تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج ، أمر المؤمنات بذلك ، فقال : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عن النظر إلى العورات والرجال ، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع ، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } من التمكين من جماعها ، أو مسها ، أو النظر المحرم إليها . { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالثياب الجميلة والحلي ، وجميع البدن كله من الزينة ، ولما كانت الثياب الظاهرة ، لا بد لها منها ، قال : { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي : الثياب الظاهرة ، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها ، { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } وهذا لكمال الاستتار ، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها ، يدخل فيها جميع البدن ، كما ذكرنا . ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن ، ليستثني منه قوله : { إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } أي : أزواجهن { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ } يشمل الأب بنفسه ، والجد وإن علا ، { أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ } أشقاء ، أو لأب ، أو لأم . { أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي : يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقا ، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية ، أي : النساء المسلمات ، اللاتي من جنسكم ، ففيه دليل لمن قال : إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية .

{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى ، أن ينظر لسيدته ، ما دامت مالكة له كله ، فإن زال الملك أو بعضه ، لم يجز النظر . { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } أي : أو الذين يتبعونكم ، ويتعلقون بكم ، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة ، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك ، وكالعنين الذي لم يبق له شهوة ، لا في فرجه ، ولا في قلبه ، فإن هذا لا محذور من نظره .

{ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أي : الأطفال الذين دون التمييز ، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب ، وعلل تعالى ذلك ، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء ، أي : ليس لهم علم بذلك ، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا ، أن المميز تستتر منه المرأة ، لأنه يظهر على عورات النساء .

{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } أي : لا يضربن الأرض بأرجلهن ، ليصوت ما عليهن من حلي ، كخلاخل وغيرها ، فتعلم زينتها بسببه ، فيكون وسيلة إلى الفتنة .

ويؤخذ من هذا ونحوه ، قاعدة سد الوسائل ، وأن الأمر إذا كان مباحا ، ولكنه يفضي إلى محرم ، أو يخاف من وقوعه ، فإنه يمنع منه ، فالضرب بالرجل في الأرض ، الأصل أنه مباح ، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة ، منع منه .

ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة ، ووصى بالوصايا المستحسنة ، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك ، أمر الله تعالى بالتوبة ، فقال : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ } لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح ، فقال : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة ، وهي الرجوع مما يكرهه الله ، ظاهرا وباطنا ، إلى : ما يحبه ظاهرا وباطنا ، ودل هذا ، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة ، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا ، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } أي : لا لمقصد غير وجهه ، من سلامة من آفات الدنيا ، أو رياء وسمعة ، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

قوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } عما لا يحل لهن { ويحفظن فروجهن } عمن لا يحل . وقيل أيضاً : يحفظن فروجهن يعني : يسترنها حتى لا يراها أحد . وروي عن أم سلمة : " أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه ، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجبا منه ، فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه " قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } يعني : لا يظهرن زينتهن لغير محرم ، وأراد بها الزينة الخفية ، وهما زينتان خفية وظاهرة ، فالخفية : مثل الخلخال ، والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط والقلائد ، فلا يجوز لها إظهارها ، ولا للأجنبي النظر إليها ، والمراد من الزينة موضع الزينة . قوله تعالى : { إلا ما ظهر منها } أراد به الزينة الظاهرة . واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى : قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي : هو الوجه والكفان . وقال ابن مسعود : هي الثياب بدليل قوله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } وأراد بها الثياب . وقال الحسن : الوجه والثياب . وقال ابن عباس : الكحل والخاتم والخضاب في الكف . فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة ، فإن خاف شيئاً منها غض البصر ، وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة ، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره . قوله عز وجل : { وليضربن بخمرهن } أي : ليلقين بمقانعهن ، { على جيوبهن } وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن وأعناقهن وأقراطهن . قالت عائشة : رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عز وجل : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن بها . { ولا يبدين زينتهن } يعني : الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب ، وهو ما عدا الوجه والكفين { إلا لبعولتهن } قال ابن عباس ومقاتل : يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن ، أي إلا لأزواجهن ، { أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة ، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة ، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها . قوله تعالى : { أو نسائهن } أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم ، هذا إذا كانت المرأة مسلمة ، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها ؟ اختلف العلم فيه ، فقال بعضهم : يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء ، وقال بعضهم : لا يجوز لأن الله تعالى قال : أو نسائهن والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين ، وكانت أبعد من الرجل الأجنبي . كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات . قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } اختلفوا فيها ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً ، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة ، كالمحارم وهو ظاهر القرآن . وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وروي ثابت عن أنس { عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " . وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقال : المراد من الآية الإماء دون العبيد . وعن ابن جريج أنه قال : ( أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن ) أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أمةً لها . قوله عز وجل : { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر غير بنصب الراء على القطع لأن التابعين معرفة وغير نكرة . وقيل : بمعنى إلا فهو استثناء ، معناه : يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة . وقرأ الآخرون بالجر على نعت التابعين والإربة والأرب : الحاجة . والمراد بالتابعين غير أولي الإربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ، ولا حاجة لهم في النساء ، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي . وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين . وقال الحسن : هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن . وقال سعيد بن جبير : هو المعتوه ، وقال عكرمة : المجبوب . وقيل : هو المخنث . وقال مقاتل : الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنبأنا أحمد بن الحسين الحيري ، أنبأنا محمد ابن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني ، أنبأنا محمد بن يحيى ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : " كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكن هذا ، فحجبوه " . { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أراد بالطفل الأطفال ، يكون واحداً وجمعاً ، أي : لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها . وقيل : لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر ، وهو قول مجاهد . وقيل : لم يطيقوا أمر النساء . وقيل : لم يبلغوا حد الشهوة . { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها ، فنهيت عن ذلك . { وتوبوا إلى الله جميعاً } من التقصير الواقع في أمره ونهيه . وقيل : راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة ، { أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } قرأ ابن عامر : ( آيه ) المؤمنون وبآية الساحر وآيه الثقلان بضم الهاء فيهن ، ويقف بلا ألف على الخط ، وقرأ الآخرون بفتح الهاءات على الأصل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أنبأنا حميد بن زنجويه ، أنبأنا وهب بن جرير ، أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة ، عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله ، فإني أتوب إليه في يوم مائة مرة " .

أخبرنا أبو الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أنبأنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن حريم الشاشي ، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن حميد الليثي ، حدثني ابن أبي شيبة ، أنبأنا عبد الله بن تمير ، عن مالك بن مغول ، عن محمد بن سوقة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول : رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة " . وجملة الكلام في بيان العورات : أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل ، وعورته ما بين السرة والركبة ، وكذلك المرأة مع المرأة ، ولا بأس بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة . وقال مالك وابن أبي ذئب : الفخذ ليس بعورة لما روي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال : " أجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم فرساً في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم " . وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفضل الحزقي ، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنبأنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنبأنا علي بن حجر ، أنبأنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن أبي كثير ، عن محمد بن جحش قال : " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان ، قال : يا معمر غط فخذيك ، فإن الفخذين عورة " وروي عن ابن عباس وجرهد بن خويلد ، كان من أصحاب الصفة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الفخذ عورة " . قال محمد بن إسماعيل : وحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط . أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبيةً حرةً : فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة ، ولا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، وإن كانت أمة : فعورتها مثل عورة الرجل ، ما بين السرة إلى الركبة ، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض . والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها . ويجوز للرجال أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له ، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه ، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها كالأمة الأجنبية ، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

قوله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هذا تخصيص من الله للمؤمنات إشعارا بأهمية الإناث في دفع الفتنة أن تقع . فإن النساء إذا اجتهدن في صد أسباب الفتنة والفاحشة ، وأبين للرجال أن يسترخوا أمامهن أو يصبوا إليهن أو يجنحوا نحوهن بغض أبصارهن عنهم وعدم خضوعهن بالقول كيلا يطمع الذي في قلبه مرض ، وارتدين فوق ذلك جلباب الستر والاحتشام ؛ فلا جرم حينئذ أن يُسهمن أعظم إسهام في صد الفتنة وإيصاد منافذ الفاحشة ودفع بواعث الزنا .

