هذه الحال ، يحب إمساكه ، لما يتوهمه من العدم والفقر .

وكذلك إخراج النفيس من المال ، وما يحبه من ماله كما قال تعالى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه .

ثم ذكر المنفق عليهم ، وهم أولى الناس ببرك وإحسانك . من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم ، وتفرح بسرورهم ، الذين يتناصرون ويتعاقلون ، فمن أحسن البر وأوفقه ، تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي ، على حسب قربهم وحاجتهم .

ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم ، وليس لهم قوة يستغنون بها ، وهذا من رحمته [ تعالى ] بالعباد ، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده ، فالله قد أوصى العباد ، وفرض عليهم في أموالهم ، الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه ، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره ، رُحِمَ يتيمه .

{ وَالْمَسَاكِين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة ، وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء ، بما يدفع مسكنتهم أو يخففها ، بما يقدرون عليه ، وبما يتيسر ، { وَابْنَ السَّبِيلِ } وهو الغريب المنقطع به في غير بلده ، فحث الله عباده على إعطائه من المال ، ما يعينه على سفره ، لكونه مظنة الحاجة ، وكثرة المصارف ، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته ، وخوله من نعمته ، أن يرحم أخاه الغريب ، الذي بهذه الصفة ، على حسب استطاعته ، ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره ، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها .

{ وَالسَّائِلِينَ } أي : الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج ، توجب السؤال ، كمن ابتلي بأرش جناية ، أو ضريبة عليه من ولاة الأمور ، أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة ، كالمساجد ، والمدارس ، والقناطر ، ونحو ذلك ، فهذا له حق وإن كان غنيا { وَفِي الرِّقَابِ } فيدخل فيه العتق والإعانة عليه ، وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده ، وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة .

{ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } قد تقدم مرارا ، أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة ، لكونهما أفضل العبادات ، وأكمل القربات ، عبادات قلبية ، وبدنية ، ومالية ، وبهما يوزن الإيمان ، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان .

{ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا } والعهد : هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه . فدخل في ذلك حقوق الله كلها ، لكون الله ألزم بها عباده والتزموها ، ودخلوا تحت عهدتها ، ووجب عليهم أداؤها ، وحقوق العباد ، التي أوجبها الله عليهم ، والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور ، ونحو ذلك .

{ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ } أي : الفقر ، لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة ، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره .

فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم ، وإن جاع أو جاعت عياله تألم ، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم ، وإن عرى أو كاد تألم ، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم ، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم .

فكل هذه ونحوها ، مصائب ، يؤمر بالصبر عليها ، والاحتساب ، ورجاء الثواب من الله عليها .

{ وَالضَّرَّاءِ } أي : المرض على اختلاف أنواعه ، من حمى ، وقروح ، ورياح ، ووجع عضو ، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك ، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك ، لأن النفس تضعف ، والبدن يألم ، وذلك في غاية المشقة على النفوس ، خصوصا مع تطاول ذلك ، فإنه يؤمر بالصبر ، احتسابا لثواب الله [ تعالى ] .

{ وَحِينَ الْبَأْسِ } أي : وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم ، لأن الجلاد يشق غاية المشقة على النفس ، ويجزع الإنسان من القتل ، أو الجراح أو الأسر ، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا ، ورجاء لثواب الله [ تعالى ] الذي منه النصر والمعونة ، التي وعدها الصابرين .

{ أُولَئِكَ } أي : المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة ، والأعمال التي هي آثار الإيمان ، وبرهانه ونوره ، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية ، فأولئك هم { الَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم ، لأن أعمالهم صدقت إيمانهم ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } لأنهم تركوا المحظور ، وفعلوا المأمور ، لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير ، تضمنا ولزوما ، لأن الوفاء بالعهد ، يدخل فيه الدين كله ، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات ، ومن قام بها ، كان بما سواها أقوم ، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون .

وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة ، من الثواب الدنيوي والأخروي ، مما لا يمكن تفصيله في [ مثل ] هذا الموضع .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

وقوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون )

( البر ) اسم جامع للخير . وهو منصوب على الخبرية لليس . والمصدر المؤول من أن والفعل في محل رفع اسم ليس . والتقدير : ليس البر توليتُكم{[188]} .

وقد ورد في سبب نزول الآية أن أهل الكتاب وبعض المسلمين قد شق عليهم أن يغيروا قبلتهم التي كانوا عليها وهي بيت المقدس ثم يتوجهوا بعدها إلى مكة القبلة الجديدة . لقد غضب اليهود من ذلك أشد الغصب واستاءوا بذلك كثيرا . وكذلك قد ارتاب فريق من المسلمين من ضَعَفَةِ الإيمان وكأن البرّ والإيمان والإحسان كله محصور في شكل التوجه إلى جهة من الجهات ، سواء كانت شرقا أو غربا . فليس البر في التوجه نحو مشرق أو مغرب إن كان ذلك عن غير أمر من الله . ولكن البر كما شرحته الآية هو الإيمان الصحيح الأوفى الذي يأتي مقتران بالعمل الصحيح المشروع .

