اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

قوله تعالى : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ } كقوله : { كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى } [ البقرة : 260 ] وقد تقدم .

[ قولُه : ]{[11815]} " وعنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ " " الواوُ " للحالِ ، و " التوراة " يجوزُ أن تكون مُبْتدأ والظرفُ خَبَرُه ، ويجوزُ أنْ يكونَ الظرفُ حالاً ، و " التوراةُ " فاعلٌ بِهِ لاعتمادِهِ على ذِي الحالِ .

والجملةُ الاسميَّةُ أو الفعليَّةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ .

وقوله : { فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ } ، " فيها " خَبَرٌ مقدمٌ ، و " حُكْمُ " مبتدأ ، أو فاعِلٌ كما تقدم في " التوراةِ " ، والجملةُ حالٌ من " التوراةِ " ، أو الجار وحدَهُ ، و " حُكْمُ " مصدرٌ مضافٌ لفاعلِهِ .

وأجاز الزمخشريُّ{[11816]} : ألاَّ يكون لها مَحَل من الإعراب ، بل هي مُبَيِّنةٌ ؛ لأنَّ عندَهُم ما يُغنيهم عن التحكيمِ ، كما تقولُ : " عندك زيدٌ يَنْصَحُك ، ويُشيرُ عليك بالصَّوابِ ، فما تصنعُ بِغَيْره ؟ " .

وقولُه تعالى : " ثُمَّ يَتولّونَ " معطوفٌ على " يُحَكِّمونَكَ " ، فهو في سياقِ التعجُّب المفهُومِ مِن " كَيْفَ " وذلك إشارةٌ إلى حُكْمِ الله الذي في التوراة ، ويجوزُ أن يَعُودَ إلى التحكيم والله أعلم .

فصل

هذا تعجُّبٌ من اللَّهِ لنبيه [ عليه الصلاةُ والسلامُ ] مِنْ تحكيمِ اليهُودِ إياهُ{[11817]} بعد علمهم بما في التوراةِ مِنْ حدِّ الزَّانِي ، ثُم تركِهِمْ قبولَ ذلك الحُكْم فيتعدلُونَ عما يعتَقدُونَه حُكْماً [ حقاً ]{[11818]} إلى ما يعتقدُونه باطِلاً طلباً للرخْصةِ فظهر جهلهم وعنادهُم من وُجُوه :

أحدُها : عُدُولهُمْ عن حُكْمِ كتابِهِم .

والثاني : رجوعُهم إلى حكمِ مَنْ كانوا يعتقدون أنه مُبطلٌ .

والثالث : إعراضُهم عن حكمه بعد أن حكَّموه ، فبينَ الله تعالى حال جهلهم وعنادهم ؛ لَئِلا يَغْتَرَّ مُغْترٌّ أنهم أهلُ كتابِ الله ومن المحافظِينَ على أمْر الله .

ثُمَّ قال تعالى : { وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } أيْ بالتوراةِ وإنْ كانوا يُظْهِرُون الإيمانَ بها ، وقِيلَ : هذا إخبارٌ بأنهم لا يُؤمنونَ أبَداً ، وهو خَبَرٌ عن المستأنفِ لا عَنِ الماضِي .

وقِيلَ : إنَّهمَ وَإنْ طلبُوا الحكمَ مِنْك فما هُم بمؤمِنينَ بِكَ ، ولا بالمعتقدينَ في صِحّةِ حُكْمكَ .


[11815]:سقط في أ.
[11816]:ينظر: الكشاف 1/636.
[11817]:في أ: إياهم.
[11818]:سقط في أ.