وعلى هذا وجب على المؤمنات أن يغضضن أبصارهن عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن . وبذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجال بشهوة أو بغير شهوة ؛ كيلا يطمع فيها أولو الضعف والريبة . ويعضد ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ( ص ) وميمونة . قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله ( ص ) : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " أوعمياوان أنتما ؟ ! أو لستما تبصرانه ؟ ! " .

وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرها إلى الرجل الأجنبي بغير شهوة وذلك لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ( ص ) جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد ، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت .

والجمع بين الدليلين المتعارضين ، القول بجواز النظر منهن للرجال من غير شهوة إذا أمنت الفتنة . فإذا لم يكن ثمة فتنة في نظرهن للرجال جاز ذلك . كاللواتي يحضرن مجالس العلم فينظرون إلى المعلم وهو يلقي عليهن دروسا في العلم ؛ فهن مادمن كثيرات ولا يقال أمامهن إلا الجد كالعلم والنصح والتحذير والنهي عن الباطل والمنكر ونحو ذلك فقد أمنت الفتنة ولا جناح عليهن حينئذ في ذلك .

أما إن كانت الفتنة ترخي بظلها المريب حين النظر ، كما لو كانت تنظر إليه في خلوة ؛ فإن ذلك حرام ، حتى وإن كانت تنظر إلى من يعلمها أو يرشدها إلى قواعد الأدب والسلوك .

قوله : ( ويحفظن فروجهن ) أي يحفظنها عما لا يحل من لمس أو نظر أو زنا أو غير ذلك من أسباب الفاحشة .

قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) نهى عن إظهار الزينة للأجانب إلا ما ظهر منها . أما الزينة فهي قسمان : زينة خِلقية ، وزينة مكتسبة . أما الخلقية ، فالمراد بها وجه المرأة . فهو أصل الزينة وجمال الإنسان لما فيه من أسباب المنافع التي جيء بها في الوجه على أحسن هيئة وأحسن ترتيب وذلك كالسمع والبصر والشم والذوق .

وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة لتحسين خلقتها بالتصنع كالثياب والحلي والكحل والخضاب ونحو ذلك من وجوه الزينة للنساء .

قوله : ( إلا ما ظهر منها ) استثنى الله من التحريم ما ظهر منها .

والمراد بما ظهر منها موضع خلاف . فقد قيل : الثياب . يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة . وقيل : المراد به الكحل والخاتم والخلخال والقرط والقلادة . وقيل : المراد بما ظهر منها ، والوجه والكفان .

وهو قول الجمهور . وهذا هو المشهور . ويعضد القول بذلك ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ( ص ) وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : " يا أسماء إن المرأة ؛ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه .

قوله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) الخمر ، المقانع جمع مقنعة . وواحد الخمر ، الخمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها . ومنه اختمرت المرأة أي أسدلت الغطاء على رأسها فغطته .

والجيوب ، جمع جيب ، وهو الطوق ، ومعناه النحر والصدر . فقد كان نساء الجاهلية يضربن ؛ أي يشددن خمرهن من خلف رؤوسهن فكانت تنكشف جيوبهن وهي نحورهن وقلائدهن . فأمر الله نساء المؤمنين أن يشددن مقانعهن على الجيوب ليغطين بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بذلك من شعر وزينة كالحلي في الأذن والنحر . وقد روى البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله ( وليضربن بخرمهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن بها .