ما قيمة التوجه صوب جهة من الجهات مادام ذلك شكليا بحتا وغير قائم على العقيدة الواعية الراسخة ، وغير مقترن بالعمل النافع المشروع . ليس الإسلام قائما على التعصب لمتشنج أو الشكلية الخاوية من المضمون . ولا هو بالدين الذي يعتمد طقوسا شكلية بلهاء تتلقاها الأجيال كابرا عن كابر دون وعي أو إدراك أو تبصر .

ولكن الإسلام دين الفطرة والعقل . وهو طريقه الوحي المنزل من السماء الذي يحمل للأرض معالم الهداية والرشاد ليثوب الناس إلى ربهم وليمضوا في طريقه ، طريق الحق والعدل والنور ، طريق الهداية والفضيلة والعمل المخلص النافع .

وها هي الآية الكريمة تبين حقيقة البر الذي ينفع الناس والذي يقودهم إلى الخير ومرضاة الله ، فقال سبحانه : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه . . . ) ذلك هو البر الصحيح المقصود . وليس هو التوجه نحو شرق أو غرب دون ترشيد من الله إلا التعصب والاستعصام بالشكليات غير الواعية .

إن البر هو الإيمان بالله أولا . فإن الله جل شأنه حق يملأ الوجود كله . وما من ظاهرة في هذا الكون ولا حقيقة أو معلوم أو خليقة من خلائق الأحياء وغير الأحياء إلا ويشهد في سطوح مكشوف على وجود الله وعلى عظمته وجلاله وهيمنته المطلقة .

وكذلك يوم الآخر . وهو يوم حافل ورهيب ومشهود تتلاقى فيه البشرية كافة وتجتمع فيه الأحياء جميعا . وفي هذا اليوم الشديد تلاقي كل نفس ما قدمت من عمل . وإذ ذاك لا مناص لكل امرئ من مواجهة مصيره المرتقب تبعا لما قدم في الدنيا . وحينئذ لا تنفع أحد شفاعة ولا تنجيه من العذاب خُلة كان يعقدها في الدنيا مع عظيم أو رئيس أو ذي مكانة وصولجان . بل إن هذه ساعة الفزع الأكبر التي تغيب فيها الوساطات والعلائق والشفاعات . وما من إنسان حينئذ إلا وهو حائر واجف مرتعب لا يلوي من خلفه أو خلفه أو حوله على شيء .

وكذلك الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين . وهذه أركان ثلاثة أخرى من أركان العقيدة في هذا الدين الكبير . فإنه لا قوام لا إيمان امرئ إلا أن يستوفي في نفسه أركان هذه العقيدة الستة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيرهما وشرهما .

ولا يكتمل البر تماما إلا بالعمل كذلك ، فإنه لا يكفي أن تتركز في النفس معاني الإيمان إلا أن يقترن بعمل الصالحات ، وهي في قوله : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) ، فإن من تمام البر إعطاء المال مع الحاجة إليه أو الرغبة فيه لذوي القربى والآخرين الذي بينتهم الآية . والمال منصوب على المفعولية . ( ذوي ) منصوب بالياء ؛ لأنه مفعول ثان للفعل ( آتى ) أي أعطى . وبذلك فإن شبه الجملة- ( على حبه ) - تأتي معترضة ؛ لما في ذلك من تبيين لتمام البر الذي يكون عند إعطاء المال مع الرغبة فيه أو الحاجة إليه . فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر .

وفي حقيقة المال الذي يُقدم على حبه خلاف . فقد قيل : إن المراد بهذا المال الزكاة . وفي قول ثان : إن المراد ما كان من مال يؤدي غير الزكاة . وذلك هو الصواب . فقد أخرج الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله ( ص ) : " إن في المال حقا سوى الزكاة " ثم تلا هذه الآية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) ويشبه ذلك أيضا قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) وقوله سبحانه : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) .

وقوله كذلك في آية أخرى : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) . قوله : ( ذوي القربى ) هم أقرباء الرجل . فهم أولى بالبر والعطايا خصوصا إذا كانوا محاويج معوزين . فقد جاء في الحديث : " الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذوي الرحم اثنتان : صدقة وصلة ، فهم أولى الناس يبرك وإعطائك " .

أما اليتامى فهم الذين مات آباؤهم ، ولما يبلغوا الحلم ولم يكن لهم معيل كاسب . هؤلاء الصغار الذين مات آباؤهم ولا يستطيعون أن يتكسبوا ؛ لصغرهم وافتقاد من يقوم على رعايتهم ، هم الأيتام الذين أوصى الله بهم وأوجب أن يعطوا من المال ما يدرأ عنهم الفاقة ، ويدفع عنهم غائلة الطوى والحاجة ، أما إن بلغ اليتيم الحلم فقد بات رجلا يستطيع أن يكد ويكتسب . فهو حينئذ لا يعطي من المال بكونه يتيما ، إلا أن يكون ذا حاجة فإنه يعطي . وقد جاء في الحديث الشريف : " لا يُتم بعد احتلام " {[189]} .

