تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

ثم قال متعجبا لهم{[265]} { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } فإنهم -لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه- لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة التي بين أيديهم ، لعلهم أن يجدوا عندك ما يوافق أهواءهم .

وحين حكمت بينهم بحكم الله الموافق لما عندهم أيضا ، لم يرضوا بذلك بل أعرضوا عنه ، فلم يرتضوه أيضا .

قال تعالى : { وَمَا أُولَئِكَ } الذين هذا صنيعهم { بِالْمُؤْمِنِينَ } أي : ليس هذا دأب المؤمنين ، وليسوا حريين بالإيمان . لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم ، وجعلوا أحكام الإيمان تابعة لأهوائهم .


[265]:- في ب: منهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

قوله : { وكيف يحكمونك وعندهم التورة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } هذا تعجيب من تحكيم يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أنهم لا يؤمنون به أصلا . فقد حكموه في حد الزاني وهو منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به ، وهو التوراة . والحقيقة أن التحكيم منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن القصد منه معرفة الحق وإنما هو لطلب الأهون وهو لم يكن حكم الله تعالى بزعمهم ، بل كانوا يعلمون الحكم الصحيح الذي تضمنته التوراة وهو الرجم . وبعد ذلك كله أعرضوا عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في المسألة بعد أن حكموه فيها . وما ذلك كله إلا لفرط عنادهم وجهلهم ونكولهم عن الحق حيثما كان ، سواء في التوراة أو القرآن . وإنما مرادهم بلوغ الأسهل والأهون إقبالا على الأهواء والشهوات وحرصا على الحياة الدنيا .

قوله : { وما أولئك بالمؤمنين } أي ليسوا مؤمنين بك يا محمد ولا بصحة حكمك فهم بذلك كافرون . وقيل : ليسوا مؤمنين بكتابهم التوراة وإن كانوا يصطنعون الإيمان بها . فقد أبوا الاحتكام إليها في أمر الزاني ، لأنه الرجم وهو يرومون دون ذلك وهو الجلد . وبذلك فإنهم لا إيمان لهم بشيء{[975]} .


[975]:- روح المعاني ج 6 ص 142 وتفسير الرازي ج 11 ص 243.