ويسأل بعض الناس عن الحكمة في تشريع اللباس الساتر للنساء . اللباس الشرعي الفضفاض الذي يغطي جسد المرأة كله بدءا . بمفرق الشعر في الرأس حتى نهاية الأخمصين من القدمين كيلا يظهر من جسدها غير الوجه والكفين . وفي نفس الوقت لم يؤمر الرجال بستر أجسادهم جميعها إلا ما بين السرة والركبة . وقد يتصور بعض الظانين بالله ظن السوء أن تشريع اللباس للناس في صفته المشروعة يتضمن حرجا لهن أو تضييقا عليهن فضلا عما في ذلك من تمييز للرجال ومحاباة لهم .

فليس الأمر كما يتصوره هؤلاء الظانون الخاطئون . إنه ليس من تمييز للرجال ولا محاباة لهم على حساب النساء البتة . بل إنما التفضيل بين الناس جميعا ، أساسه التقوى دون غيره من الاعتبارات والمعايير . وعلى هذا فإن أتقى الناس وأخشاهم لله وأسرعهم لطاعته لهو الأفضل في ميزان الله سواء كان المفضل من الذكور أو الإناث ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

وإنما الحكمة التي تكمن في تشريع اللباس لهن ما يعلمه الله من حقيقة البشر وحقيقة فطرتهم وطبائعهم المختلفة ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الله يعلم ما بين الذكور والإناث من تفاوت في مدى الإثارة الجنسية ومدى الاستجابة للإغراء والفتنة . والله كذلك يعلم سرعة الهيجان في الغريزة لدى الرجال . فغريزتهم الحيوانية هذه لشد ما تشيط وتتهيج وتشب إذا ما استنفرتها ظواهر الإغراء في مفاتن النساء . فإنه في الوقت الذي تنفر فيه المرأة وتشمئز أو تتقزز من رؤية الرجال العراة ، فإن الرجل على عكس ذلك تماما ؛ فإنه يتفجر فيه بركان الغريزة ويضطرب لرؤية النساء الكاسيات العاريات . وبذلك فإن الرجال ينفعلون ويتململون ويهيجون بقدر ما يجدونه من فتنة النساء وإغرائهن . ويتضح ذلك في الكشف عن أجسادهن ومواطن الزينة في أبدانهن بما تثور بسببه بواعث الغريزة عند الرجال . فبات من الضرورة حجب هذه المفاتن والمحاسن المغرية عن أنظار الرجال . فكان تشريع اللباس الساتر للنساء .

قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية .

بعد أن نهى عن إظهار الزينة للرجال الأجانب استثنى من ذلك اثني عشر صنفا لا يحرم عليهم النظر إلى النساء وهم :

الصنف الأول : البعولة . لقوله تعالى : ( إلا لبعولتهن ) والبعولة جمع ومفرده البعل ، وهو الزوج{[3251]} .

الصنف الثاني : الآباء . لقوله تعالى : ( أو آبائهن ) ويشمل ذلك الآباء وإن علوا ، من جهة الذكران والإناث . كآباء الآباء وآباء الأمهات .

الصنف الثالث : آباء البعولة . لقوله تعالى : ( أو آباء بعولتهن ) .

الصنف الرابع : الأبناء . لقوله تعالى : ( أو أبنائهن ) الابن والأب أحق الأقارب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة . وذلك من أجل البغضية القائمة بين المرأة وكل من أبيها وابنها .

الصنف الخامس : أبناء البعولة . لقوله تعالى : ( أو أبناء بعولتهن ) ويدخل في ذلك أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات . وأبناء البعولة ينزلون منزلة الأبناء في المحرمية . فجاز لهم رؤية الزينة الباطنة . ويدخل في هؤلاء كذلك أولاد الأولاد ، وإن سفلوا من الذكران والإناث .

الصنف السادس : الإخوة . لقوله تعالى : ( أو إخوانهن ) سواء كان الإخوة من الأب أو من الأم أو منهما معا .

