تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ } وذلك أن هذه الآيات الكريمات قد ذكر المفسرون أن سبب نزولها : أن أهل بيت سرقوا في المدينة ، فلما اطلع على سرقتهم خافوا الفضيحة ، وأخذوا سرقتهم فرموها ببيت من هو بريء من ذلك .

واستعان السارق بقومه أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه أن يبرئ صاحبهم على رءوس الناس ، وقالوا : إنه لم يسرق وإنما الذي سرق من وجدت السرقة ببيته وهو البريء . فهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم ، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرا وتبيينا لتلك الواقعة وتحذيرا للرسول صلى الله عليه وسلم من المخاصمة عن الخائنين ، فإن المخاصمة عن المبطل من الضلال ، فإن الضلال نوعان :

ضلال في العلم ، وهو الجهل بالحق . وضلال في العمل ، وهو العمل بغير ما يجب . فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال [ كما حفظه عن الضلال في الأعمال ]{[231]}

وأخبر أن كيدهم ومكرهم يعود على أنفسهم ، كحالة كل ماكر ، فقال : { وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ } لكون ذلك المكر وذلك التحيل لم يحصل لهم{[232]} فيه مقصودهم ، ولم يحصل لهم  إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران . وهذه{[233]}  نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم تتضمن النعمة بالعمل ، وهو التوفيق لفعل ما يجب ، والعصمة له عن كل محرم .

ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال : { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أي : أنزل عليك هذا القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه تبيان كل شيء وعلم الأولين والآخِرين .

والحكمة : إما السُّنَّة التي قد قال فيها بعض السلف : إن السُّنَّة تنزل عليه كما ينزل القرآن .

وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها ، وتنزيل الأشياء منازلها وترتيب كل شيء بحسبه .

{ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى . فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله : { مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى }

ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين ، فكان أعلم الخلق على الإطلاق ، وأجمعهم لصفات الكمال ، وأكملهم فيها ، ولهذا قال : { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من فضله على كل مخلوق{[234]}

وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به لا يمكن استقصاؤها{[235]}  ولا يتيسر إحصاؤها{[236]}


[231]:- زيادة من هامش ب.
[232]:- في النسختين: له وقد غيرتها للتوافق مع ما سبق من الضمائر.
[233]:- في النسختين: وهذا.
[234]:- في ب: الخلق.
[235]:- في النسختين: استقصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل الصواب ما أثبت.
[236]:- في النسختين: إحصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل الصواب ما أثبت.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) لولا أداة امتناع لوجود . واسم الجلالة بعد لولا مرفوع على الابتداء والخبر محذوف تقديره موجود . وذلك يعني أنه لولا فضل الله عليك يا محمد إذ أيّدك بالعصمة ونبهك لما ائتمر عليه المنافقون المخادعون ، الذين استهمّوا في تآمر خبيث ليزلقوك في الضلالة فتجنح صوب الظلم والباطل ، وذلك أنهم جاءوك يسألونك تبرئة ابن أبيرق السارق " سواء كان بشيرا أو طعمة " من تهمة السرقة ثم إلحاقها بالبريء لبيد بن سهل وقيل هو زيد ابن السمين وكلاهما يهودي . لكن هؤلاء المنافقين المخادعين إنما يضلّون أنفسهم بإيرادها موارد المعصية والهلاك لما اقترفوه من كذب على رسول الله ( ص ) وافتراء على البرئاء . وذلك يستوجب لهم من العقاب ما يدفعهم مقهورين إلى جهنم إلا أن يشاء الله غير ذلك . وهم كذلك لا يملكون للنبي عليه الصلاة والسلام ضرا ولا أذى فإنه عليه السلام قد أحاطت به عناية الله ليكون مصونا معصوما .

قوله : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) الواو في قوله : ( وأنزل ) تحتمل أحد معنيين وهما الحال والاستئناف . واعتبارها على الحال يجعل المعنى على النحو التالي : أن هؤلاء لا يضرونك حال إنزال الله عليك القرآن والحكمة وهي معناها السنّة ، وفي قول آخر بأنها القضاء في موضع الوحي وهو نفس المعنى الذي يتضمن مفهوم السنة . ذلك أن السنة هي ما يصدر عن النبي من طريق الوحي ، فما يتصرف النبي تصرفا من قول أو فعل أو تقرير إلا جاء صحيحا قائما لا يعتريه زيغ أو اعوجاجا ؛ لأنه عليه السلام الملهم المقوّم من ربه فلا يضل ولا يطغى . ذلك هو المعنى المطابق لاعتبار الواو مفيدة للحال ، مع ترجيح القول الثاني وهو أنها تفيد الاستئناف .

ويمن الله على نبيه بما علّمه إياه من العلم والحكمة والتشريع مما لم يكن يعلم قبل هبوط الوحي عليه . وتلك نعمة هائلة جليلة لا تعدلها أنعم الأرض جميعا . فلا غرو بعد ذلك أن يمنّ الله على نبيه بما أتاه من عظيم الفضل وما طوّقه به من كبير النعمة والعطاء ممثلا في النبوّة الطاهرة المعصومة وما يستتبعه ذلك من زاخر المعرفة والحكمة{[830]} .


[830]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 379-381 – وروح المعاني جـ 5 ص 142 وفتح القدير جـ 1 ص 513.