لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج ، أمر المؤمنات بذلك ، فقال : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عن النظر إلى العورات والرجال ، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع ، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } من التمكين من جماعها ، أو مسها ، أو النظر المحرم إليها . { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالثياب الجميلة والحلي ، وجميع البدن كله من الزينة ، ولما كانت الثياب الظاهرة ، لا بد لها منها ، قال : { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي : الثياب الظاهرة ، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها ، { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } وهذا لكمال الاستتار ، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها ، يدخل فيها جميع البدن ، كما ذكرنا . ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن ، ليستثني منه قوله : { إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } أي : أزواجهن { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ } يشمل الأب بنفسه ، والجد وإن علا ، { أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ } أشقاء ، أو لأب ، أو لأم . { أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي : يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقا ، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية ، أي : النساء المسلمات ، اللاتي من جنسكم ، ففيه دليل لمن قال : إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية .
{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى ، أن ينظر لسيدته ، ما دامت مالكة له كله ، فإن زال الملك أو بعضه ، لم يجز النظر . { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } أي : أو الذين يتبعونكم ، ويتعلقون بكم ، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة ، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك ، وكالعنين الذي لم يبق له شهوة ، لا في فرجه ، ولا في قلبه ، فإن هذا لا محذور من نظره .
{ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أي : الأطفال الذين دون التمييز ، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب ، وعلل تعالى ذلك ، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء ، أي : ليس لهم علم بذلك ، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا ، أن المميز تستتر منه المرأة ، لأنه يظهر على عورات النساء .
{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } أي : لا يضربن الأرض بأرجلهن ، ليصوت ما عليهن من حلي ، كخلاخل وغيرها ، فتعلم زينتها بسببه ، فيكون وسيلة إلى الفتنة .
ويؤخذ من هذا ونحوه ، قاعدة سد الوسائل ، وأن الأمر إذا كان مباحا ، ولكنه يفضي إلى محرم ، أو يخاف من وقوعه ، فإنه يمنع منه ، فالضرب بالرجل في الأرض ، الأصل أنه مباح ، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة ، منع منه .
ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة ، ووصى بالوصايا المستحسنة ، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك ، أمر الله تعالى بالتوبة ، فقال : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ } لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح ، فقال : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة ، وهي الرجوع مما يكرهه الله ، ظاهرا وباطنا ، إلى : ما يحبه ظاهرا وباطنا ، ودل هذا ، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة ، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا ، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } أي : لا لمقصد غير وجهه ، من سلامة من آفات الدنيا ، أو رياء وسمعة ، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة .
ولما بدأ بالقومة من الرجال ، ثنى بالنساء فقال : { وقل للمؤمنات } فرغب أيضاً بذكر هذا الوصف الشريف { يغضضن } ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم المحارم قال : { من أبصارهن } فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره ، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت : فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . { ويحفظن فروجهن } عما لا يحل لهن من كشف وغيره .
ولما كان النساء حبائل الشيطان ، أمرن بزيادة الستر بقوله : ناهياً عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى { ولا يبدين زينتهن } أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها { إلا ما ظهر منها } أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها .
ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل ، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن ، خصها فقال : { وليضربن } من الضرب ، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل ، يقال : ضرب في عمله : أخذ فيه ، وضرب بيده إلى كذا : أهوى ، وعلى يده : أمسك ، وضرب الليل بأرواقه : أقبل ، والضارب : الليل الذي ذهبت ظلمته يميناً وشمالاً وملأت الدنيا ، والضارب : الطويل من كل شيء والمتحرك .
ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار ، وهو ما لا صق الجيب منه ، عداه بالباء فقال : { بخمرهن } جمع خمار ، وهو منديل يوضع على الرأس ، وقال أبو حيان : وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها .
( على جيوبهن } جمع جيب ، وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق ، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها ستراً للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك ، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العمل ؛ قال أبو حيان : وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن . وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت { وليضربن بخمرهن } شققن مروطهن - وفي رواية : أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها ، يعني تسترن ما قدام ، والإزار هنا الملاء .
ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصاً في الزينة ، عم بقوله : { ولا يبدين } أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل ، وللتأكيد { زينتهن } أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره ، وهي ما عدا الوجه والكفين ، وظهور القدمين ، بوضع الجلباب ، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس رضي الله عنهما . { إلا لبعولتهن } أي أزواجهن ، فإن الزينة لهم جعلت . قال أبو حيان : ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن الزوج - انتهى . فقال تعالى : { أو آبائهن } أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال وكل منهما والد مجازاً بدليل { وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل } { أو آباء بعولتهن } فإن رحمتهم لأولادهم مانعة { أو أبنائهن } فإن لهن عليهن من الهيبة ما يبعد عن ذلك { أو أبناء بعولتهن } فإن هيبة آبائهم حائلة { أو إخوانهن } فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة { أو بني } عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين فتنقص عذوبته { إخوانهن أو بني أخواتهن } فإنهم كأبنائهن { أو نسائهن } أي المسلمات ، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال ؛ روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه ينهى عن دخول الذميات الحمام مع المسلمات ، وقال : فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها ، وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما . { وأما ما ملكت أيمانهن } أي من الذكور والإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة ، وحمل ابن المسيب الآية على الإماء فقط ؛ قال أبو حيان : قال الزمخشري : وهذا هو الصحيح ، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيّاً كان أو فحلاً ، وعن ميسون بنة بحدل الكلابية أن معاوية رضي الله عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال : هو خصي ، فقالت : يا معاوية ! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى .
وقصة مابور ترد هذا ، وقوله : الكلابية ، قال شيخنا في تخريج الكشاف : صوابه : الكلبية بإسكان اللام . { أو التابعين } أي للخدمة أو غيرها { غير أولي الإربة } أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء { من الرجال } كالشيوخ الفانين ومن بهم علة منعت شهوتهم ، وكذا من كان ممسوحاً لقصة مابور { أو } من { الطفل } أي جنسه ، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة ، وهو في الأصل : الرخص الناعم من كل شيء ، وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج ملتبساً بالتراب الذي تأكله الحامل ، قال في القاموس : وطفل النبت كفرح وطفل بالضم تطفيلاً : أصابه التراب ، والطفال ، كغراب وسحاب : الطين اليابس . قال القزاز : ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه : طفل ، { الذين لم يظهروا } أي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع { على عورات النساء } لعدم بلوغ سن الشهوة لذلك .
ولما نهى عن الإظهار ، نبه على أمر خفي منه فقال : { ولا يضربن بأرجلهن } أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها . ولما كان ذلك لمطلق الإعلام ، بناه للمفعول فقال : { ليعلم ما يخفين } أي بالساتر الذي أمرن به { من زينتهن } بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور ، وفي معنى ذلك التطيب ، والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى .
ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم بالتقدم فيه إلى الرجال والنساء ، وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن أبلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير ، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة ، وأن الإنسان لكونه محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن ، فقال : { وتوبوا إلى الله } أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية { جميعاً } رجالكم ونسائكم { أيُّه المؤمنون } والتعبير بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها إلا راسخ القدم في الإيمان ، عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في النقصان ، وهذا الأمر للوجوب ، وإذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من باب الأولى { لعلكم تفلحون* } أي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج ؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : إن الإنسان من حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة ، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله ، وكل ذلك نقص ، وله أسباب ، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده ، والمراد بالتوبة الرجوع ، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص ، وإنما يتفاوتون في المقادير .
قوله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هذا تخصيص من الله للمؤمنات إشعارا بأهمية الإناث في دفع الفتنة أن تقع . فإن النساء إذا اجتهدن في صد أسباب الفتنة والفاحشة ، وأبين للرجال أن يسترخوا أمامهن أو يصبوا إليهن أو يجنحوا نحوهن بغض أبصارهن عنهم وعدم خضوعهن بالقول كيلا يطمع الذي في قلبه مرض ، وارتدين فوق ذلك جلباب الستر والاحتشام ؛ فلا جرم حينئذ أن يُسهمن أعظم إسهام في صد الفتنة وإيصاد منافذ الفاحشة ودفع بواعث الزنا .
وعلى هذا وجب على المؤمنات أن يغضضن أبصارهن عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن . وبذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجال بشهوة أو بغير شهوة ؛ كيلا يطمع فيها أولو الضعف والريبة . ويعضد ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ( ص ) وميمونة . قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله ( ص ) : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " أوعمياوان أنتما ؟ ! أو لستما تبصرانه ؟ ! " .
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرها إلى الرجل الأجنبي بغير شهوة وذلك لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ( ص ) جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد ، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت .
والجمع بين الدليلين المتعارضين ، القول بجواز النظر منهن للرجال من غير شهوة إذا أمنت الفتنة . فإذا لم يكن ثمة فتنة في نظرهن للرجال جاز ذلك . كاللواتي يحضرن مجالس العلم فينظرون إلى المعلم وهو يلقي عليهن دروسا في العلم ؛ فهن مادمن كثيرات ولا يقال أمامهن إلا الجد كالعلم والنصح والتحذير والنهي عن الباطل والمنكر ونحو ذلك فقد أمنت الفتنة ولا جناح عليهن حينئذ في ذلك .
أما إن كانت الفتنة ترخي بظلها المريب حين النظر ، كما لو كانت تنظر إليه في خلوة ؛ فإن ذلك حرام ، حتى وإن كانت تنظر إلى من يعلمها أو يرشدها إلى قواعد الأدب والسلوك .
قوله : ( ويحفظن فروجهن ) أي يحفظنها عما لا يحل من لمس أو نظر أو زنا أو غير ذلك من أسباب الفاحشة .
قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) نهى عن إظهار الزينة للأجانب إلا ما ظهر منها . أما الزينة فهي قسمان : زينة خِلقية ، وزينة مكتسبة . أما الخلقية ، فالمراد بها وجه المرأة . فهو أصل الزينة وجمال الإنسان لما فيه من أسباب المنافع التي جيء بها في الوجه على أحسن هيئة وأحسن ترتيب وذلك كالسمع والبصر والشم والذوق .
وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة لتحسين خلقتها بالتصنع كالثياب والحلي والكحل والخضاب ونحو ذلك من وجوه الزينة للنساء .
قوله : ( إلا ما ظهر منها ) استثنى الله من التحريم ما ظهر منها .
والمراد بما ظهر منها موضع خلاف . فقد قيل : الثياب . يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة . وقيل : المراد به الكحل والخاتم والخلخال والقرط والقلادة . وقيل : المراد بما ظهر منها ، والوجه والكفان .
وهو قول الجمهور . وهذا هو المشهور . ويعضد القول بذلك ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ( ص ) وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : " يا أسماء إن المرأة ؛ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه .
قوله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) الخمر ، المقانع جمع مقنعة . وواحد الخمر ، الخمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها . ومنه اختمرت المرأة أي أسدلت الغطاء على رأسها فغطته .
والجيوب ، جمع جيب ، وهو الطوق ، ومعناه النحر والصدر . فقد كان نساء الجاهلية يضربن ؛ أي يشددن خمرهن من خلف رؤوسهن فكانت تنكشف جيوبهن وهي نحورهن وقلائدهن . فأمر الله نساء المؤمنين أن يشددن مقانعهن على الجيوب ليغطين بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بذلك من شعر وزينة كالحلي في الأذن والنحر . وقد روى البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله ( وليضربن بخرمهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن بها .
ويسأل بعض الناس عن الحكمة في تشريع اللباس الساتر للنساء . اللباس الشرعي الفضفاض الذي يغطي جسد المرأة كله بدءا . بمفرق الشعر في الرأس حتى نهاية الأخمصين من القدمين كيلا يظهر من جسدها غير الوجه والكفين . وفي نفس الوقت لم يؤمر الرجال بستر أجسادهم جميعها إلا ما بين السرة والركبة . وقد يتصور بعض الظانين بالله ظن السوء أن تشريع اللباس للناس في صفته المشروعة يتضمن حرجا لهن أو تضييقا عليهن فضلا عما في ذلك من تمييز للرجال ومحاباة لهم .
فليس الأمر كما يتصوره هؤلاء الظانون الخاطئون . إنه ليس من تمييز للرجال ولا محاباة لهم على حساب النساء البتة . بل إنما التفضيل بين الناس جميعا ، أساسه التقوى دون غيره من الاعتبارات والمعايير . وعلى هذا فإن أتقى الناس وأخشاهم لله وأسرعهم لطاعته لهو الأفضل في ميزان الله سواء كان المفضل من الذكور أو الإناث ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
وإنما الحكمة التي تكمن في تشريع اللباس لهن ما يعلمه الله من حقيقة البشر وحقيقة فطرتهم وطبائعهم المختلفة ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الله يعلم ما بين الذكور والإناث من تفاوت في مدى الإثارة الجنسية ومدى الاستجابة للإغراء والفتنة . والله كذلك يعلم سرعة الهيجان في الغريزة لدى الرجال . فغريزتهم الحيوانية هذه لشد ما تشيط وتتهيج وتشب إذا ما استنفرتها ظواهر الإغراء في مفاتن النساء . فإنه في الوقت الذي تنفر فيه المرأة وتشمئز أو تتقزز من رؤية الرجال العراة ، فإن الرجل على عكس ذلك تماما ؛ فإنه يتفجر فيه بركان الغريزة ويضطرب لرؤية النساء الكاسيات العاريات . وبذلك فإن الرجال ينفعلون ويتململون ويهيجون بقدر ما يجدونه من فتنة النساء وإغرائهن . ويتضح ذلك في الكشف عن أجسادهن ومواطن الزينة في أبدانهن بما تثور بسببه بواعث الغريزة عند الرجال . فبات من الضرورة حجب هذه المفاتن والمحاسن المغرية عن أنظار الرجال . فكان تشريع اللباس الساتر للنساء .
قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية .
بعد أن نهى عن إظهار الزينة للرجال الأجانب استثنى من ذلك اثني عشر صنفا لا يحرم عليهم النظر إلى النساء وهم :
الصنف الأول : البعولة . لقوله تعالى : ( إلا لبعولتهن ) والبعولة جمع ومفرده البعل ، وهو الزوج{[3251]} .
الصنف الثاني : الآباء . لقوله تعالى : ( أو آبائهن ) ويشمل ذلك الآباء وإن علوا ، من جهة الذكران والإناث . كآباء الآباء وآباء الأمهات .
الصنف الثالث : آباء البعولة . لقوله تعالى : ( أو آباء بعولتهن ) .
الصنف الرابع : الأبناء . لقوله تعالى : ( أو أبنائهن ) الابن والأب أحق الأقارب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة . وذلك من أجل البغضية القائمة بين المرأة وكل من أبيها وابنها .
الصنف الخامس : أبناء البعولة . لقوله تعالى : ( أو أبناء بعولتهن ) ويدخل في ذلك أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات . وأبناء البعولة ينزلون منزلة الأبناء في المحرمية . فجاز لهم رؤية الزينة الباطنة . ويدخل في هؤلاء كذلك أولاد الأولاد ، وإن سفلوا من الذكران والإناث .
الصنف السادس : الإخوة . لقوله تعالى : ( أو إخوانهن ) سواء كان الإخوة من الأب أو من الأم أو منهما معا .
الصنف السابع : أبناء الإخوة وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو من إناث . لقوله تعالى : ( أو بني إخوانهن ) .
الصنف الثامن : أبناء الأخوات ، وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات ، وبني بنات الأخوات ؛ لقوله تعالى : ( أو بني أخواتهن ) ويلحق بهؤلاء المحارم كل من العم والخال . فهم كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول أكثر العلماء . أما الرضاع فحكمه كالنسب .
الصنف التاسع : النساء . لقوله تعالى : ( أو نسائهن ) يعني المسلمات فيخرج بذلك نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فإنه لا يحل لمسلمة أن تظهر شيئا من بدنها لامرأة مشركة . قال ابن عباس : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها .
وقيل : المراد جميع النساء ، سواء فيهن المسلمات والكوافر .
الصنف العاشر : العبيد والإماء سواء فيهم المسلمون وغير المسلمين ، لقوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهن ) فهو يشمل الجميع .
الصنف الحادي عشر : التابعون الذين بغير إربة . وذلك لقوله تعالى : ( أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال ) ( الإربة ) ، بالجر ، على أنه صفة للتابعين . وبالنصب على أنه مستثنى أو حال{[3252]} و ( الإربة ) ، بمعنى الحاجة{[3253]} وغير الإربة من الرجال ؛ أي الرجال الضعفاء الذي يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء .
وفي المراد بهم عدة أقوال : منها : أنه الصغير الذي ليس له شهوة . ومنها : أنه العنّين الذي لا يرغب في النساء . ومنها : أنه الأبله المعتوه الذي لا يدري من أمر النساء شيئا .
ومنها : الهرم لعجز إربه أو حاجته للنساء . ومنها : أنه الأحمق الذي لا يشتهي النساء ولا يغار عليه الرجال . ومنها : أنه خادم القوم للمعاش .
الصنف الثاني عشر : الأطفال الصغار . لقوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) الطفل اسم جنس . ويعني الجمع ؛ أي الأطفال . وذلك لنعته بالذين . ويسمى الطفل بهذا الاسم ما لم يراهق الحلم{[3254]} .
والمعنى : أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي لصغرهم وقيل : الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء لصغرهم ، وعلى هذا فإن الصغير الذي لم يتنبه لصغره ، على عورات النساء فلا عورة للنساء معه . أما إن تنبّه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها . وفي ستر ما سوى ذلك قولان : أحدهما : عدم لزوم الستر لعدم جريان القلم عليه . وثانيهما : لزوم الستر ؛ لأن المرأة قد تشتهيه وقد يشتهيها هو .