الصنف السابع : أبناء الإخوة وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو من إناث . لقوله تعالى : ( أو بني إخوانهن ) .

الصنف الثامن : أبناء الأخوات ، وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات ، وبني بنات الأخوات ؛ لقوله تعالى : ( أو بني أخواتهن ) ويلحق بهؤلاء المحارم كل من العم والخال . فهم كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول أكثر العلماء . أما الرضاع فحكمه كالنسب .

الصنف التاسع : النساء . لقوله تعالى : ( أو نسائهن ) يعني المسلمات فيخرج بذلك نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فإنه لا يحل لمسلمة أن تظهر شيئا من بدنها لامرأة مشركة . قال ابن عباس : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها .

وقيل : المراد جميع النساء ، سواء فيهن المسلمات والكوافر .

الصنف العاشر : العبيد والإماء سواء فيهم المسلمون وغير المسلمين ، لقوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهن ) فهو يشمل الجميع .

الصنف الحادي عشر : التابعون الذين بغير إربة . وذلك لقوله تعالى : ( أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال ) ( الإربة ) ، بالجر ، على أنه صفة للتابعين . وبالنصب على أنه مستثنى أو حال{[3252]} و ( الإربة ) ، بمعنى الحاجة{[3253]} وغير الإربة من الرجال ؛ أي الرجال الضعفاء الذي يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء .

وفي المراد بهم عدة أقوال : منها : أنه الصغير الذي ليس له شهوة . ومنها : أنه العنّين الذي لا يرغب في النساء . ومنها : أنه الأبله المعتوه الذي لا يدري من أمر النساء شيئا .

ومنها : الهرم لعجز إربه أو حاجته للنساء . ومنها : أنه الأحمق الذي لا يشتهي النساء ولا يغار عليه الرجال . ومنها : أنه خادم القوم للمعاش .

الصنف الثاني عشر : الأطفال الصغار . لقوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) الطفل اسم جنس . ويعني الجمع ؛ أي الأطفال . وذلك لنعته بالذين . ويسمى الطفل بهذا الاسم ما لم يراهق الحلم{[3254]} .

والمعنى : أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي لصغرهم وقيل : الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء لصغرهم ، وعلى هذا فإن الصغير الذي لم يتنبه لصغره ، على عورات النساء فلا عورة للنساء معه . أما إن تنبّه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها . وفي ستر ما سوى ذلك قولان : أحدهما : عدم لزوم الستر لعدم جريان القلم عليه . وثانيهما : لزوم الستر ؛ لأن المرأة قد تشتهيه وقد يشتهيها هو .

هؤلاء المذكورون يشتركون في جواز رؤية الزينة الباطنة من النساء . أما مدى ما تجوز رؤيته لهم من المرأة ، فهم في ذلك ثلاثة أقسام كما قال الحسن البصري .

القسم الأول : الزوج وله حرمة ليست لغيره من الناس ؛ إذ يحل له من امرأته كل شيء .

القسم الثاني : الابن والأب والأخ والجد وأبو الزوج وكل ذي محرم . والرضاع كالنسب ، فهؤلاء يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك . أي إن كانت المرأة ذات محرم للرجل بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل .

القسم الثالث : التابعون غير أولي الإربة من الرجال . وكذا مملوك المرأة ؛ فإنه يحل للمرأة أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع{[3255]} وخمار صفيق بغير ملحفة{[3256]} . ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ولا بشرا . والستر في ذلك كله أفضل . ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب .

أقسام العورات

العورات أربعة أقسام نبينها في التفصيل التالي :

القسم الأول : عورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يجوز له أن ينظر إلى جميع بدن الرجل إلا عورته . وعورته ما بين السرة والركبة . والسرة والركبة ليستا بعورة . وعند أبي حنيفة- رحمه الله- الركبة عورة . وقال الإمام مالك : الفخذ ليست بعورة . والدليل على كونها عورة ما روي عن حذيفة أن النبي ( ص ) مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه الصلاة والسلام : " غط فخذك فإنها من العورة " .