أما المساكين فهو جمع تكسير مفرده مسكين . والمسكين هو الذي يملك ما يكفيه أو يسد حاجته من الطعام والكساء والإيواء . وفي ذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه " .

وأما ابن السبيل فإنه يراد به المسافر المنقطع الذي لا يمتلك مالا . أو هو البعيد عن أهله ودياره والذي انقطعت به أسباب العيش لافتقاده المال . فذلكم يعطي من المال ما يمكنه من بلوغ أهله ودياره .

وقيل : إنه يتناول الضيف فإنه معتبر من أبناء السبيل . والضيف الذي ينزل بأحد المسلمين له واجب الضيافة من إطعام وإيواء وإتحاف .

وقوله : ( والسائلين ) وهم الذين يسألون الناس آو يتعرضون لطلبهم ، فإنهم ينبغي أن يعطوا سواء كان ذلك من مال الزكاة أو غيرهما .

على أن السائل يعطي دون مسائلته أو التنقيب عن حقيقة حاله . فما يعتبر في هذا الأمر غير الطلب من أحد السائلين ، فإنه إذا سأل وجب إعطاؤه دون مجادلة أو منّة حتى وإن جاء السائل يلبس الفاخر من الثياب . فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : قال رسول الله ( ص ) : " للسائل حق وإن جاء على فرس " .

وقوله : ( وفي الرقاب ) وهم المكاتبون . ومن المكاتبة وهي عقد بين العبد والسيد يلتزم العبد بموجبه دفع مبلغ من المال لسيده بدل إعتاقه على أن يكون الدفع على التراخي . هؤلاء المكاتبون أمانات في رقاب الأسياد المالكين . فعليهم أن يرعوهم حق رعايتهم ، وأن يعاملوهم بالرحمة والإحسان ، وأن يستجيبوا لطلبهم في المكاتبة ليتمكنوا بعد ذلك من الفكاك من رق العبودية . وبذلك فإن الشريعة توجب إعطاء هذا الصنف من الناس قدرا من المال يستعينون به على التحرر . ومن المعلوم أن هذا القدر من المال غير داخل في مبلغ الزكاة الواجب إخراجه لمستحقيه ، ولكنه يؤديه المؤمنون الراغبون في عمل البر . وفي الحديث الشريف : " في المال حق سوى الزكاة " .

قوله : ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) أي أتم الصلاة على أحسن وجه من تمام الركوع والسجود والقراءة وتمام الخشوع والطمأنينة مع ما يرافق ذلك من اجتماع النية وحضور القلب .

وكذلك فإن من البر إيتاء الزكاة . أي دفعها لمستحقيها دون تأخير أو تردد أو إنقاص . والمراد بالزكاة هنا المفروضة وهي غير المذكورة في أوجه البر السابقة ، يؤيد ذلك ما قاله الرسول ( ص ) : " إن في المال حقا سوى الزكاة " .

وقوله ( الموفون بعهدهم إذا عهدوا ) العهد هو الموثق والأمان والذمة{[190]} .

والوفاء به واجب على المسلم ليكتب عند الله مؤمنا صديقا وإلا كان على شعبة من النفاق ، فقد صح في الحديث الشريف : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

والوفاء بالعهد بعد الالتزام والتعاهد يكون بين العبد وربه ، أو بين العبد وغيره من الناس ، فإذا عاهد المسلم ربه ليلتزم بأمر من الأمور المشروعة وجب الوفاء بذلك . وهو كذلك إذا عاهد أحدا غيره من العباد ، فما يكون له بعد ذلك أن ينقض عهده أو يُخلف ما ألزم نفسه بالوفاء به .

وقوله : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) ( والصابرين ) منصوب على المفعولية لفعل مدح محذوف ، وقيل : معطوف على قوله : ( ذوي القربى ) {[191]} و ( البأساء ) معناه الفقر . ( والضراء ) معناه المرض . أما البأساء فهو الحرب .

هذه هي المقتضيات الحقيقة للبر ، والتي تنطق بها حقيقة هذا الدين العظيم ، فلا طقوس أو شكليات ، ولا مظاهر جوفاء يعوزها المضمون كشأن المشركين وأهل الكتاب الذين يعبأون بالصورة دون المعنى ، وبالشكل دون الحقيقة ، وبالطقوس الخاوية البلهاء دون العقيدة الواعية والفكر السليم . وسواء كان التولي نحو المشرق أو المغرب ، فإنه لا قيمة لذلك ما لم يقترن بالتوجه الحقيقي والكامل نحو الله وحده وما لم يقترن كذلك بجملة الأسس الإيمانية والتطبيق العملي لظواهر هذا الدين ، وهي مقتضيات البر التي متحدثنا عنها آنفا . ما بين إيمان صحيح وإيتاء للمال على حبه ثم إقامة للصلاة وأداء للزكاة ووفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس . ولا يمارس ذلك أو يحققه على التمام إلا من كان من الصادقين المتقين . وفي ذلك يقول سبحانه آخر الآية : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) {[192]} .


[188]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 138.
[189]:- رواه أبو داود عن علي.
[190]:- مختار الصحاح ص 460.
[191]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 140.
[192]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 238- 244 وتفسير النسفي جـ 1 ص 90.