هؤلاء المذكورون يشتركون في جواز رؤية الزينة الباطنة من النساء . أما مدى ما تجوز رؤيته لهم من المرأة ، فهم في ذلك ثلاثة أقسام كما قال الحسن البصري .
القسم الأول : الزوج وله حرمة ليست لغيره من الناس ؛ إذ يحل له من امرأته كل شيء .
القسم الثاني : الابن والأب والأخ والجد وأبو الزوج وكل ذي محرم . والرضاع كالنسب ، فهؤلاء يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك . أي إن كانت المرأة ذات محرم للرجل بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل .
القسم الثالث : التابعون غير أولي الإربة من الرجال . وكذا مملوك المرأة ؛ فإنه يحل للمرأة أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع{[3255]} وخمار صفيق بغير ملحفة{[3256]} . ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ولا بشرا . والستر في ذلك كله أفضل . ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب .
العورات أربعة أقسام نبينها في التفصيل التالي :
القسم الأول : عورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يجوز له أن ينظر إلى جميع بدن الرجل إلا عورته . وعورته ما بين السرة والركبة . والسرة والركبة ليستا بعورة . وعند أبي حنيفة- رحمه الله- الركبة عورة . وقال الإمام مالك : الفخذ ليست بعورة . والدليل على كونها عورة ما روي عن حذيفة أن النبي ( ص ) مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه الصلاة والسلام : " غط فخذك فإنها من العورة " .
وإن كان في نظره إلى وجهه فتنة كما لو كان أمرد ؛ فلا يحل له أن ينظر إليه .
القسم الثاني : عورة المرأة مع المرأة وهذه كعورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يحل لها أن تنظر إلى جميع بدنها باستثناء مابين السرة والركبة .
القسم الثالث : عورة المرأة مع الرجل . فالمرأة إما أن تكون أجنبية ، أو ذات رحم محرم . فإن كانت أجنبية وهي حرة ؛ فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في التعامل كالبيع والشراء فتخرج كفها للأخذ والعطاء . والمراد بالكف ظهرها وبطنها حتى الكوعين أي الرسغين . على أن جواز النظر إلى وجهها وكفيها إنما يكون لحاجة وفي غير فتنة وهو ما بيناه سابقا . أما إن كان في النظر إلى وجهها وكفيها فتنة وكان ذلك لغير حاجة أو غرض فلا يجوز للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية . حتى لو وقع بصره على وجهها فجأة فإن عليه أن يغض بصره .
القسم الرابع : عورة الرجل مع المرأة . فإن كان الرجل أجنبيا من المرأة فعورته معها ما بين السرة والركبة . وقيل : جميع بدنه ، باستثناء الوجه والكفين كشأنها معه . وإن كان محرما لها فعورته معها ما بين السرة والركبة . وإن كان زوجها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كشأنه معها . وقيل : لا يكره . ويكره للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال . وذلك للحديث : " إياكم والتعري ؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله " وروي أن النبي ( ص ) سئل عن ذلك فقال : " الله أحق أن يستحيى منه " {[3257]} .
قوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) .
روي عن ابن عباس قوله : كانت المرأة الجاهلية تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال ويكون في رجليها خلاخل : فنهى الله عن ذلك ؛ لأنه فتنة . نهى النساء أن يجعلن في أرجلهن من الحلي كالخلاخل ونحوها ، ما إذا مشين تحركت الخلاخل فعلم الناس من حولهن ما يخفين من ذلك . وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى . وقد حذرت الشريعة من كل وجوه الفتنة التي يضل بها الرجال ويغوون تحت وطأة الإغراء والإغواء . ووجوه الفتنة في هذا الصدد كثيرة ، كاستعطار النساء ليجد الرجال من ريحهن المرغوبة ، وهن يمشين في الطريق ما تستشيط به غرائزهم{[3258]} . وفي ذلك روى الترمذي عن أبي موسى ( رضي الله عنه ) عن النبي ( ص ) أنه قال : " كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية .
قوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) أي أقبلوا على الله بالتوبة والإنابة والطاعة فيما أمركم به من غض البصر ، وحفظ الفروج والاستئذان والتسليم على أهل البيوت في وضوح وصراحة ، بعيدا عن الخيانة والتلصص واستراق البصر .
وكذلك اتركوا أعراف الجاهلية ورذائلهم لكي تنجو وتفوزوا برضوانه وجناته{[3259]} .