وإن كان في نظره إلى وجهه فتنة كما لو كان أمرد ؛ فلا يحل له أن ينظر إليه .

القسم الثاني : عورة المرأة مع المرأة وهذه كعورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يحل لها أن تنظر إلى جميع بدنها باستثناء مابين السرة والركبة .

القسم الثالث : عورة المرأة مع الرجل . فالمرأة إما أن تكون أجنبية ، أو ذات رحم محرم . فإن كانت أجنبية وهي حرة ؛ فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في التعامل كالبيع والشراء فتخرج كفها للأخذ والعطاء . والمراد بالكف ظهرها وبطنها حتى الكوعين أي الرسغين . على أن جواز النظر إلى وجهها وكفيها إنما يكون لحاجة وفي غير فتنة وهو ما بيناه سابقا . أما إن كان في النظر إلى وجهها وكفيها فتنة وكان ذلك لغير حاجة أو غرض فلا يجوز للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية . حتى لو وقع بصره على وجهها فجأة فإن عليه أن يغض بصره .

القسم الرابع : عورة الرجل مع المرأة . فإن كان الرجل أجنبيا من المرأة فعورته معها ما بين السرة والركبة . وقيل : جميع بدنه ، باستثناء الوجه والكفين كشأنها معه . وإن كان محرما لها فعورته معها ما بين السرة والركبة . وإن كان زوجها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كشأنه معها . وقيل : لا يكره . ويكره للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال . وذلك للحديث : " إياكم والتعري ؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله " وروي أن النبي ( ص ) سئل عن ذلك فقال : " الله أحق أن يستحيى منه " {[3257]} .

قوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) .

روي عن ابن عباس قوله : كانت المرأة الجاهلية تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال ويكون في رجليها خلاخل : فنهى الله عن ذلك ؛ لأنه فتنة . نهى النساء أن يجعلن في أرجلهن من الحلي كالخلاخل ونحوها ، ما إذا مشين تحركت الخلاخل فعلم الناس من حولهن ما يخفين من ذلك . وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى . وقد حذرت الشريعة من كل وجوه الفتنة التي يضل بها الرجال ويغوون تحت وطأة الإغراء والإغواء . ووجوه الفتنة في هذا الصدد كثيرة ، كاستعطار النساء ليجد الرجال من ريحهن المرغوبة ، وهن يمشين في الطريق ما تستشيط به غرائزهم{[3258]} . وفي ذلك روى الترمذي عن أبي موسى ( رضي الله عنه ) عن النبي ( ص ) أنه قال : " كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية .

قوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) أي أقبلوا على الله بالتوبة والإنابة والطاعة فيما أمركم به من غض البصر ، وحفظ الفروج والاستئذان والتسليم على أهل البيوت في وضوح وصراحة ، بعيدا عن الخيانة والتلصص واستراق البصر .

وكذلك اتركوا أعراف الجاهلية ورذائلهم لكي تنجو وتفوزوا برضوانه وجناته{[3259]} .


[3251]:- مختار الصحاح ص 58.
[3252]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 195.
[3253]:- مختار الصحاح ص 13.
[3254]:- مختار الصحاح ص 394 وتفسير الرازي جـ23 ص 210.
[3255]:- درع المرأة: قميصها. انظر مختار الصحاح ص 203.
[3256]:- الملحفة: من اللحاف وهو ما يتلحف به. وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به. انظر مختار الصحاح ص 593.
[3257]:- تفسير الرازي جـ23 ص 203 – 210 وأحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1359- 1362 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 283- 286.
[3258]:- تستشيط، واستشاط، أي التهب غضبا، وتشيط: احترق.انظر القاموس المحيط جـ2 ص 383.
[3259]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 286 وتفسير الطبري جـ 18 ص 97.